فنادق المغرب ترفض استضافة النساء المغربيات
فنادق المغرب ترفض استضافة النساء المغربيات

يوم 5 يوليوز 2014، نشرت الطبيبة النفسية المغربية فاتن فيفاني مقالة رأي باللغة الفرنسية تحت عنوان: "أمي، ما الذي يعنيه أن أكون مغربية؟".  

في النص الذي نشرته هذه الطبيبة، حكت بكثير من الغضب والإحساس بالإهانة، كيف رفض أكثر من فندق في الرباط السماح لها بالمبيت، بما أن عنوانها على بطاقة التعريف الوطنية يحيل على مقر سكناها في نفس المدينة. 

بعد النقاش الذي أحدثته تلك الواقعة، صرح وزير الداخلية المغربي حينها، في جلسة برلمانية، بأن الأمر يتعلق بممارسة تمييزية أساسها "شطط من بعض موظفي المؤسسات الفندقية"، بما أن القانون لا يحيل على شيء من هذا القبيل. 

هذه الواقعة كنتُ قد تطرقت لها في كتابي "الجنسانية والعزوبة في المغرب"، الصادر سنة 2017... وكان سيكون جميلا جدا لو أن رد الوزير حينها وضع حدا لهذه الممارسة.   

لكن الحقيقة عكس ذلك تماما... لأن رد الوزير كان في وادٍ، والواقع في وادٍ آخر تماما... وادٌ مازالت كرامة النساء المغربيات تهدر فيه إلى غاي الآن، مادامت العديد من المؤسسات الفندقية تعتبرهن "مهنيات جنس" إلى أن يثبت العكس! وإلا، فأي تفسير آخر نعطيه لرفض بعض هذه المؤسسات كراء غرفة لكل امرأة تقيم في نفس المدينة التي يوجد بها الفندق؟ 

في خريف 2022 (مجازا، بكل أسف... لأن التغيرات المناخية تحرمنا من النعم الحقيقية لتحول الفصول وتجعلنا، في سبتمبر من هذه السنة، نعيش في حرارة صيفية يفترض أن تقلقنا!)، ها نحن أمام رد جديد لوزارة الداخلية المغربية احتفت به وسائل الإعلام وكأن الأمر يتعلق بإنجاز! الرد الكتابي لوزارة الداخلية جاء كجواب على سؤال كتابي للنائب البرلماني عن الفريق الاشتراكي، المهدي الفاطمي. يقول الرد إن "هذه الوزارة لم يسبق لها أن أصدرت أية تعليمات لمصالحها المختصة من أجل إلزام أرباب الفنادق والمؤسسات السياحية بعدم السماح بمبيت النساء في الفنادق الموجودة بالمدن التي تقطنّ بها، كما أن الأبحاث التي أجريت بهذا الشأن لم تسفر عن وجود أية تجاوزات في هذا الإطار ولم تسجل أية شكاية بهذا الخصوص".  

أولا، سيدي الوزير، فعدم وجود شكايات بهذا الخصوص لا يعني عدم وجود تجاوزات... شهادات العشرات من النساء تؤكد وجود هذه الممارسة في عدد من الفنادق، التي تعتبر ضمنيا أن كل امرأة تقيم في مدينة وتحجز غرفة، هي بالضرورة مهنية جنس. ماذا مثلا لو غيرت سيدة محل سكناها ولم تغير عنوانها بعد على البطاقة؟ ماذا بالنسبة لسيدة في حالة خصام مع زوجها ولا تريد بالضرورة (أو لا تستطيع) الذهاب لبيت أهلها؟ ثم، ماذا لو اختارت سيدة بمحض إرادتها، لأسباب تخصها، أن تقضي ليلة في فندق؟ لماذا عليها أن تقدم حججا وبراهين تثبت "صفاء سمعتها" قبل أن تشتري خدمة في القطاع الخاص؟ هل علينا، لمجرد كوننا نساء، أن نبرر سبب خروجنا للشارع واستعمالنا لوسائل النقل أو شرائنا لمثلجات أو دخولنا لمطعم... حتى يكون علينا أن نبرر أسباب اختيارنا (أو اضطرارنا) المبيت في فندق؟ ثم، أيضا، ما السبب الذي يجعل عددا من المؤسسات الفندقية ترفض استقبال نساء تقول وثائقهن الإدارية إنهن تقمن في نفس المدينة، ولا ترفض استقبال الرجال الذين تقول وثائقهم الإدارية نفس الشيء؟ 

جواب وزير الداخلية على سؤال البرلماني الاشتراكي يترجم الرغبة غير المعلن عنها في أن يبقى الوضع على ما هو عليه... والدليل أن وزير الداخلية في حكومة عبد الإله بنكيران، سنة 2014، قال نفس ما يقوله وزير الداخلية الحالي. وإذا لم يتم أخذ الأمور على محمل الجد، فسنجد، بعد عشر سنوات أخرى، برلمانيا أو فاعلة جمعوية أو سيدة ضحية بكل بساطة، يطرحون هذا السؤال ليجيبهم وزير الداخلية حينها بنفس الصياغة: هذا شطط والوزارة لم تفعل شيئا! 

