A student from Delhi University holds a placard at a condolence meeting in support of anti-regime protests in Iran following the death of Mahsa Amini, in New Delhi
هناك معادلة بسيطة تفيد أن عليك أن تكون حراً كي تتمكن من الدفاع عن الحرية

قرأت تعليقاً يستغرب قلة اهتمام الشعوب العربية عموماً بما يحدث في إيران. يقول المثل: ينفخ في اللبن من اكتوى بالحليب. فعدا عن أن الشعوب العربية "اللي فيها مكفيها"، بعد أن قام بعضها بثوراته وأفشلها القمع بوسائل شتى، يظل السؤال بماذا سيفيد تظاهرها؟ الضغط على حكوماتها التي تعاديها أصلاً إيران وتتنمّر عليها وتتدخل في شؤونها؟  

أو أن يتظاهر من يقع تحت هيمنة إيران التي تعبث بأمنه وعيشه ومستقبله عبر وكلائها الذين يقومون بكل ما يستطيعون لإخضاع بلدانهم لمصلحة نظامها؟! ولو أدّى ذلك إلى تفكيك دولة بلد عريق كالعراق الذي كان مهد ظهور أولى الدول في التاريخ؟ أو تهجير نصف الشعب السوري وتقسيم سوريا وجعلها ساحة لشتى الاحتلالات، كي يبقى نظامها الحليف لإيران؟ أو تمكين حزب الله لأخذ لبنان رهينة لمصلحة إيران ولو مات شعبه جوعاً!!

هناك معادلة بسيطة تفيد أن عليك أن تكون حراً كي تتمكن من الدفاع عن الحرية!!".

التظاهر مفيد حيث يمكن للضغط أن يؤثر على الحكومات الغربية وعلى سياساتها المتراخية تجاه النظام الايراني المستبد.

منذ حوالي العقدين وتحركات الشارع الإيراني لا تهدأ. تتخللها ثورات او انتفاضات كتلك التي حصلت في 2009 و2017 و2019، وما بينهما تظاهرات مستمرة مطلبية وقطاعية. جميعها تُقمع بوحشية وبفرض المزيد من الرقابة، والعالم يتفرج.

ولأن أي تغيير فعلي في لبنان لن يحصل قبل أن يسبقه تغيير مماثل في إيران. ولأن في لبنان رواسب حرية، قررت النساء اللبنانيات الشجاعات التظاهر دعماً للنساء الإيرانيات، للضغط على السلطة الحليفة لإيران في لبنان.

ربما لأن المظاهرات المندلعة الآن تفتح نافذة أمل. فمقتل مهسا أميني، (واسمها الأصلي جينا الذي رفضته السلطات، ومعناه الحياة بالكردية) على يد شرطة الأخلاق بسبب خصلة شعر ظهرت تحت حجابها، أشعل غضب الإيرانيات اللواتي يعانين من القمع منذ 40 عاماً. لقد أُقْصين تماماً عن المجال العام مع انهن شاركن في إنجاح ثورة الملالي. سُلبت حقوقهن التي كانت متوفرة أيام الشاه وطالهن قمع النظام للرجال مضاعفاً.

الجديد في الاحتجاجات الحالية شمولها مختلف المدن والبلدات الإيرانية في معظم أرجاء البلاد ومختلف المكونات العرقية والشرائح الاجتماعية ومختلف الأجيال. خصوصاً جيل الميلينيوم الشاب الذي ينتمي لثقافة عالمية منفتحة عابرة للحدود والقيود. طفح به الكيل ويرفض الخضوع لحكم الملالي البالي الذي يحول دون حقه في الاندماج في العالم.

لقد تحوّلت مهسا أميني الى رمز ومحفّز لثورة الإيرانيين. أطلقت حركة اعتراض شامل ضد إلزامية الحجاب كوسيلة لاضطهاد النساء وهدر حقوقهن وإعاقة مشاركتهن في سوق العمل وإلزامهن بسياسة إنجاب تناسب الولي الفقيه وتحدّ من قدرتهن على حرية تنظيم النسل وتحظر الإجهاض، مع ترويج للزواج المبكر.

خرج الايرانيون نساء ورجالاً الى الشارع رافعين شعار: "امرأة، حياة، حرية"، في عملية ربط بين حقوق النساء والحرية والحياة نفسها. فكل بيت في إيران يعاني من اضطهاد نسائه.

