يعزى الإقبال الكثيف على الصلاة إلى تخفيف السلطات السعودية من حدة إجراءات مكافحة كورونا
"الصلاة ليست مجرد أداء حركات وطقوس". الصورة إرشيفية.

تعتبر الصلاة الحركية أو الصلوات الخمس، في نظر كثير من المسلمين، من أركان الإسلام الخمسة، ويراها كثيرون على أنها عماد الدين بناء على الحديث الشريف "الصلاة عماد الدين من أقامها أقام الدين ومن هدمها هدم الدين". 

ومن الأمور الغريبة عدم ذكر القرآن لعدد الصلوات الخمس بوضوح. وقد يقول قائل لقد تركها القرآن للسُنّة. ويأتي هنا السؤال ألا وهو وهل الصلوات الخمس سُنّة؟ - أم أنها فرض كما جاء في القرآن الكريم " إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتا" (سورة النساء آية 103)؟  

وحينما تطرق القرآن الكريم لعدد الصلوات ذكر مايلي عن مواقيت الصلاة: 

"وَأَقِمِ اٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَي ٱلنَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ ٱلَّيْلِ ۚ إِنَّ ٱالْحَسَنَٰتِ يُذْهِبْنَ اٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّٰكِرِينَ" (سورة هود آية 114) 

وذكر القرآن الكريم أيضاً أعداد الصلوآت في آية أخرى: 

"أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا" 

ويرى قليل من أو بعض القرآنيين (وليس كلهم) أن الصلوات المفروضة في القرآن تبعاُ لهاتين الآيتين هي ثلاث مواقيت كما جاء في القرآن نفسه "طَرَفَي ٱالنَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ ٱلَّيْلِ" أو"لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْر (في إشارة لصلاة الفجر) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا ". والعجيب في الأمر أن كثيرين من الشيعة يدمجون الصلوات في 3 مواقيت أيضا. 

ومن الأمور غير المعروفة عند البعض هو موضوع الوضوء كما جاء في الآية الكريمة: 

{ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ}. 

فحينما نتأمل وقت نزول هذه الآية وهي آية مدنية، ونقارنه بوقت فرض الصلوات الخمس كما يُروى فى حادث الإسراء والمعراج وقت وجود الرسول فى مكة، يتضح لنا أن المسلمين صلوا لسنين عديدة بدون وضوء حيث أن آية الوضوء آية مدنية أي أنها نزلت بعد فرض الصلوات الخمس بسنين عديدة، صلى المسلمون فيها بدون وضوء، وذلك يدلل على أن الأمور الحركية مثل حركات الصلاة والوضوء ليست هى المحور الحقيقي للعبادة كما يظن البعض، وأن أهم شيئ في الصلاة هو جود صلة بين العبد وربه، ووجود هذا الفارق الزمني الكبير بين أمر الصلاة كما ذكر فى مكة، والوضوء كما ورد في المدينة، يعنى كما ذكرنا أن المسلمين الأوائل صلوا لعدة سنين دون وضوء، وذلك يؤكد أن طهارة الروح أهم عند الله من غسل الجسد بالماء قبل الصلاة. و قبول التيمم كبديل عن الوضوء يؤكد أيضاً على هذا المعنى، فالطهارة للصلاة قد تكون فى وجود ماء أو في عدم وجوده، فلو كان الماء هو ما يصنع الطهارة لما قٌبلت الصلاة بدونه كما في حالة التيمم، فكما ذكرنا أن طهارة النفس والروح هى الأهم عند الله. 

ونلاحظ أيضاً أن الرسول الكريم كان يصلي حتى قبل المعراج (فى مكة) وقبل نزول آية الوضوء (فى المدينة)، فكما ذكر القرآن في أول سورة نزلت فيه وكانت قبل حادث المعراج {أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَىٰ عَبْدًا إِذَا صَلَّىٰ} فى إشارة إلى الذين نهوا النبي عن صلاته فى غار حراء. 

ويظن كثيرون أن الآية الكريمة "إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ  فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ  عَنِ الْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ" (سورة المدثر)، نزلت لتوعد من لا يصلي الصلوات الخمس التقليدية.  

ويتناقض هذا الفهم مع ترتيب نزول سور وآيات القرآن الكريم. فكلمة المصلين المذكورة في الآية الكريمة لا تعنى أداء الصلوات الخمس كما يظن البعض لأنها نزلت فى السورة الرابعة من القرآن "سورة المدثر" وذلك كان قبل فرض الصلوات الخمس، والذي حدث كما يقول البعض وقت نزول سورة الإسراء و هي السورة الخمسون. أي أنه حينما نزلت الآية "إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ  فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ  عَنِ الْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ" لم تكن الصلوات الخمس قد فرضت بعد.  

أما النقطة الأخيرة في هذا السياق فهي مفهوم الآيات التالية، والتي يستشهد بها كثيرون على أهمية الصلوات الخمس. 