طيب، مادامت الوزارة تقر بهذا الشطط، أو حتى تفترض وجوده، فلماذا لا تواجهه بصرامة؟  

الإرادة الحقيقية للتغيير تعتمد، أولا، على الاعتراف بأشكال الخلل الموجودة وعدم الاكتفاء بترديد شعارات من قبيل "لا توجد شكايات بهذا الصدد"؛ فلو انتظرنا شكايات الضحايا في كل القضايا، لما تم فضح عدم من الممارسات غير المقبولة في مختلف مجتمعات العالم. كما أن الإرادة الحقيقية للتغيير تعتمد على معاقبة كل الأطراف التي تقوم بممارسات تمييزية في حق المواطنين. في هذه الحالة، كانت الإرادة الحقيقية للتغيير تعني أن تقر الوزارة عقوبات في حق المؤسسات الفندقية التي تقوم بهذه الممارسات التمييزية. أما الاكتفاء بالتصريح بأن لا مقتضيات قانونية موجودة في هذا الإطار، فهذا ما نعرفه أساسا... لكن الواقع اليوم أننا، كنساء، نعاني فعليا من هذا الوصم المجتمعي كلما قررنا، لأسباب شخصية أو مهنية، استئجار غرفة في فندق.  

فهل سيأتي يوم تقرر فيه السلطات ليس فقط الاكتفاء بالتصريح بأن الوضع غير قانوني... بل معاقبة المؤسسات الفندقية التي تقوم بهذا الشطط المهين للنساء المغربيات في وطنهن؟  

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

في مقابلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهيرة مع مجلة "ذا أتلانتيك"، يسأل الصحفي، محمد بن سلمان ماذا تريد أن يعرف الرئيس الأميركي جو بايدن شيئا عنك قد لا يعرفه غيره؟، فيجيب بكل صراحة ومباشرة "هذا لا يهمني، والأمر متروك له، ولتفكيره في مصالح أميركا".

هذا الكلام لم يكن أبدا متوقعا، ولا حتى في الأحلام، فالاتهامات التاريخية للمملكة السعودية أنها تابع لأميركا، ولا تخالفها، أو تعصي أوامرها، ولكن الأمير الذي كان بايدن يتوعد بنبذه، يقرر أن يتعامل بندية، وأن لا يلقي بالا للمصافحة الشهيرة بقبضات الأيدي حين زار بايدن الرياض ليُظهر الجفاء، والحزم في التعامل مع ولي العهد بعد الاتهامات بمقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

لم يكن متوقعا أن يخرج محمد بن سلمان من تداعيات قضية مقتل خاشقجي بسهولة، غير أنه بعد 5 سنوات يظهر أن الرياض تختار أصدقائها، وتدير الظهر لمن يخاصمها، وكل الوعيد، والتابوهات التي تحدث عنها زعماء في الغرب تلاشت، ويتسابقون على ود القيادة السعودية، دون أي تحفظات.

منذ أن تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، ثم رئاسة الوزراء لاحقا، فعليا هو الذي يحكم على أرض الواقع، شهدت المملكة تغيرات غير مسبوقة، وما كان مستحيلا أن تراه في المدن السعودية صار حقيقة، واليوم تدشن الرياض سباقا مع الزمن في ميادين الاقتصاد، والثقافة، والترفيه، والعنوان الرئيس قطع مع الماضي، فالمملكة التي سيطرت عليها الحركة الوهابية لعقود تكاد تجلياتها أن تنتهي، والدولة الدينية التي كانت جماعة الأمر بالمعروف تصول وتجول بها اختفت، ولم يعد هناك ما كان يسمى "شرطة دينية" تراقب تطبيق الشريعة الإسلامية، وتفرض الإغلاق للمحلات التجارية وقت الصلاة، وتمنع خروج النساء دون عباءة سوداء، وتصطدم بكل من يفكر بإقامة اي أنشطة ترفيهية.
 
باختصار تغير الحال، ويلخص بعض الغاضبون لهذه التحولات ما وقع بالقول "اختفت هيئة الأمر بالمعروف، وحلت مكانها هيئة الترفيه" التي يقودها تركي آل الشيخ الشخصية المثيرة للجدل.

لم يكن الأمير محمد بن سلمان يُخفي رغبته في المضي في تحولات تعاكس الموروث الاجتماعي، ويبدو وكأنه متصادم مع إرث ديني، ولهذا يقول في حديث بمنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض "لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورا، وسوف نقضي على التطرف".

قبل أكثر من 20 عاما كانت السعودية توجه لها أصابع الاتهام بأنها حاضنة للتطرف، وما زالت أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، وضلوع سعوديين بها حاضرة في الأذهان، واليوم تطوي السعودية صفحة من تاريخ سماه ولي العهد "اختطاف الجماعات المتطرفة للإسلام".

