رجال دين هندوس يحتفون بعيد "آرتي"  (تعبيرية)
رجال دين هندوس يحتفون بعيد "آرتي" (تعبيرية)

عاشت مدينة "ليستر" في وسط بريطانيا، الأسبوع الماضي، حالة من التوتر والمواجهات بين شباب هندوس ومسلمين، مما استدعى السلطات لإعلان استنفار أمني شامل  بعد أن كادت الأوضاع تخرج عن السيطرة وتتحول لحرب شوارع بين الطرفين. 

ونجم عن أعمال العنف هذه إصابة 25 من رجال الشرطة، إضافة إلى اعتقال 47 شخصا، وما زال الوجود الأمني كثيفا في المدينة . ويقول العديد من شهود المواجهات إن الأحداث بين الطرفين اندلعت على خلفية مباراة كريكيت بين الهند وباكستان جرت قبل عدة أشهر. 

وتشير المعلومات إلى أن الأسباب الحقيقية وراء المواجهات في مدينة ليستر تتمثل في تأثير الوضع السياسي الذي تعيشه الهند، فضلاً عن قدوم أشخاص من خارج المدينة محسوبين على الطرفين لتأجيج التوتر. 

يشكل الهندوس الأغلبية الساحقة من سكان الهند البالغ عددهم 1,4 مليار نسمة، وبعد نيل البلاد استقلالها عن بريطانيا، عام 1947، اختار قادتها، وعلى رأسهم المهاتما غاندي وجواهر لال نهرو، أن يكون وطنهم "علمانيا"، حيث رأوا أن العلمانية هي السبيل الوحيد لخلق الاستقرار والتعايش بين مختلف الأديان والقوميات وحتى يتمتع أي مواطن فيه بالمساواة بصرف النظر عن ديانته. 

ونتيجة تمسكه بهذه التوجه العلماني كوسيلة ناجعة لإدارة التنوع الديني والقومي في بلده، تم اغتيال غاندي بعد أقل من عام على استقلال الهند وانفصال باكستان على يد متطرف هندوسي رأى في سياسته تسامحا مع المسلمين أكثر من اللازم. 

وللتأكيد على علمانية الدولة فقد نص الدستور الهندي في مقدمة تعديله للعام 1976 على أن "الهند دولة علمانية ديمقراطية"، وهو الأمر الذي يعني منع تدخل الدولة في الشؤون الدينية، ذلك أن مجرد دخول الدولة في أمور الدين سيؤدي إلى عدم حيادها وتحولها إلى أداة للتمييز بين الهويات الدينية المختلفة.  

وقد أثبتت الأيام صحة خيار قادة الهند في تبني النظام العلماني الذي وفر درجة عالية من الاستقرار السياسي لبلادهم كما حد من المواجهات بين الأقليات المسلمة والسيخية والمسيحية وغيرها مع الأكثرية الهندوسية، حيث كفل للجميع الحقوق المتساوية والحريات الكاملة.

غير أن هذه الأوضاع بدأت في التغير بعد صعود نجم حزب الشعب "بهارتيا جاناتا" (تأسس عام 1980) صاحب الشعارات القومية التي تنادي "بهندوسية الهند". 

وقد أحدث وصول حزب الشعب للحكم وتعيين رئيس الوزراء، نارندرا مودي، عام 2014، هزة عنيفة لأركان النظام العلماني الذي سعى لترسيخه آباء الاستقلال، حيث شهدت البلاد تراجعا كبيرا في حقوق الأقليات، وعلى رأسها الأقلية المسلمة (أكبر أقلية في الهند ويبلغ عددها حوالي 200 مليون نسمة)، وهو الأمر الذي انعكس في عدد من الأحداث. 

أبرز تلك الأحداث تمثل في سماح المحكمة العليا في عام 2020 ببناء معبد للإله الهندوسي "رام" في مكان مسجد بابري، الذي تم تدميره، عام 1992، في المواجهات العنيفة بين المسلمين والهندوس والتي أدت إلى مقتل نحو 3 آلاف شخص معظمهم من المسلمين. 

وكذلك شكل قانون المواطنة لعام 2019 ضربة قوية للعلمانية والتسامح في الهند، وهو القانون الذي يسمح لملايين المهاجرين من أفغانستان وباكستان وبنغلاديش الذين يعتنقون مختلف الأديان، عدا المسلمين، بالحصول على الجنسية الهندية. 

وخلال الأشهر الماضية، نشبت أزمة دبلوماسية حادة بين الهند وعدد من الدول الإسلامية، نتيجة تصريحات حول الرسول الكريم محمد، أطلقتها المتحدثة السابقة باسم حزب "بهاراتيا جاناتا"، نوبور شارما، والناطق الإعلامي السابق باسم الحزب، كومار جيندال. 

