77th United Nations General Assembly in New York
استبعد بعض المعلقين أن يقف الرئيس ثانية على المنبر الأشهر على الساحة الدولية

ثمة ما يشبه الإجماع، بين خصوم الرئيس الفلسطيني ومعارضيه، بأن شيئاً لن يتغير طالما ظل متربعاً على عرش القيادة الفلسطينية، لا على المستوى الداخلي (البيْني) ولا على مستوى إدارة العلاقة مع إسرائيل... ولقد تعززت هذه القناعة لدى الفلسطينيين، بعد الخطاب الذي ألقاه محمود عباس من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، والذي وإن جاء متميزاً في لغته ونبرته و"منسوب" يأسه وإحباطه و"عصبيته"، إلا أنه خلا تماماً من أي فكرة للمستقبل، وأبقى الفلسطينيين نهباً للتيه وانعدام اليقين.

لا شيء سيتغير تحت قيادة عباس، حتى أن الرجل المُسنّ (87 عاماً) لم يعد لديه الرغبة ولا القدرة على إطلاق مبادرات جديدة، إن على مستوى إعادة بناء النظام الفلسطيني وترميم التصدعات والتشققات في الجسد الفلسطيني، أو على مستوى الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي... كل شيء قيد الحفظ في "ثلاجة"، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

بعض المعلقين اقترح أن خطاب عباس في الجمعية العامة، هو خطاب الوداع، واستبعد أن يقف الرئيس ثانية على المنبر الأشهر على الساحة الدولية... هذه فرضية تحتمل الخطأ وتحتمل الصواب، فالأعمار بيد الله، وصحة عباس اليوم، أفضل من صحة الملكة اليزابيت قبل عشر سنوات، وقد يظل الجمود سيد الموقف، لفترة لا يعملها أحد، لكن المؤكد أن "تقطيع الوقت" سيكون السمة العامة للمشهد الفلسطيني طالما ظل الرئيس قادراً على أداء الحد الأدنى من مهام منصبه، ولو على مستوى توقيع المراسيم، التي لا تحتاج منه إلى ما هو أكثر من "خاتم الشرعية"، تماماً مثلما هو حال قلّة من القادة العرب اليوم، ومثلما كان عليه حالهم طوال سنوات وعقود.

يعني ذلك، أن ليس في الحديث عن "إرث عباس" أي قدر من المجازفة، فما يمكن أن يفعله الرجل، قد فعله من قبل، وإن بقيت فسحة من الوقت، فلن تكون إلا للمزيد من الشيء ذاته... وفي ظني أن جميع الأفرقاء، وفي مقدمتهم الفلسطينيين أنفسهم، ينتظرون بقدر من القلق وانعدام اليقين، مرحلة "ما بعد عباس"، ولعل كثرة من الأطراف تجري حساباتها على هذا الأساس.

ما الذي يمكن أن يكتبه المؤرخون عن "إرث عباس"؟ 

سؤال لا يشغل بال القادة العرب عادة، ومن ضمنهم القائد الفلسطيني، طالما أن أولويتهم الأولى تظل محصورة في البقاء في سدة الحكم، طالما بقوا حيّاً، وتأمين عوائلهم من بعد رحيلهم، وهذا ما يفعله الرئيس عباس في السنوات الأخيرة.

سيرتبط اتفاق أوسلو باسم الرئيس عباس على وجه الخصوص، رغم أنه أبرم في عهد سلفه، ياسر عرفات، القائد التاريخي للشعب الفلسطيني، فالرئيس عباس، وإن لم يحظ بجائزة نوبل لهذا العمل، أسوة بالثلاثة الآخرين الذين ظهروا في حديقة البيت الأبيض: رابين، بيريز وعرفات، لم يكن دوره أقل من دور أي منهم، بل ويمكن القول، أن أوسلو وما بعده، كانا بمثابة الانطلاق الثانية لعباس في مشوار حياته السياسية، فما قبل أوسلو ليس كما بعده، على صعيد مكانة الرجل في المنظومة الفلسطينية.

اتفاق أوسلو، الذي يحتضر اليوم، انتهى إلى قيام السلطة الفلسطينية، وأخفق في الوصول إلى الدولة، التي تبدو أبعد منالاً أكثر من أي وقت مضى، فيما القدس تخضع لأوسع وأسرع عمليات التهويد والأسرلة، وعودة اللاجئين إلى ديارهم التي أخرجوا منها، تبدو حلماً عصي على التحقيق... أوسلو أبقى الفلسطينيين وحركتهم الوطنية في منزلة بين منزلتين: فلا هي حركة تحرر الوطني، كتلك التي عرفناه في مرحلة تصفية الاستعمار، ولا هي دولة بالمعايير المعروفة للدول... وضعية كهذه تبدو نموذجية للإسرائيليين، فلا هم مرغمين على الاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة، في إطار "حل الدولتين"، ولا هم مرغمين على الذهاب لسيناريو الدولة الواحدة ثنائية القومية.

