الخطاب أظهر بشكل صارخ ضعف بوتين سياسيا وعسكريا
الخطاب أظهر بشكل صارخ ضعف بوتين سياسيا وعسكريا

كان المشهد الاحتفالي في موسكو سرياليا بامتياز وان تخللته لقطات هزلية تراوحت بين القومية الروسية الشوفينية ووجهها الاخر: المظلومية الروسية التقليدية تجاه الغرب. 

المناسبة: الإعلان الرسمي عن ضم أربع مقاطعات أوكرانية محتلة جزئيا إلى روسيا الاتحادية بعد سبعة أشهر من القتال الذي أظهر أن الجيش الروسي، الذي كان يفترض قبل غزو أوكرانيا أن يكون ثاني أقوى جيش في العالم، هو في الواقع نمر من ورق. وبعد يوم واحد من تبجح الرئيس فلاديمير بوتين بأن المقاطعات الأربعة بسكانها قد أصبحت جزءا لا يتجزأ من الوطن الروسي "إلى الابد"، كان الجيش الروسي ينسحب بشكل فوضوي ومحرج من مدينة ليمان، في مقاطعة دونيتسك التي أعلنها بوتين جزءا من روسيا، مخلفا ورائه العتاد وجثث قتلاه.

خطاب بوتين في الاحتفال المزيف بنصر وهمي، وتهديداته المبطنة باستخدام أسلحة الدمار الشامل، بما في ذلك الأسلحة النووية التكتيكية أظهر بشكل صارخ ضعف بوتين سياسيا وعسكريا، واحتقاره للقانون الدولي ومبدأ سيادة الدول، وكذلك احتقاره واستخفافه بأرواح شباب روسيا الذين يسعى إلى تجنيدهم إلزاميا وزجهم في أتون حرب لا يريدونها ويخافون منها، الأمر الذي يفسر هجرة أو هروب أكثر من مئتي ألف روسي عبر حدود روسيا الطويلة مع دول أوروبا ومنطقة القوقاز وآسيا الوسطى. الماكينة الدعائية الروسية وصفت هروب هؤلاء الروس المعادين للحرب كنوع من التطهير الضروري، بينما قال فلاديمير بوتين بأن روسيا يجب أن "تبصق هؤلاء مثل الذبابة التي تدخل الفم بطريق الخطأ".

 في الأيام الماضية نشر محللون غربيون جديون مقالات حول احتمال تحول الحرب في أوكرانيا إلى حرب نووية. الكاتبة والخبيرة في الشؤون الروسية سوزان غلاسير نشرت مقالا في مجلة نيويوركير بعنوان: "ماذا لو كنا بالفعل نحارب في حرب عالمية ثالثة ضد روسيا؟" وجاء في العنوان الفرعي للمقال "استفزازات بوتين الأخيرة وضعت واشنطن مرة اخرى في قيد صعب"، وذلك في إشارة إلى أن سياسة الرئيس بايدن منذ بداية الحرب كانت في توفير الدعم العسكري لأوكرانيا، ولكن بطريقة لا تؤدي إلى حرب ضد روسيا.

مضمون خطاب بوتين والاحتفال بالانتصارات الخيالية والشكوى من مؤامرات الغرب واتهامه بأنه كان يسعى منذ القرن السابع عشر إلى "استعمار" أو تدمير روسيا، ذّكرني بطروحات وأوهام وادعاءات صدّام حسين ونظريات المؤامرة التي جعلته يشّن الحروب الكارثية ضد جيران العراق وشعبه منذ سبتمبر1980 وهي حروب استخدم فيها الأسلحة الكيماوية ضد إيران، ولاحقا ضد كردستان العراق. الطروحات العدائية ذاتها، والقومية الشوفينية ذاتها، واحتقار الحدود والسيادة الوطنية ذاته، والاستخفاف بأرواح شعبه ذاته، والمظلومية تجاه الغرب ذاتها.