"فَوَيل لِّلمُصَلِّينَ  ٱلَّذِينَ هُم عَن صَلَاتِہِم سَاهُونَ" (سورة الماعون).     

وكما نلاحظ فإن القرآن الكريم وصف هؤلاء الناس المذكورين في الآية بأنهم مصلون فقال {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ} ولم يقل ويل "لغير المصلين"  فهو لم ينكر عليهم أنهم يصلون. ثم قال القرآن بعد ذلك {الذين هم عن (صَلَاتِهِمْ)} أي أن لهم صلاة فهم ساهون عن صلاتهم التي أدوها، فبدلاً من أن تنهاهم صلاتهم عن الظلم والغش وفعل الشر وتدعوهم إلى فعل الخير والمحبة والإنسانية فهم قد سهوا وتناسوا معنى الصلاة الحقيقي، ولذا عاتبهم القرآن بقوله أنهم عن صلاتهم ساهون -فهم مصلون (وليسوا تاركين للصلاة كما يظن البعض) - ولكنهم عن "صلاتهم" ساهون. ويؤكد ذلك المفهوم قوله تعالى فى الآية التالية {الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ} أى يقومون بأداء الصلاة أمام الناس رياءً لهم. 

 وهذا يؤكد لنا أن الصلاة ليست مجرد أداء حركات وطقوس، فهي إن لم تؤد إلي تغيير فكر ووجدان الإنسان فتجعله مصدرا للخير والعطاء فلا قيمة لها فالقرد يستطيع أن يحرك جسده بالركوع والسجود ولكن ذلك لا يعني أن تلك صلاة مقبولة عند الله تعالى. 

وللحديث بقية! 

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

في مقابلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهيرة مع مجلة "ذا أتلانتيك"، يسأل الصحفي، محمد بن سلمان ماذا تريد أن يعرف الرئيس الأميركي جو بايدن شيئا عنك قد لا يعرفه غيره؟، فيجيب بكل صراحة ومباشرة "هذا لا يهمني، والأمر متروك له، ولتفكيره في مصالح أميركا".

هذا الكلام لم يكن أبدا متوقعا، ولا حتى في الأحلام، فالاتهامات التاريخية للمملكة السعودية أنها تابع لأميركا، ولا تخالفها، أو تعصي أوامرها، ولكن الأمير الذي كان بايدن يتوعد بنبذه، يقرر أن يتعامل بندية، وأن لا يلقي بالا للمصافحة الشهيرة بقبضات الأيدي حين زار بايدن الرياض ليُظهر الجفاء، والحزم في التعامل مع ولي العهد بعد الاتهامات بمقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

لم يكن متوقعا أن يخرج محمد بن سلمان من تداعيات قضية مقتل خاشقجي بسهولة، غير أنه بعد 5 سنوات يظهر أن الرياض تختار أصدقائها، وتدير الظهر لمن يخاصمها، وكل الوعيد، والتابوهات التي تحدث عنها زعماء في الغرب تلاشت، ويتسابقون على ود القيادة السعودية، دون أي تحفظات.

منذ أن تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، ثم رئاسة الوزراء لاحقا، فعليا هو الذي يحكم على أرض الواقع، شهدت المملكة تغيرات غير مسبوقة، وما كان مستحيلا أن تراه في المدن السعودية صار حقيقة، واليوم تدشن الرياض سباقا مع الزمن في ميادين الاقتصاد، والثقافة، والترفيه، والعنوان الرئيس قطع مع الماضي، فالمملكة التي سيطرت عليها الحركة الوهابية لعقود تكاد تجلياتها أن تنتهي، والدولة الدينية التي كانت جماعة الأمر بالمعروف تصول وتجول بها اختفت، ولم يعد هناك ما كان يسمى "شرطة دينية" تراقب تطبيق الشريعة الإسلامية، وتفرض الإغلاق للمحلات التجارية وقت الصلاة، وتمنع خروج النساء دون عباءة سوداء، وتصطدم بكل من يفكر بإقامة اي أنشطة ترفيهية.
 
باختصار تغير الحال، ويلخص بعض الغاضبون لهذه التحولات ما وقع بالقول "اختفت هيئة الأمر بالمعروف، وحلت مكانها هيئة الترفيه" التي يقودها تركي آل الشيخ الشخصية المثيرة للجدل.

لم يكن الأمير محمد بن سلمان يُخفي رغبته في المضي في تحولات تعاكس الموروث الاجتماعي، ويبدو وكأنه متصادم مع إرث ديني، ولهذا يقول في حديث بمنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض "لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورا، وسوف نقضي على التطرف".

قبل أكثر من 20 عاما كانت السعودية توجه لها أصابع الاتهام بأنها حاضنة للتطرف، وما زالت أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، وضلوع سعوديين بها حاضرة في الأذهان، واليوم تطوي السعودية صفحة من تاريخ سماه ولي العهد "اختطاف الجماعات المتطرفة للإسلام".