نقطة البداية ومحاولة تأصيل فكرة التحولات في السعودية كانت في رؤية 2030، وعناوينها الأساسية؛ مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وحين طرحت التصورات، والمبادرات، والمشاريع، كثيرون اعتبروها قفزة في الهواء، لن تقوى السعودية على مقاربتها، وربما حين تسمع عن مشروع مثل مدينة نيوم، تتحدث الأرقام أن كلفتها تقارب 500 مليار دولار، قد ينظر له على أنه محض خيال لن يطبق.

نيوم مدينة صديقة للبيئة، خالية من السيارات، وانبعاثات الكربون، شواطئ مضيئة، و"ذا لاين" مدينة بخط مستقيم تزيد عن 170 كم، وقطارات فائقة السرعة، والأهم أنها خارج النظام القضائي السعودي، وقيل، ولا زال يُقال عنها الكثير الكثير.
 
هذه المدينة حين ترى الوجود ستهدد، وتنافس كل مدن البحر الأحمر، وكل المزارات السياحية، والتوجس من الاستيقاظ السعودي يرعب الكثير من دول الإقليم.

كان استقطاب نادي النصر السعودي للاعب الأكثر شهرة في التاريخ رونالدو بعقد خيالي يتجاوز 400 مليون يورو خلال موسمين رياضين محل تندر، والحديث الدائر اليوم أن نادي الهلال يفاوض ميسي لاستقطابه في صفقة مالية أعلى، وكل هذا لا يحدث بمعزل عن رؤية سعودية تريد أن تكون الوجهة الأولى التي تلفت الانتباه، وأنها تريد استخدام القوة الناعمة كالرياضة لغزو العالم، لتصبح أكثر حضورا على الخارطة العالمية، والكلام عن عرض لاستضافة مونديال كأس العالم عام 2030 بالتشارك مع مصر واليونان يصب في ذات الوجهة، والعنوان.

عند العودة إلى حديث ولي العهد السعودي لمجلة "أتلانتيك" تجد الكثير من الأفكار التي تمضي الآن حاضرة، فهو يشير إلى أن السعودية تغيرت عما كانت عليه قبل سبع سنوات، وان التطور الاجتماعي يسير بالاتجاه الصحيح، وأن بلاده من أسرع الدول نموا، وتملك أكبر 10 صناديق استثمارات في العالم، وأكثر من ذلك يقول بفصيح العبارة أن محمد بن عبد الوهاب ليس أكثر من داعية، وهو الذي كان لا يمس.

الخصوصية السعودية أكثر ما هو لافت في أحاديث محمد بن سلمان، فهو يرفض أن تكون التغييرات مفروضة، أو منسوخة، فالمملكة لا تريد أن تكون مثل دبي، أو أميركا، وإنما تسعى لتطوير نموذجها الخاص، ويسهب في الحديث عن فرادة المشاريع السعودية، فمدينة العلا موجودة فقط بالسعودية، ولا يوجد لها نموذج على الكوكب، ونفس الحال ذا لاين في نيوم، أو القدية المشروع الرياضي الترفيهي الأكبر في العالم.

تريد السعودية أن تستقطب 100 مليون سائح مع عام 2030، وتذلل كل العقبات أمام تدفق الناس إليها، فلا خطوط حمراء، ففي رأس السنة حشدت أهم نجوم الفن والغناء العرب في ليلة واحدة، وكل يوم مبادرة جديدة في مواسم الرياض، وحتى تزور السعودية يكفي أن تكون لديك تأشيرة للولايات المتحدة، أو "تشنجن" لتعبر بسلاسة ودون تعقيد.

المنتقدون يرون أن كل هذه التحولات الاقتصادية، والاجتماعية، والتخلي عن التشدد الديني لا يستند إلى دمقرطة البلاد، وولوجها إلى قيم تستند إلى ضمان الحقوق، والحريات، ولكن الحقيقة التي لا تغيب عن القيادة السعودية أن الغرب يقدم المصالح على المبادئ، ونهوض المملكة للمزاحمة، والمنافسة بتزامن من انكسارات ديموقراطية، ليس في العالم العربي وحده، وإنما الاهتزازات طالت أنظمة في الغرب طالما تغنت في معايير حقوق الإنسان، ولهذا فإن التحولات العالمية، ومنها الحرب في أوكرانيا، وتراجع العالم أحادي الأقطاب، وصعود الصين نموذجا لحالة جديدة، يمكن "المملكة السليمانية" إن جاز التعبير من المناورة، وبناء التحالفات لتكون لها موطأ قدم صلب على هذا الكوكب، وهي اللعبة التي بدأ يمسك مفاتيحها ولي العهد السعودي الطامح لإعادة إنتاج صورة جديدة لبلاده.