المشهد الميداني في أوكرانيا يبين أن روسيا عاجزة عن تحقيق انتصار عسكري تقليدي ضد القوات الأوكرانية النظامية وخاصة إذا واصلت واشنطن وحلفائها تزويد أوكرانيا باحتياجاتها العسكرية أو حتى زيادة نوعية هذه الأسلحة أو إضافة أسلحة هجومية اليها. وجميع المؤشرات تبين أنه على الرغم من تهديدات بوتين بتصعيد مستقبلي، فإن دول حلف الناتو مصرّة على مواصلة دعمها العسكري والمالي لأوكرانيا. الخسائر الميدانية التي منيت بيها القوات الروسية في محيط مدينة خاركيف في شمال شرق البلاد ومحيط مدينة خيرسون في الجنوب في الأسابيع الماضية، وهي الخسائر التي أرغمت بوتين على إعلان التعبئة العامة، أبرزت إلى العلن وبشكل مخز محدودية القوة العسكرية الروسية والمستوى المتدني لأداء الجيش الروسي ومعنوياته الضعيفة. هذا جيش ينتمي إلى دولة في المرتبة الثالثة أو الرابعة عسكريا.

خلال الأشهر الثلاثة الماضية أصدر الرئيس بوتين وغيره من المسؤولين الروس تهديدات خطيرة باستخدام الأسلحة النووية التكتيكية في الحرب الأوكرانية، وهذه التهديدات تعني من جملة ما تعنيه أن القيادة الروسية تدرك الان أن القوات الروسية التقليدية غير قادرة على إلحاق هزيمة ساحقة بأوكرانيا، أو إرغام الحكومة الأوكرانية في كييف بالتفاوض مع روسيا في غياب انسحاب روسي من الأراضي التي احتلتها منذ بدء غزوها في الرابع والعشرين من شهر فبراير الماضي.

واكتسبت هذه التهديدات بعدا خطيرا جديدا في الأيام الماضية لأنها تزامنت أو جاءت في أعقاب الإعلان عن "الاستفتاءات" المزيفة في المقاطعات الأوكرانية الأربعة، وقرار ضمها إلى روسيا، ما يعني وفقا لمنطق بوتين الأعوج إنها أصبحت جزءا لا يتجزأ من الوطن الروسي، ما يعطيه الحق في استخدام كل الأسلحة المتاحة، بما فيها النووية، للدفاع عن التراب الروسي، إذا وصل القتال أو استمر في هذه المقاطعات الأربعة.

هناك من يرى في الغرب أن تهديدات بوتين النووية يجب أن تؤخذ على محمل الجد وخاصة بعد النكسات الميدانية الأخيرة لقواته في اوكرانيا، ولأنه يدرك أن هزيمته العسكرية تعني بداية النهاية السياسية له في روسيا. في المقابل هناك من يرى أن بوتين لن يستخدم السلاح النووي لأنه ليس "انتحاريا"، وسوف يعول على مرور الزمن لإضعاف تضامن الغرب مع أوكرانيا.

المسؤولون الأميركيون حذّروا روسيا من عواقب استخدام الأسلحة النووية، وأوصلوا هذه الرسالة بشكل لا لبس فيه إلى الرئيس بوتين. مستشار الامن القومي جايك ساليفان حذّر من انه ستكون هناك "عواقب كارثية" على روسيا إذا استخدمت الأسلحة النووية. وبعد أن أكد أن هذه الرسالة وصلت إلى المسؤولين الروس "على أعلى المستويات" أضاف "هم يدركون جيدا ما الذي سيواجهون اذا مشوا على هذا الطريق المظلم".

واستخدم بوتين ذاكرته الانتقائية لتبرير أي تصعيد نووي، حين قال أن استخدام الولايات المتحدة للسلاح النووي في الحرب العالمية الثانية ضد اليابان قد خلق "سابقة"، متناسيا أن اليابان هي التي اعتدت على الولايات المتحدة، كما كان قد قال في السابق إن الغزو الأميركي للعراق هو سابقة تبرر غزوه لأوكرانيا، متناسيا أن الولايات المتحدة لم تغزو العراق لضم أراضيه.