وإذ يستمر تآكل الأسس العلمانية (المواطنة) واستبدالها بالهوية الدينية والقومية، فإنه ينذر بانزلاق الهند في دوامة النزاعات الأهلية، ذلك أن اللاهوت في أصله يستند إلى أنظمة نفي متبادل، كما يقول الدكتور محمد أركون، فكل دين يرى في نفسه الحق وفي بقية الأديان غير ذلك وهذا أمر سيستمر إلى قيام الساعة وفي هذه الأثناء وحتى قيام الساعة سيوظف كل دين عقيدته في سبيل السيطرة والسيادة. 

والأمر المهم في قضية التوظيف الديني للعقائد هو انعكاساتها السياسية والاجتماعية والثقافية التي تؤثر سلبا على الاستقرار. ومن المؤكد أنه ليس مطلوبا أن تتوحد كل الأديان، فهذا أمر مستحيل، ويسير عكس المشيئة الإلهية. المطلوب هو الإعلاء من قيم التسامح والتحاور والتعايش الموجودة في كل دين، وأن يأتي ذلك في إطار أساس المواطنة الذي بنيت عليه الدولة الحديثة. 

ولا تملك الهند مخرجا من نفق صراع الهويات الدموي الذي يهدد بزعزعة استقرارها سوى التمسك بنظامها العلماني الذي استطاعت عبره صناعة أكبر ديمقراطية في العالم، كما تمكنت من استيعاب التعدد والتنوع الديني والقومي واللغوي والذي خلق بدوره استقرارا وتعايشا اجتماعيا بين مكوناتها المختلفة.      

ومن هنا، فإنه يتضح بجلاء أن المواجهات التي شهدتها مدينة ليستر البريطانية، قد انطلقت من الهند على بعد آلاف الأميال، فهي ليست سوى أحد مظاهر العلاقة المتوترة بين الهندوس والمسلمين وهو الأمر الذي يؤشر إلى إمكانية تمدد النزاعات الدينية حتى تصبح صراعات أممية تؤدي إلى تهديد السلم والأمن الدولي. 

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

في مقابلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهيرة مع مجلة "ذا أتلانتيك"، يسأل الصحفي، محمد بن سلمان ماذا تريد أن يعرف الرئيس الأميركي جو بايدن شيئا عنك قد لا يعرفه غيره؟، فيجيب بكل صراحة ومباشرة "هذا لا يهمني، والأمر متروك له، ولتفكيره في مصالح أميركا".

هذا الكلام لم يكن أبدا متوقعا، ولا حتى في الأحلام، فالاتهامات التاريخية للمملكة السعودية أنها تابع لأميركا، ولا تخالفها، أو تعصي أوامرها، ولكن الأمير الذي كان بايدن يتوعد بنبذه، يقرر أن يتعامل بندية، وأن لا يلقي بالا للمصافحة الشهيرة بقبضات الأيدي حين زار بايدن الرياض ليُظهر الجفاء، والحزم في التعامل مع ولي العهد بعد الاتهامات بمقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

لم يكن متوقعا أن يخرج محمد بن سلمان من تداعيات قضية مقتل خاشقجي بسهولة، غير أنه بعد 5 سنوات يظهر أن الرياض تختار أصدقائها، وتدير الظهر لمن يخاصمها، وكل الوعيد، والتابوهات التي تحدث عنها زعماء في الغرب تلاشت، ويتسابقون على ود القيادة السعودية، دون أي تحفظات.

منذ أن تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، ثم رئاسة الوزراء لاحقا، فعليا هو الذي يحكم على أرض الواقع، شهدت المملكة تغيرات غير مسبوقة، وما كان مستحيلا أن تراه في المدن السعودية صار حقيقة، واليوم تدشن الرياض سباقا مع الزمن في ميادين الاقتصاد، والثقافة، والترفيه، والعنوان الرئيس قطع مع الماضي، فالمملكة التي سيطرت عليها الحركة الوهابية لعقود تكاد تجلياتها أن تنتهي، والدولة الدينية التي كانت جماعة الأمر بالمعروف تصول وتجول بها اختفت، ولم يعد هناك ما كان يسمى "شرطة دينية" تراقب تطبيق الشريعة الإسلامية، وتفرض الإغلاق للمحلات التجارية وقت الصلاة، وتمنع خروج النساء دون عباءة سوداء، وتصطدم بكل من يفكر بإقامة اي أنشطة ترفيهية.
 
باختصار تغير الحال، ويلخص بعض الغاضبون لهذه التحولات ما وقع بالقول "اختفت هيئة الأمر بالمعروف، وحلت مكانها هيئة الترفيه" التي يقودها تركي آل الشيخ الشخصية المثيرة للجدل.

لم يكن الأمير محمد بن سلمان يُخفي رغبته في المضي في تحولات تعاكس الموروث الاجتماعي، ويبدو وكأنه متصادم مع إرث ديني، ولهذا يقول في حديث بمنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض "لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورا، وسوف نقضي على التطرف".