طفح كيل الإيرانيين من النظام القمعي الذي لم يتورع رئيسه عن رفع صورة قاسم سليماني من على  منبر الأمم المتحدة، فيما يتحدث عن "الحريات". في نفس الوقت يوجّه رصاص الباسيج والحرس الثوري الى رؤوس النساء والرجال المتظاهرين لأنهم يحرقون صور سليماني والخامنئي في طهران رافعين هتافات الموت للديكتاتور.

قد ينجح النظام الإيراني في قمع الاحتجاجات الحالية مجدداً، لكن يصعب القضاء عليها طالما انها صارت تطرح شرعية النظام نفسه، وتطالب بالحقوق الأساسية من حريات شخصية ومدنية وسياسية واجتماعية. إلى جانب أنها المرة الأولى التي تثور فيها النساء على السلطة.

هذا ولا يغيب عن بالنا أنها لحظة دقيقة للنظام ومستقبله في تعامله مع العالم الغربي، بينما يعاني من تباينات داخل صفوفه وصراعات خفية على إرث الخامنئي الذي يعاني من وضع صحي دقيق. ولقد تظهرت خلافاتهم في مواقفهم المتناقضة في مباحثات الاتفاق النووي مع الغرب، وفي تعاملهم مع التظاهرات نفسها، حيث ينقل موقف مختلف للجيش ربما يمكن أن يعوّل الشعب الايراني عليه.

الخوف الآن من أن يستغل النظام الغربي وإيران الأحداث لتسريع إبرام الاتفاق النووي على حساب الشعب الايراني.

على كل ما كان للثورات أن تفشل، ولا للنظام أن يستمر لولا تساهل الغرب وتهاونه في التعامل مع إيران وفي التغاضي عن ممارسات القمع والاضطهاد والقتل والاعدامات في الداخل الإيراني، وغضّ بصره عن توسعها وتدخلها في جميع دول الاقليم وإعلان احتلالها. ناهيك عن ممارسات الارهاب المشهودة في سائر أنحاء العالم وفي داخل الدول الأوروبية والأميركية تحديداً.

إيران تقصف من تنعتهم بالمعارضة في اقليم كردستان في العراق. فبماذا تختلف ممارسات إيران عن ممارسات إسرائيل؟ على الأقل اسرائيل لا تتباهى بقتل المدنيين.

هناك بوادر تغيّر في الموقف الغربي مؤخراً، فلقد أطلق المسؤولون الأميركيون وبعض قادة أوروبا، تصريحات داعمة للمحتجين في إيران، ومنتقدة لسلوك السلطات فيها. كما أعفت واشنطن الإنترنت من العقوبات وهناك إمكانية أن يوفره إيلون ماسك اذا استطاعوا التشبيك مع بستارلينك.

حتى الاوروبيون، والألمان خصوصاً، بدأوا بتغيير لهجتهم. لقد كانت لافتة الدعوة التي صدرت عن المدير السابق لوكالة الاستخبارات الفيدرالية لدعم حكومة اليمن الشرعية: "يجب دعم الحكومة في اليمن لأننا نرى تدخل إيران هناك ونعرف أنه من دون هذا التدخل لما كنّا نشهد الصراع الذي نشهده فيها". كما اعترفت النائبة عن حزب الخضر في البرلمان الأوروبي هانا نويمان، بأن "ألمانيا وأوروبا صمتتا لفترة طويلة عن إدانة اعتداءات الحوثيين على السعودية". وذهبت إلى أبعد من ذلك عندما قالت: "علينا تقبل بعض الاتهامات الموجهة إلينا من الدول الخليجية، فنحن لم نفهم التهديد الإيراني في المنطقة".

لكن تبجح النظام الايراني لا حدود له، فبالرغم من تصدّي السلطات الباريسية والبريطانية وللمتظاهرين أمام السفارة الايرانية، يعتبرون أن الاوروبيين والاميركيين "يستغلون مقتل مهسا أميني". ويندد الناطق باسم الخارجية الإيرانية، ناصر كنعاني، بالمواقف الأميركية والأوروبية، واصفاً إياها بـ"التدخل" في الشؤون الإيرانية، معتبراً أنهم "أعداء" ويمارسون "النفاق وازدواجية المعايير".

يبدو انهم يريدون غرباً على شاكلتهم، بمنع التظاهرات من أصلها!!