الرئيس بوتين أوضح في خطابه أن حربه ليست مع أوكرانيا أو حلف الناتو فحسب، بل انها بالدرجة الأولى مع "أسياد" أوكرانيا في الغرب. العدو الذي يرفضه ويكرهه بوتين هو الغرب، وتحديدا الغرب "الانجلو- ساكسوني" الأميركي-البريطاني. هذا الغرب في مفهوم بوتين يستخدم تقدمه التقني والمالي لفرض إرادته على الشعوب الأخرى ولجمع ما أسماه "ضرائب الهيمنة" من هذه الشعوب. ولهذا الهدف يقوم الغرب بخلق الاضطرابات في هذه الدول لتقويض سيادتها. ويضيف بوتين أن هذا "الجشع" الغربي هو الذي يفسر "الحرب الهجينة" (استراتيجية عسكرية جديدة تجمع بين الحرب التقليدية والحرب غير النظامية والحرب السيبرانية) التي يشنها الغرب ضد روسيا على حد زعمه. وادعى بوتين أن الغرب يريد تحويل روسيا إلى "مستعمرة"، أو "تحطيمها" واتهم "النخب الغربية" بأنها "توتاليتارية" و"عنصرية" في نظرتها إلى روسيا، ورأى انه لهذه الأسباب لا يملك الغرب أي سلطة أخلاقية لرفض الاستفتاءات التي أجرتها روسيا في أوكرانيا.

ونبش بوتين السجل الاستعماري للغرب من الإتجار بالعبيد إلى نهب ثروات الهند والصين. وادعى أن الغرب "حتى هذا اليوم " لا يزال "يحتل" اليابان وكوريا الجنوبية وألمانيا وهي دول يسميها خبثا بالحليفة. اللافت أن بوتين وضع روسيا في سياق الدولة أو الحضارة الوحيدة التي "قادت" الحركة المناوئة لهذا الاستعمار الغربي، وكأن الزحف الروسي عبر القرون باتجاه الشعوب التي كانت تعيش في جنوب وشرق روسيا كان زحفا سلميا وحضاريا بامتياز.

مضمون الخطاب يبين بشكل سافر إلى أي مدى أخطأت النخب الغربية بما فيها النخبة السياسية الأميركية في الحزبين الديموقراطي والجمهوري في فهمها لفلاديمير بوتين خلال حكمه الطويل، وكيف اعتقدت خطأ أنها يمكن أن تتعامل معه بشكل عقلاني ومبني على مفهوم المصلحة المشتركة. مضمون خطاب بوتين التصعيدي والصدامي والعبثي، والوضع الميداني المذري لقواته العسكرية في أوكرانيا، يفرض على الغرب خيارات صعبة بالفعل. في ظل الظروف الحالية التفاوض غير وارد وغير مجد، ومواصلة دعم أوكرانيا في حربها الشرعية لتحرير أراضيها يحمل معه خطر عدوان نووي.

القادة المتسلطون بشكل مطلق أو شبه مطلق قادرون على البقاء في السلطة في وجه تحديات كبيرة خارجية وداخلية. صّدام حسين وبشار الأسد استخدما الأسلحة الكيماوية حتى داخل العراق وسوريا وبقيا في السلطة حتى بعد ارتكاب هذه الفظائع. القواسم المشتركة بين صدام حسين وفلاديمير بوتين عديدة، من بينها تاريخهما الطويل في التصعيد وعدم التراجع أو الاعتراف بالخطأ أو بالهزيمة.

صدام حسين أصيب بهزيمة مذّلة في 1991 وبقي في السلطة إلى أن واجه غزوا أميركيا أسقطه في 2003. آنذاك رأى بعض أنصاره أنه لو كان يملك أسلحة نووية لما كان تعرض لغزو أميركي.

بوتين في المقابل يملك ترسانة نووية كبيرة، ويكّن للغرب عداء تاريخيا وثقافيا عميقا وعبثيا لم يعكسه بهذا الشكل أي زعيم سوفياتي أو رئيس روسي في السابق. في مواجهته مع الغرب بعد غزوه لأوكرانيا، وضع بوتين نفسه في مأزق استراتيجي لا يعرف كيف يخرج منه دون عنف أكبر يمكن أن يسحقه أيضا. مأزق بوتين وضع الغرب أيضا في معضلة: كيف يواصل دعم أوكرانيا في حربها المشروعة دون الانزلاق إلى حرب عالمية ثالثة؟

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!