قبل أكثر من 20 عاما كانت السعودية توجه لها أصابع الاتهام بأنها حاضنة للتطرف، وما زالت أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، وضلوع سعوديين بها حاضرة في الأذهان، واليوم تطوي السعودية صفحة من تاريخ سماه ولي العهد "اختطاف الجماعات المتطرفة للإسلام".

نقطة البداية ومحاولة تأصيل فكرة التحولات في السعودية كانت في رؤية 2030، وعناوينها الأساسية؛ مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وحين طرحت التصورات، والمبادرات، والمشاريع، كثيرون اعتبروها قفزة في الهواء، لن تقوى السعودية على مقاربتها، وربما حين تسمع عن مشروع مثل مدينة نيوم، تتحدث الأرقام أن كلفتها تقارب 500 مليار دولار، قد ينظر له على أنه محض خيال لن يطبق.

نيوم مدينة صديقة للبيئة، خالية من السيارات، وانبعاثات الكربون، شواطئ مضيئة، و"ذا لاين" مدينة بخط مستقيم تزيد عن 170 كم، وقطارات فائقة السرعة، والأهم أنها خارج النظام القضائي السعودي، وقيل، ولا زال يُقال عنها الكثير الكثير.
 
هذه المدينة حين ترى الوجود ستهدد، وتنافس كل مدن البحر الأحمر، وكل المزارات السياحية، والتوجس من الاستيقاظ السعودي يرعب الكثير من دول الإقليم.

كان استقطاب نادي النصر السعودي للاعب الأكثر شهرة في التاريخ رونالدو بعقد خيالي يتجاوز 400 مليون يورو خلال موسمين رياضين محل تندر، والحديث الدائر اليوم أن نادي الهلال يفاوض ميسي لاستقطابه في صفقة مالية أعلى، وكل هذا لا يحدث بمعزل عن رؤية سعودية تريد أن تكون الوجهة الأولى التي تلفت الانتباه، وأنها تريد استخدام القوة الناعمة كالرياضة لغزو العالم، لتصبح أكثر حضورا على الخارطة العالمية، والكلام عن عرض لاستضافة مونديال كأس العالم عام 2030 بالتشارك مع مصر واليونان يصب في ذات الوجهة، والعنوان.

عند العودة إلى حديث ولي العهد السعودي لمجلة "أتلانتيك" تجد الكثير من الأفكار التي تمضي الآن حاضرة، فهو يشير إلى أن السعودية تغيرت عما كانت عليه قبل سبع سنوات، وان التطور الاجتماعي يسير بالاتجاه الصحيح، وأن بلاده من أسرع الدول نموا، وتملك أكبر 10 صناديق استثمارات في العالم، وأكثر من ذلك يقول بفصيح العبارة أن محمد بن عبد الوهاب ليس أكثر من داعية، وهو الذي كان لا يمس.

الخصوصية السعودية أكثر ما هو لافت في أحاديث محمد بن سلمان، فهو يرفض أن تكون التغييرات مفروضة، أو منسوخة، فالمملكة لا تريد أن تكون مثل دبي، أو أميركا، وإنما تسعى لتطوير نموذجها الخاص، ويسهب في الحديث عن فرادة المشاريع السعودية، فمدينة العلا موجودة فقط بالسعودية، ولا يوجد لها نموذج على الكوكب، ونفس الحال ذا لاين في نيوم، أو القدية المشروع الرياضي الترفيهي الأكبر في العالم.

تريد السعودية أن تستقطب 100 مليون سائح مع عام 2030، وتذلل كل العقبات أمام تدفق الناس إليها، فلا خطوط حمراء، ففي رأس السنة حشدت أهم نجوم الفن والغناء العرب في ليلة واحدة، وكل يوم مبادرة جديدة في مواسم الرياض، وحتى تزور السعودية يكفي أن تكون لديك تأشيرة للولايات المتحدة، أو "تشنجن" لتعبر بسلاسة ودون تعقيد.

المنتقدون يرون أن كل هذه التحولات الاقتصادية، والاجتماعية، والتخلي عن التشدد الديني لا يستند إلى دمقرطة البلاد، وولوجها إلى قيم تستند إلى ضمان الحقوق، والحريات، ولكن الحقيقة التي لا تغيب عن القيادة السعودية أن الغرب يقدم المصالح على المبادئ، ونهوض المملكة للمزاحمة، والمنافسة بتزامن من انكسارات ديموقراطية، ليس في العالم العربي وحده، وإنما الاهتزازات طالت أنظمة في الغرب طالما تغنت في معايير حقوق الإنسان، ولهذا فإن التحولات العالمية، ومنها الحرب في أوكرانيا، وتراجع العالم أحادي الأقطاب، وصعود الصين نموذجا لحالة جديدة، يمكن "المملكة السليمانية" إن جاز التعبير من المناورة، وبناء التحالفات لتكون لها موطأ قدم صلب على هذا الكوكب، وهي اللعبة التي بدأ يمسك مفاتيحها ولي العهد السعودي الطامح لإعادة إنتاج صورة جديدة لبلاده.