كتبت الإيرانية المعارضة، شاهدورت دجافان منذ العام 2009 ما يلي: "أعلن الدليل: لا تسمحوا بتدمير البنية الصلبة للنظام، اذا لاحظتم ان أحدا يلحّ كي يزرع الفوضى ويتسبب بالنزاعات، فاعلموا انه إما خائن أو جاهل". وكي اتحدث كالدليل، لأنني نشأت في أحضان الملالي، أقول لكم، أعزائي القياديين الغربيين: "إذا ألحّ أحد ما من محيطكم على الحوار مع هذا النظام لتشجيع  الاصلاحيين، فاعلموا أنه إما خائن أو في منتهى الجهل. المشكلة في بنية النظام وفي إيديولجيته نفسها ".

لكن أحداً لم يستمع حينها، على أمل ان يستمعوا الآن.

إنها مناسبة أخرى لنرى هل ستكون الدول الغربية عند ادعاءاتها بالدفاع عن الحرية وحقوق الإنسان، فتساعد الشعب الايراني بكل الوسائل!! أم ستبحث عن مصالحها فقط؟ ويسمحون للملالي بقطع اتصال الايرانيين بالخارج كي يقتلوهم دون شهود!!

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

في مقابلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهيرة مع مجلة "ذا أتلانتيك"، يسأل الصحفي، محمد بن سلمان ماذا تريد أن يعرف الرئيس الأميركي جو بايدن شيئا عنك قد لا يعرفه غيره؟، فيجيب بكل صراحة ومباشرة "هذا لا يهمني، والأمر متروك له، ولتفكيره في مصالح أميركا".

هذا الكلام لم يكن أبدا متوقعا، ولا حتى في الأحلام، فالاتهامات التاريخية للمملكة السعودية أنها تابع لأميركا، ولا تخالفها، أو تعصي أوامرها، ولكن الأمير الذي كان بايدن يتوعد بنبذه، يقرر أن يتعامل بندية، وأن لا يلقي بالا للمصافحة الشهيرة بقبضات الأيدي حين زار بايدن الرياض ليُظهر الجفاء، والحزم في التعامل مع ولي العهد بعد الاتهامات بمقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

لم يكن متوقعا أن يخرج محمد بن سلمان من تداعيات قضية مقتل خاشقجي بسهولة، غير أنه بعد 5 سنوات يظهر أن الرياض تختار أصدقائها، وتدير الظهر لمن يخاصمها، وكل الوعيد، والتابوهات التي تحدث عنها زعماء في الغرب تلاشت، ويتسابقون على ود القيادة السعودية، دون أي تحفظات.

منذ أن تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، ثم رئاسة الوزراء لاحقا، فعليا هو الذي يحكم على أرض الواقع، شهدت المملكة تغيرات غير مسبوقة، وما كان مستحيلا أن تراه في المدن السعودية صار حقيقة، واليوم تدشن الرياض سباقا مع الزمن في ميادين الاقتصاد، والثقافة، والترفيه، والعنوان الرئيس قطع مع الماضي، فالمملكة التي سيطرت عليها الحركة الوهابية لعقود تكاد تجلياتها أن تنتهي، والدولة الدينية التي كانت جماعة الأمر بالمعروف تصول وتجول بها اختفت، ولم يعد هناك ما كان يسمى "شرطة دينية" تراقب تطبيق الشريعة الإسلامية، وتفرض الإغلاق للمحلات التجارية وقت الصلاة، وتمنع خروج النساء دون عباءة سوداء، وتصطدم بكل من يفكر بإقامة اي أنشطة ترفيهية.
 
باختصار تغير الحال، ويلخص بعض الغاضبون لهذه التحولات ما وقع بالقول "اختفت هيئة الأمر بالمعروف، وحلت مكانها هيئة الترفيه" التي يقودها تركي آل الشيخ الشخصية المثيرة للجدل.

لم يكن الأمير محمد بن سلمان يُخفي رغبته في المضي في تحولات تعاكس الموروث الاجتماعي، ويبدو وكأنه متصادم مع إرث ديني، ولهذا يقول في حديث بمنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض "لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورا، وسوف نقضي على التطرف".

قبل أكثر من 20 عاما كانت السعودية توجه لها أصابع الاتهام بأنها حاضنة للتطرف، وما زالت أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، وضلوع سعوديين بها حاضرة في الأذهان، واليوم تطوي السعودية صفحة من تاريخ سماه ولي العهد "اختطاف الجماعات المتطرفة للإسلام".

