الإيرانيون يواجهون صعوبات في الوصول لشبكة الإنترنت
"عوالم الإنترنيت ووسائل التواصل الاجتماعي ليست المسؤولة وحدها عن هذا التغيير في الأمزجة الشبابية"

نجحت التطورات التقنية والإلكترونية المتسارعة في العقدين الأخيرين، بما نتج عنها من انفتاح لامحدود على عوالم الفضائيات والإنترنيت ومنصات التواصل الاجتماعي، في إحداث فارق شاسع وجوهري في حياة البشرية وتغييرات جذرية في معظم مجتمعات العالم، وطالت في تأثيرها السريع الجيل الشاب بشكل استثنائي، الذي تمكن من استيعابها وإتقان استخدامها بسرعة خيالية، وهو مايزال يتعلم نطق الكلام ويحبو على الأرض. 

الشباب الروسي الرافض اليوم لقرار التعبئة الجزئية الذي أعلنه الرئيس بوتين الأسبوع الفائت، والذي ترجم رفضه لهذا القرار عبر تظاهرات احتجاجية عدة في المدن الروسية، أو الفرار بالآلاف إلى الدول المجاورة، يشكل جزءاً حيوياً من الشباب العالمي الذين ينتمون إلى هذه الموجة الجديدة، والذين غيرت الحداثة التقنية-الرقمية من آليات تفكيرهم، وقرروا بالتالي أن يغيروا أقدراهم عبر الفرار من قدر بلادهم "السياسي"، بعد اكتشافاتهم لفضاءات أخرى أكثر رحابة، تستوعب إنسانيتهم وحيويتهم وطموحاتهم. 

عوالم الإنترنيت ووسائل التواصل الاجتماعي ليست المسؤولة وحدها عن هذا التغيير في الأمزجة الشبابية، بل لعبت دور الوسيط التنويري الذي حثهم على إجراء مقارنات جذرية بين مستقبل طموح يتطلعون إليه، وبين ذاك الماضي البائس الذي أفضى بجيل آبائهم ليكونوا ضحايا لأيديولوجيات بائدة راكمت الخوف والفقر والقهر والخيبات الكبرى، بالتالي أبناء اليوم أكثر فطنة وحذرا من تكرار أخطاء الآباء، أو التأثر بشعارات يدركون أنها في النهاية تعبر عن طبيعة الأفكار التي تعكس مصالح الطبقة الحاكمة، وليس مصالحهم. 

شباب اليوم بشكل عام، غير مستلبين بمفهوم أي "زعيم" أو "بهالته" وسحر خطابه الذي يقودهم في النهاية ليفدوه بأرواحهم. ولاعادت تلك الأيديولوجيات العتيقة تثير مشاعرهم. مايحركهم عملياً، كأبناء طبيعيين ينتمون إلى عصر الحداثة بقوة، هو تلك "الأفكار" الجديدة والخلاقة العابرة للحدود التي تبتكر حول العالم وتتشاركها البشرية، وتتعلق بالعلم والتطوير وتحسين شروط الحياة لخلق مستقبل أفضل.  

وفي الوقت عينه، لديهم الوعي الكافي لتمييز الفارق الجوهري بين "الأنظمة المقدسة" وبين مفهوم الوطن "المقدس" والعزيز في كل الأوقات، الذي لاتنقصهم مشاعر الحب والوطنية نحوه، وهم على استعداد كامل عند الضرورة لافتدائه بأرواحهم بشجاعة ودون تردد، بل الاستبسال للدفاع عنه إذا تعرض لأي اعتداء. وفرارهم منه لا يعني أنهم كارهون له أو خونة أو جبناء كما يتهمون. بل على العكس فراق الوطن يعصر أفئدتهم كما يعصر أفئدة أهاليهم الذين يبيعون كل ثمين لأجل نجاة أبنائهم.  

لكنهم، كما الحال مع مأزق الشباب الروسي، الحرب على أوكرانيا فرضت فرضاً، وهم غير مقتنعين بمبرراتها، وقمعوا أشد القمع حين احتجوا عليها منذ بدايتها، ولادافع عاطفي يتوفر لديهم لخوضها، لأنها بطبيعتها ليست حرباً دفاعية يفرض عليهم الحب والواجب مواجهتها، بل حرب "تكسير عظم" تشنها بلادهم ضد سيادة أرض أخرى، رفضها معظم عقلاء العالم والمجتمع الدولي بأكثريته، وجلبت لبلادهم العقوبات والتداعيات المعيشية الصعبة، وتشتيت طموحاتهم الشبابية وضبابية مستقبلهم. 

حرب زعزعت اقتصادات كبرى الدول واستقرار الأمن العالمي وتسبب بإفقار مضاعف للشعوب خلال ستة شهور إلى الآن. لم تزهق أرواح الآلاف من أبناء الجار الأوكراني فقط، بل تزهق يومياً حيوات خيرة الشباب الروسي، الذين يعودون إلى بلدهم في التوابيت، أو يحملون إعاقات جسدية دائمة. وأمام هذه المعطيات القاسية، لامهرب للنجاة من هذه المحرقة إلا بالفرار من مصير مماثل، نحو أي منفذ يفضي إلى جنّات الأرض، وليس إلى جنّة "بطريركهم" الموعودة. 

من حق شباب العالم الذين يعانون في العديد من الدول من الإحباط وقلة الدعم وفرص العمل والتنمية أن يسلكوا سبل العيش التي يختارونها، وأن يمتلكوا أعمارهم ويقرروا مصائرهم بإرادتهم. وأن ينشدوا السلام بإصرار ويطمحوا لبناء العالم لا لهدمه. لقد تفتح وعيهم إلى الأبد، باتجاه حياة آمنة وحرة تستوعب إنسانيتهم وتطلعاتهم. حياة حلوة تستحق أن تعاش. 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.