نقطة البداية ومحاولة تأصيل فكرة التحولات في السعودية كانت في رؤية 2030، وعناوينها الأساسية؛ مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وحين طرحت التصورات، والمبادرات، والمشاريع، كثيرون اعتبروها قفزة في الهواء، لن تقوى السعودية على مقاربتها، وربما حين تسمع عن مشروع مثل مدينة نيوم، تتحدث الأرقام أن كلفتها تقارب 500 مليار دولار، قد ينظر له على أنه محض خيال لن يطبق.

نيوم مدينة صديقة للبيئة، خالية من السيارات، وانبعاثات الكربون، شواطئ مضيئة، و"ذا لاين" مدينة بخط مستقيم تزيد عن 170 كم، وقطارات فائقة السرعة، والأهم أنها خارج النظام القضائي السعودي، وقيل، ولا زال يُقال عنها الكثير الكثير.
 
هذه المدينة حين ترى الوجود ستهدد، وتنافس كل مدن البحر الأحمر، وكل المزارات السياحية، والتوجس من الاستيقاظ السعودي يرعب الكثير من دول الإقليم.

كان استقطاب نادي النصر السعودي للاعب الأكثر شهرة في التاريخ رونالدو بعقد خيالي يتجاوز 400 مليون يورو خلال موسمين رياضين محل تندر، والحديث الدائر اليوم أن نادي الهلال يفاوض ميسي لاستقطابه في صفقة مالية أعلى، وكل هذا لا يحدث بمعزل عن رؤية سعودية تريد أن تكون الوجهة الأولى التي تلفت الانتباه، وأنها تريد استخدام القوة الناعمة كالرياضة لغزو العالم، لتصبح أكثر حضورا على الخارطة العالمية، والكلام عن عرض لاستضافة مونديال كأس العالم عام 2030 بالتشارك مع مصر واليونان يصب في ذات الوجهة، والعنوان.

عند العودة إلى حديث ولي العهد السعودي لمجلة "أتلانتيك" تجد الكثير من الأفكار التي تمضي الآن حاضرة، فهو يشير إلى أن السعودية تغيرت عما كانت عليه قبل سبع سنوات، وان التطور الاجتماعي يسير بالاتجاه الصحيح، وأن بلاده من أسرع الدول نموا، وتملك أكبر 10 صناديق استثمارات في العالم، وأكثر من ذلك يقول بفصيح العبارة أن محمد بن عبد الوهاب ليس أكثر من داعية، وهو الذي كان لا يمس.

الخصوصية السعودية أكثر ما هو لافت في أحاديث محمد بن سلمان، فهو يرفض أن تكون التغييرات مفروضة، أو منسوخة، فالمملكة لا تريد أن تكون مثل دبي، أو أميركا، وإنما تسعى لتطوير نموذجها الخاص، ويسهب في الحديث عن فرادة المشاريع السعودية، فمدينة العلا موجودة فقط بالسعودية، ولا يوجد لها نموذج على الكوكب، ونفس الحال ذا لاين في نيوم، أو القدية المشروع الرياضي الترفيهي الأكبر في العالم.

تريد السعودية أن تستقطب 100 مليون سائح مع عام 2030، وتذلل كل العقبات أمام تدفق الناس إليها، فلا خطوط حمراء، ففي رأس السنة حشدت أهم نجوم الفن والغناء العرب في ليلة واحدة، وكل يوم مبادرة جديدة في مواسم الرياض، وحتى تزور السعودية يكفي أن تكون لديك تأشيرة للولايات المتحدة، أو "تشنجن" لتعبر بسلاسة ودون تعقيد.

المنتقدون يرون أن كل هذه التحولات الاقتصادية، والاجتماعية، والتخلي عن التشدد الديني لا يستند إلى دمقرطة البلاد، وولوجها إلى قيم تستند إلى ضمان الحقوق، والحريات، ولكن الحقيقة التي لا تغيب عن القيادة السعودية أن الغرب يقدم المصالح على المبادئ، ونهوض المملكة للمزاحمة، والمنافسة بتزامن من انكسارات ديموقراطية، ليس في العالم العربي وحده، وإنما الاهتزازات طالت أنظمة في الغرب طالما تغنت في معايير حقوق الإنسان، ولهذا فإن التحولات العالمية، ومنها الحرب في أوكرانيا، وتراجع العالم أحادي الأقطاب، وصعود الصين نموذجا لحالة جديدة، يمكن "المملكة السليمانية" إن جاز التعبير من المناورة، وبناء التحالفات لتكون لها موطأ قدم صلب على هذا الكوكب، وهي اللعبة التي بدأ يمسك مفاتيحها ولي العهد السعودي الطامح لإعادة إنتاج صورة جديدة لبلاده.