تشكل صناعة الأسطورة حول القائد الملهم والزعيم الخالد أحد المحاور المهمة التي تشتغل عليها دعاية الآيدولوجيا
تشكل صناعة الأسطورة حول القائد الملهم والزعيم الخالد أحد المحاور المهمة التي تشتغل عليها دعاية الآيدولوجيا

من السمات الرئيسية للآيدولوجيا أنها تزود معتنقها بقناع يحجب عنه رؤية الحقيقة المجردة كما هي، ويخلق له واقعا بديلا (خياليا) يعيش فيه وذلك عبر تطوير خطاب يشتمل على أدوات عديدة لحجب الحقيقة وإحلال الصور المرغوب فيها، وتمثل حياكة الأسطورة إحدى تلك الأدوات المستخدمة في تزييف الواقع.

وتشكل صناعة الأسطورة حول القائد الملهم والزعيم الخالد أحد المحاور المهمة التي تشتغل عليها دعاية الآيدولوجيا في تزييف الحقيقة المرتبطة به، حيث يتم نسج القصص الخيالية التي تُظهر بطولاته وتمجد أعماله وتمنحه قدرات خارقة لا تتوفر للبشر العاديين. 

وبما أن العقيدة الدينية تنبني على أساس إيماني ماورائي، فإن الآيدولوجيا المستندة إلى الدين تعمل على الإعلاء من مكانة القيادة (المرشد) عبر ربطها بأبعاد متعالية بهدف إحاطتها بهالة من القدسية  يُعتقد أنها تعضد من مصداقيتها وتؤكد شرعيتها.

وبمرور الزمن تنمو و تتشعب تلك الماورائيات وتكتسب نوعا من القداسة فيصبح من غير المقبول أو الممنوع تناولها بالنقد أو النقاش. وإذ تتحول الأساطير إلى ثوابت وبديهيات، فإنه يتم استخدامها لتقوية تماسك الجماعة وتأكيد الطاعة المطلقة للقيادة وتعزيز الثقة  الكاملة فيها وبما يمنع التشكيك في أي قول أو فعل يصدر عنها.   

من أمثلة هذه القصص المتعالية ما كتبه المرشد المؤسس لجماعة الإخوان المسلمين، حسن البنا، في مذكرات "الدعوة والداعية" صفحة 41 تحت عنوان "رؤيا صالحة"، يروي فيها أنه كان يهم بالجلوس لامتحان في النحو والصرف لم يكن مستعدا له بشكل كاف، وبينما هو نائم في ليلة الامتحان وقع له حلم عجيب يقول عنه :
(وإن من فضل الله تبارك وتعالى أنه يطمئن ويسكن نفوس عباده وإذا أراد أمراً هيّأ له الأسباب فما زلت أذكر أن ليلة امتحان النحو والصرف رأيت فيما يرى النائم أننى أركب زورقاً لطيفاً مع بعض العلماء الفضلاء الأجلاء يسير بنا الهوينى فى نسيم ورخاء على صفحة النيل الجميلة، فتقدم أحد هؤلاء الفضلاء، وكان فى زي علماء الصعيد، وقال لى: أين شرح الألفية لابن عقيل؟ فقلت: ها هو ذا، فقال: تعالَ نراجع فيه بعض الموضوعات، هات صفحة كذا، وصفحة كذا، لصفحات عينها، وأخذت أراجع موضوعاتها حتى استيقظت منشرحاً مسروراً، وفى الصباح جاء الكثير من الأسئلة حول هذه الموضوعات، فكان ذلك تيسيراً من الله تبارك وتعالى، والرؤيا الصالحة عاجل بشرى المؤمن والحمد لله رب العالمين ).

نحن هنا بإزاء طالب لم يستطع تحصيل دروسه بالشكل المطلوب في الواقع (عالم الشهود) فأرسل الله له في المنام (عالم الغيب) علماء فضلاء قام أحدهم بمراجعة صفحات معينة من شرح ألفية إبن عقيل معه، ولما جلس للامتحان وجد الكثير من الأسئلة تدور حول ذات الموضوعات التي راجعها معه ذلك العالم الفاضل في الحلم !  

غير أن الأسطورة لا تتوقف عند هذا الحد، فمع مرور الوقت يتم تجويدها بإضافة بعض اللمسات و التفاصيل التي تمنحها مزيداً من القوة الماورائية، ومن ذلك ما كتبه عضو الهيئة التأسيسية لجماعة الإخوان، محمود عبد الحليم، في كتاب "الإخوان المسلمون .. أحداث صنعت التاريخ" ص 57- 58 حول ذات القصة، حيث يقول : 
(وقد رأى "حسن البنا" أن يواصل دراسته فدرس دراسة خاصة للالتحاق بدار العلوم، وقد اضطره ذلك إلى الانتقال إلى القاهرة حيث كان مطالبا بالعمل لكسب عيشه فالتحق بعدة أعمال منها أنه أشتغل عاملا في محل للبقالة، ولقى في ذلك ما لقى حتى أنه لم يكن يجد وقتا يستذكر فيه دروسه، ولما حان موعد الامتحان المؤهل لاإلتحاق بدار العلوم نفسها، وجد أن مطالب الحياة الضرورية لم تدع له وقتا تؤهله مذاكرته فيه أن يدخل الامتحان، فشكا إلى الله الذي يعلم أنه لم يقصر لحظة واحدة .. يقول رحمه الله : ونمت ليلة الامتحان فإذا بي أرى فيما يرى النائم رجلا يواسيني ويقول لي : التفت إلي فالتفت إليه فإذا بيده كتاب المادة التي سأمتحن فيها في الصباح فيفتح الكتاب عند صفحة معينة ويشير إلىَّ أن أقرأ حتى إذا قرأت الصفحة فتح الكتاب عند صفحة أخرى فأقرأها وهكذا حتى أنهى الكتاب فأغلقه وتركني، فلما أصبحت وجدتني حافظا كل ما قرأت – وكانت هذه طبيعتي أن أحفظ ما أقراه – ودخلت الامتحان فإذا الأسئلة كلها هي نفس ما قرأته في الرؤيا .. وهكذا مرت ليالي الامتحان وأيامه على هذا النحو وظهرت النتيجة فكنت الأول . والحمد لله).

