"قبضة الثورة" أصبحت رمزا لاحتجاجات أكتوبر عام 2019 في لبنان
"قبضة الثورة" أصبحت رمزا لاحتجاجات أكتوبر عام 2019 في لبنان

في معجم المعاني، تعود تسمية تشرين إلى اللغة السريانية، فتشرين الأول والثاني هما: "تشري قديم" و"تشري حراي" أي السابق واللاحق، ومعناه بالعربية "البدء"، وسمي كذلك لأن تشرين الأول يعتبر الإيذان ببداية موسم الزراعة.

زراعة لم يعرفها إلا العراق ولبنان، رويت  بدماء ودموع، بحزن شديد على أعتاب الفرح، وباب فرج بعد خيبة مؤقتة، وانكسار مؤقت، وأمل ممكن، وبالرغم من تأخره ، إلا أنه سيعود، وكما يقول المثل: "كلما هلّ تشرين بترجع بنت عشرين".  

في تشرين كان الهتاف متلاصقا من بغداد إلى بيروت، في التشرين ذاته كانت المنطقة الخضراء في بغداد محاصرة وساحة التحرير أكثر حرية، كانت ساحة النجمة في بيروت معزولة وساحة الشهداء أكثر إصرارا.

كسر التشرينيون خوفهم، لم ترهبهم حواجز الملثمين ولا تهديدات القناصين، حركت عزيمتهم بيوت سياسية تصدعت، ومنظومة حاكمة تهالكت، شبان وشابات أطلقوا صافرة النهاية، فأطلقت على صدورهم رصاصات الغدر، رفعوا شعارات الحرية والعدالة والمساواة، فألصقت بهم تهم الخيانة والعمالة، ووصفوا زورا (بالجوكرية) وأتباع السفارات، لكنهم أيقنوا أن طريق الحق موحش لقلة سالكيه، ومضوا لا يبالون إن وقعوا على الموت أم وقع الموت عليهم.

منذ نشأة العراق ولبنان، ككيانين مستقلين، تقاطعت بينهما الأحداث وترابطت بشكل كسر ثوابت الجغرافيا السياسية التي تفصل بينهما، وباتا يخضعان لتحولات سياسية اقتصادية واجتماعية وثقافية، جعلتهما، أي لبنان والعراق، أشبه بدولتين محاذيتين يتأثران مباشرة بالأحداث الداخلية والخارجية التي يتعرضان لها.  

لذلك عند الحديث عن تاريخ البلدين لا يمكن الفصل ما بين إعلان دولة لبنان الكبير، سنة 1920، وثورة العشرين في العراق، 1920، التي أسست أحداثها لقيام جمهورية العراق، سنة 1921، حيث لعبت الكنيسة المارونية دورا فاعلا في الوصول إلى إنشاء الكيان اللبناني، يقابله موقف للمرجعية الدينية الشيعية التي كانت رافعة للثورة ومسهلة لقيام الدولة.

كما شهدت مرحلة الخمسينيات ذروة التقارب اللبناني (الرئيس شمعون) والعراقي (الباشا نوري السعيد)، فالمعروف عن الرئيس اللبناني الأسبق كميل شمعون تمسكه بمعادلة سياسية تجاوزت منطق الجغرافيا وقامت على فكرة "عراق قوي، لبنان مستقر" وهي المعادلة التي أثبتت صحتها بعدما أثرت أحداث عام 1958 في لبنان والعراق على العلاقة بينهما وعلى استقرارهما السياسي وموقعهما في خريطة التحالفات الإقليمية والعربية.  

وفي سنة 2003 في العراق و2005 في لبنان بدأت مرحلة جديدة في البلدين، فقد مهد سقوط بعث العراق إلى خروج الاحتلال البعثي السوري من لبنان، لكن أحلام التغيير جوبهت بفتنة طائفية وحروب أهلية وانقسامات مجتمعية واستيلاء على الثروات. 

لذلك كان تشرين ذروة الرد على الفعل القاتل فتحول شباب تشرين إلى فاعل أعاد الاعتبار للفضاء الوطني العام، نجح في تفكيك خطاب المنظمة الحاكمة ورسم حدثا يتشابه بين لبنان والعراق يرفض وصاية الوكلاء ويريد إنتاج الأصلاء، فباتت السلطة في بغداد في مواجهة أغلبية وطنية مدعومة من مرجعية تؤمن بالمشروطية، وفي لبنان تواجه المنظومة أغلبية شعبية انتفضت على الصيغة الطائفية التي كان يحاول أصحاب المشاريع الجيوعقائدية إعادة إنتاجها وفقا لشروطهم السياسية. 

 فمنذ انتفاضة تشرين 2019 وإلى الآن ، لم تعد الهيمنة على المجتمع ومصادرة الدولة واحتجاز الشباب داخل الطوائف واختزال الطوائف بأمرائها سهلة، فبين أمراء الطوائف وأمراء الحرب حبل سرة يمتد خارج الحدود يغذي دعاة اللادولة بدم مسموم، يستخدم العنف وسيلة لبقائه والحفاظ على غنائمه من شط العرب حتى ساحل المتوسط.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.