نقطة البداية ومحاولة تأصيل فكرة التحولات في السعودية كانت في رؤية 2030، وعناوينها الأساسية؛ مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وحين طرحت التصورات، والمبادرات، والمشاريع، كثيرون اعتبروها قفزة في الهواء، لن تقوى السعودية على مقاربتها، وربما حين تسمع عن مشروع مثل مدينة نيوم، تتحدث الأرقام أن كلفتها تقارب 500 مليار دولار، قد ينظر له على أنه محض خيال لن يطبق.

نيوم مدينة صديقة للبيئة، خالية من السيارات، وانبعاثات الكربون، شواطئ مضيئة، و"ذا لاين" مدينة بخط مستقيم تزيد عن 170 كم، وقطارات فائقة السرعة، والأهم أنها خارج النظام القضائي السعودي، وقيل، ولا زال يُقال عنها الكثير الكثير.
 
هذه المدينة حين ترى الوجود ستهدد، وتنافس كل مدن البحر الأحمر، وكل المزارات السياحية، والتوجس من الاستيقاظ السعودي يرعب الكثير من دول الإقليم.

كان استقطاب نادي النصر السعودي للاعب الأكثر شهرة في التاريخ رونالدو بعقد خيالي يتجاوز 400 مليون يورو خلال موسمين رياضين محل تندر، والحديث الدائر اليوم أن نادي الهلال يفاوض ميسي لاستقطابه في صفقة مالية أعلى، وكل هذا لا يحدث بمعزل عن رؤية سعودية تريد أن تكون الوجهة الأولى التي تلفت الانتباه، وأنها تريد استخدام القوة الناعمة كالرياضة لغزو العالم، لتصبح أكثر حضورا على الخارطة العالمية، والكلام عن عرض لاستضافة مونديال كأس العالم عام 2030 بالتشارك مع مصر واليونان يصب في ذات الوجهة، والعنوان.

عند العودة إلى حديث ولي العهد السعودي لمجلة "أتلانتيك" تجد الكثير من الأفكار التي تمضي الآن حاضرة، فهو يشير إلى أن السعودية تغيرت عما كانت عليه قبل سبع سنوات، وان التطور الاجتماعي يسير بالاتجاه الصحيح، وأن بلاده من أسرع الدول نموا، وتملك أكبر 10 صناديق استثمارات في العالم، وأكثر من ذلك يقول بفصيح العبارة أن محمد بن عبد الوهاب ليس أكثر من داعية، وهو الذي كان لا يمس.

الخصوصية السعودية أكثر ما هو لافت في أحاديث محمد بن سلمان، فهو يرفض أن تكون التغييرات مفروضة، أو منسوخة، فالمملكة لا تريد أن تكون مثل دبي، أو أميركا، وإنما تسعى لتطوير نموذجها الخاص، ويسهب في الحديث عن فرادة المشاريع السعودية، فمدينة العلا موجودة فقط بالسعودية، ولا يوجد لها نموذج على الكوكب، ونفس الحال ذا لاين في نيوم، أو القدية المشروع الرياضي الترفيهي الأكبر في العالم.

تريد السعودية أن تستقطب 100 مليون سائح مع عام 2030، وتذلل كل العقبات أمام تدفق الناس إليها، فلا خطوط حمراء، ففي رأس السنة حشدت أهم نجوم الفن والغناء العرب في ليلة واحدة، وكل يوم مبادرة جديدة في مواسم الرياض، وحتى تزور السعودية يكفي أن تكون لديك تأشيرة للولايات المتحدة، أو "تشنجن" لتعبر بسلاسة ودون تعقيد.

المنتقدون يرون أن كل هذه التحولات الاقتصادية، والاجتماعية، والتخلي عن التشدد الديني لا يستند إلى دمقرطة البلاد، وولوجها إلى قيم تستند إلى ضمان الحقوق، والحريات، ولكن الحقيقة التي لا تغيب عن القيادة السعودية أن الغرب يقدم المصالح على المبادئ، ونهوض المملكة للمزاحمة، والمنافسة بتزامن من انكسارات ديموقراطية، ليس في العالم العربي وحده، وإنما الاهتزازات طالت أنظمة في الغرب طالما تغنت في معايير حقوق الإنسان، ولهذا فإن التحولات العالمية، ومنها الحرب في أوكرانيا، وتراجع العالم أحادي الأقطاب، وصعود الصين نموذجا لحالة جديدة، يمكن "المملكة السليمانية" إن جاز التعبير من المناورة، وبناء التحالفات لتكون لها موطأ قدم صلب على هذا الكوكب، وهي اللعبة التي بدأ يمسك مفاتيحها ولي العهد السعودي الطامح لإعادة إنتاج صورة جديدة لبلاده.