حتى الذي تحمسوا لاتفاق أوسلو في البدء، وعادوا لانتقاده وتفنيده بعد تعثر مساراته، سيلقون باللائمة على الرئيس عباس فيما ذهب إليه، أولاً لأنه تحمس للاتفاق أكثر من غيره، وقاد المفاوضات بشأنه، ولم يتوقف لحظة أمام نواقصه وأفخاخه، وثانياً، لأنه أظهر ضعفاً في مواجهة الانتهاكات الإسرائيلية المنهجية والمستمرة للاتفاق، وسيظل على رهاناته الساذجة حتى آخر يوم في حياته... أما خصوم الاتفاق، فليسوا بحاجة لحوافز جديدة، تدفعهم لنقد الرئيس، وأحياناً تجريمه.

عباس والحق يقال، كان العراب الأكثر حماسة لأوسلو، اتفاقاً وفلسفة ومساراً ورهانات، إلا أنه ليس وحده من تقع أعباء الاتفاق وأوزاره على كاهله، فالتركيبة القيادية الفلسطينية برمتها، تتحمل المسؤولية عنه، حتى وأن أدركت متأخرة بؤس رهانات الاتفاق وخياراته، وحتى إن دفعت حياتها ثمناً لمحاولة تصحيح المسار، كما حصل باغتيال ياسر عرفات.

لكن أوسلو، على أهميته وخطورته "الاستراتيجية"، ليس الشيء الوحيد الذي سيعلق في أذهان المؤرخين والباحثين، وهم يتصدون لمهمة كتابة "إرث عباس"، فخلال السنوات الـ"17" التي أعقبت انتخابه رئيس للسلطة، جرت مياه كثيرة في أنهار فلسطين وجداولها، وهو المسؤول عنها أكثر من غيره، أقله، بحكم موقعه ومكانته في النظام السياسي الفلسطيني.

استلم الرئيس عباس السلطة خراباً صفصفا، بعد عملية "السور الواقي" وإعادة احتلال الضفة الغربية بكاملها، ومحاصرة الرئيس عرفات في مقره، حتى تسميمه واغتياله، وعمل بعلاقة تعاون وثيقة مع إسرائيل والولايات المتحدة، على إعادة بناء مؤسسات السلطة وأجهزتها الأمنية، وفقاً لمقتضيات التنسيق الأمني، وعلى قاعدة "الانسان الفلسطيني الجديد" التي تحدث عنها الجنرال كيت دايتون أمام الكونغرس، وبمشورة "غير خالصة" من قبل ممثل الرباعية الدولية في حينه، طوني بلير.

لكن ذلك كله، لم يشفع له عند إسرائيل، التي كانت تطالبه بالمزيد في كل مرة، ولا تتوانى عن إطلاق حملات "الشيطنة" ضده إن توانى أو تردد، ولا عند الولايات المتحدة، التي راوحت سياساتها ما بين خطين: الترامبية، بما هي تبن كامل لرواية اليمين الإسرائيلي ورؤيته للحل، والرؤية التقليدية، التي تضبط حركة واشنطن وأولوياتها وفقاً للإيقاع الإسرائيلي، فلا تتقدم بما لا ترغب به إسرائيل، ولا تتأخر عن ممارسة الضغوط على الفلسطينيين نيابة عنها.

أخفق عباس، في ترجمة رؤيته وبرنامجه اللذان نهضا على قاعدة" لا بديل عن المفاوضات سوى المزيد منها، وقاد فتح والسلطة والمنظمة بعيداً عن مؤسساتها، إلى أن ذوت وتآكلت، لتحل محلها قيادة متفردة، مسنودة بحفنة قليلة من المستشارين والمساعدين المنتقين بعناية شخصية فائقة.

تسلم الرئيس عباس سلطاته، والمنظمة في لحظة ضعف تاريخية، فزادها ضعفاً وتهالكاً... تسلم السلطة في لحظة تفكك وانهيار، فأطلق العنان لبلير ودايتون لإعادة بنائها وفقاً للمقاييس الإسرائيلية، قبل أن تخضعها إسرائيل لعملية تهميش منهجي ومنظم... تسلم الرئيس عباس حركة فتح، وهي وحدة واحدة "بالمعنى النسبي للكلمة، وكما هو حال فتح دوماً"، لكن الحركة تحت قيادته، ستشهد ضعفاً غير مسبوق، وانقسامات لا تنتهي، وعمليات ترك وفصل لا تتوقف، لكـأنها كانت عرضة لمؤامرة تخليصها من دورها القيادي وموقعها التاريخي لصالح حفنة من المؤلفة قلوبهم وجيوبهم.

تسلم عباس رئاسة الشعب الفلسطيني وهو موحداً، وها هو الانقسام الأخطر والأطول والأعمق في تاريخ الفلسطينيين، ينخر في عروق مجتمعهم وجغرافيتهم ومؤسساتهم وحركتهم الوطنية، والمؤكد أنه سيغادر موقعه (وربما الحياة الدنيا) والانقسام يزداد عمقاً واستطالة... فما الذي سيكتبه المؤرخون تحت عنوان "إرث عباس"، غير ذلك؟... هي دعوة للحوار في "إرث عباس" وليست محاولة لتقييم تجربة الرجل وإطلاق الأحكام عليه وعليها.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.