الرواية أعلاه تختلف في تفاصيلها عن رواية البنا، ولكن المهم فيها أن الرجل الذي جاء ليواسي الأخير في منامه كان يحمل الكتاب (مادة الامتحان) في يده وهو يعلم الصفحات التي ستأتي منها الأسئلة بدقة، وكان البنا يحفظ الصفحات التي يشير إليها الرجل عن ظهر قلب وهو مستغرق في النوم، والأهم من ذلك أن الرواية توحي بأن البنا ظل يحلم بأسئلة جميع الامتحانات (وهكذا مرت ليالي الامتحان وأيامه على هذا النحو) وفي كل مرة يجد الأسئلة التي حفظها في الحلم فيجيب عليها حتى أحرز المرتبة الأولى والتحق بدار العلوم !!

وفي عام 1992 تعرض الزعيم الراحل لجماعة الإخوان المسلمين في السودان، الدكتور حسن الترابي، لحادث اعتداء من قبل مواطن سوداني في مطار "أوتاوا" بكندا التي زارها ضمن جولة لأوروبا وأميركا.

وقد أدى الحادث لإصابة في الرأس أدخلته في غيبوبة استوجبت متابعة حالته في غرفة العناية المركزة بالمستشفى، وقد روى أحد مرافقيه من أعضاء الجماعة، أحمد عثمان مكي، تلك اللحظات العصيبة وقال في الخبر الذي أوردته صحيفة "السودان الحديث" في عددها رقم 934 الصادر في 1 أغسطس 1992 أنه :
( اكتشف شيئا جديدا في شخصية الترابي بعد أكثر من (25) عاما من الرفقة خلال هذه الرحلة الطويلة. وأوضح أنه أحس قبل محاولة الاعتداء بليل حالك في صدره شيء فطلب من الشيخ الترابي أن يبيت في فراشه ويستبدله هو في فراشه وتوسل إليه أكثر فرد عليه الشيخ قائلا : والله لو اجتمعت الدنيا كلها لما فعلت ذلك .. وأضاف الله خير حافظا وهو أرحم الراحمين، وكشف النقاب عن أن أخصائي جراحة المخ الكندي الذي قام بفحص صور الأشعة المأخوذة من رأس وعنق الدكتور الترابي قال له : لقد مارست مهنة جراحة المخ ردحا من الزمان .. ولكن ولعلها المرة الأولى التي أرى فيها عقلا بشريا نظيفا مثل هذا المخ).

من الجلي أن الرواية أعلاه تحاكي القصة التاريخية المشهورة عندما تآمر كفار قريش على اغتيال الرسول الكريم، فأمره الله بالهجرة, فطلب من علي بن أبي طالب أن يبيت في مضجعه حتى يخفي عنهم أثر هجرته. ومن ناحية أخرى فإنه لا يُعرف كيف يمكن أن يكون هناك عقل بشري نظيف وآخر متسخاً !

وقد سار أحد شباب الجماعة المقربين للترابي، ويدعى الدكتور محمد الأمين، في نفس الاتجاه أعلاه وقال عن ذات الحادثة :
(الطبيب الكندي الذي عالج الدكتور الترابي البروفيسر دا سيلفا (حسب ما أذكر) جن جنونه حين استيقظ الترابي وقام من غيبوبته ووجد أنه استعاد ملكاته الدماغية والتعبيرية باللغة الإنكليزية كان يقول هاتفا : إنها معجزة، وتنازل عن رسومه وكانت قرابة الـ 60 ألف دولار وكتب خطابا بالمعني وأنه سيسعد في المستقبل بمتابعة أو مراجعة حالة الترابي إن احتاج الأمر مستقبلا لأنه لم يرى مثلما رأى).

أما سفير السودان لدى روما إبان فترة حكم الجماعة، عبد الله محمد أحمد، فقال إنه سأل الترابي عن الحادثة وكان من ضمن إجابة الأخير القول التالي :
(أبوح لك بسر لم أحدِّث به أحدا.. إن ما حدث أوْقدَ ذاكرتي فأصْبحت ـ والشكر للّه ـ أوْسعَ وأسرعَ تلقّياً وطرحاً من الانغماس في شؤون الحياة الدنيا وسياساتها المتعكرة، وأشعر ـ الآن ـ أن ما حدث كان حكمة إلهية نَشَّطَتْ عقلي وذاكرتي، ولهذا فأنا سعيد بما حدث) !  

وهكذا، فمن الواضح أن الجماعة لا تتورع عن إضفاء هالة من القدرات الخارقة على قياداتها، وهى في ذلك تستخدم الأبعاد الغيبية التي تتضمن التواصل مع السماء عبر الأحلام أو عن طريق استلاف القصص  الإسلامي الذي يستلهم الوحي، والهدف من إبراز هذه الصيغ المتعالية هو في كل الأحوال تكريس قيم الطاعة والثقة والانقياد داخل الجماعة فضلا عن تأكيد دعم السماء للإخوان وقيادتهم.

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!