تعتبر الصلاة الحركية أو الصلوات الخمس، في نظر كثير من المسلمين، من أركان الإسلام الخمسة، ويراها كثيرون على أنها عماد الدين بناء على الحديث الشريف "الصلاة عماد الدين من أقامها أقام الدين ومن هدمها هدم الدين".
ومن الأمور الغريبة عدم ذكر القرآن لعدد الصلوات الخمس بوضوح. وقد يقول قائل لقد تركها القرآن للسُنّة. ويأتي هنا السؤال ألا وهو وهل الصلوات الخمس سُنّة؟ - أم أنها فرض كما جاء في القرآن الكريم " إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتا" (سورة النساء آية 103)؟
وحينما تطرق القرآن الكريم لعدد الصلوات ذكر مايلي عن مواقيت الصلاة:
"وَأَقِمِ اٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَي ٱلنَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ ٱلَّيْلِ ۚ إِنَّ ٱالْحَسَنَٰتِ يُذْهِبْنَ اٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّٰكِرِينَ" (سورة هود آية 114)
وذكر القرآن الكريم أيضاً أعداد الصلوآت في آية أخرى:
"أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا"
ويرى قليل من أو بعض القرآنيين (وليس كلهم) أن الصلوات المفروضة في القرآن تبعاُ لهاتين الآيتين هي ثلاث مواقيت كما جاء في القرآن نفسه "طَرَفَي ٱالنَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ ٱلَّيْلِ" أو"لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْر (في إشارة لصلاة الفجر) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا ". والعجيب في الأمر أن كثيرين من الشيعة يدمجون الصلوات في 3 مواقيت أيضا.
ومن الأمور غير المعروفة عند البعض هو موضوع الوضوء كما جاء في الآية الكريمة:
{ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ}.
فحينما نتأمل وقت نزول هذه الآية وهي آية مدنية، ونقارنه بوقت فرض الصلوات الخمس كما يُروى فى حادث الإسراء والمعراج وقت وجود الرسول فى مكة، يتضح لنا أن المسلمين صلوا لسنين عديدة بدون وضوء حيث أن آية الوضوء آية مدنية أي أنها نزلت بعد فرض الصلوات الخمس بسنين عديدة، صلى المسلمون فيها بدون وضوء، وذلك يدلل على أن الأمور الحركية مثل حركات الصلاة والوضوء ليست هى المحور الحقيقي للعبادة كما يظن البعض، وأن أهم شيئ في الصلاة هو جود صلة بين العبد وربه، ووجود هذا الفارق الزمني الكبير بين أمر الصلاة كما ذكر فى مكة، والوضوء كما ورد في المدينة، يعنى كما ذكرنا أن المسلمين الأوائل صلوا لعدة سنين دون وضوء، وذلك يؤكد أن طهارة الروح أهم عند الله من غسل الجسد بالماء قبل الصلاة. و قبول التيمم كبديل عن الوضوء يؤكد أيضاً على هذا المعنى، فالطهارة للصلاة قد تكون فى وجود ماء أو في عدم وجوده، فلو كان الماء هو ما يصنع الطهارة لما قٌبلت الصلاة بدونه كما في حالة التيمم، فكما ذكرنا أن طهارة النفس والروح هى الأهم عند الله.
ونلاحظ أيضاً أن الرسول الكريم كان يصلي حتى قبل المعراج (فى مكة) وقبل نزول آية الوضوء (فى المدينة)، فكما ذكر القرآن في أول سورة نزلت فيه وكانت قبل حادث المعراج {أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَىٰ عَبْدًا إِذَا صَلَّىٰ} فى إشارة إلى الذين نهوا النبي عن صلاته فى غار حراء.
ويظن كثيرون أن الآية الكريمة "إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ" (سورة المدثر)، نزلت لتوعد من لا يصلي الصلوات الخمس التقليدية.
ويتناقض هذا الفهم مع ترتيب نزول سور وآيات القرآن الكريم. فكلمة المصلين المذكورة في الآية الكريمة لا تعنى أداء الصلوات الخمس كما يظن البعض لأنها نزلت فى السورة الرابعة من القرآن "سورة المدثر" وذلك كان قبل فرض الصلوات الخمس، والذي حدث كما يقول البعض وقت نزول سورة الإسراء و هي السورة الخمسون. أي أنه حينما نزلت الآية "إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ" لم تكن الصلوات الخمس قد فرضت بعد.
أما النقطة الأخيرة في هذا السياق فهي مفهوم الآيات التالية، والتي يستشهد بها كثيرون على أهمية الصلوات الخمس.
"فَوَيل لِّلمُصَلِّينَ ٱلَّذِينَ هُم عَن صَلَاتِہِم سَاهُونَ" (سورة الماعون).
وكما نلاحظ فإن القرآن الكريم وصف هؤلاء الناس المذكورين في الآية بأنهم مصلون فقال {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ} ولم يقل ويل "لغير المصلين" فهو لم ينكر عليهم أنهم يصلون. ثم قال القرآن بعد ذلك {الذين هم عن (صَلَاتِهِمْ)} أي أن لهم صلاة فهم ساهون عن صلاتهم التي أدوها، فبدلاً من أن تنهاهم صلاتهم عن الظلم والغش وفعل الشر وتدعوهم إلى فعل الخير والمحبة والإنسانية فهم قد سهوا وتناسوا معنى الصلاة الحقيقي، ولذا عاتبهم القرآن بقوله أنهم عن صلاتهم ساهون -فهم مصلون (وليسوا تاركين للصلاة كما يظن البعض) - ولكنهم عن "صلاتهم" ساهون. ويؤكد ذلك المفهوم قوله تعالى فى الآية التالية {الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ} أى يقومون بأداء الصلاة أمام الناس رياءً لهم.
وهذا يؤكد لنا أن الصلاة ليست مجرد أداء حركات وطقوس، فهي إن لم تؤد إلي تغيير فكر ووجدان الإنسان فتجعله مصدرا للخير والعطاء فلا قيمة لها فالقرد يستطيع أن يحرك جسده بالركوع والسجود ولكن ذلك لا يعني أن تلك صلاة مقبولة عند الله تعالى.
وللحديث بقية!

