صورة جوية تظهر دبابات وآليات روسية مدمرة في مدينة بوتشا الأوكرانية
صورة جوية تظهر دبابات وآليات روسية مدمرة في مدينة بوتشا الأوكرانية

"الهُروب الكبير" هو العنوان الذي تكرر استخدامه في الكثير من وسائل الإعلام العالمية لوَصف ما حدث في روسيا بمجرد إعلان الرئيس فلاديمير بوتين التعبئة "الجزئية"، لأن بيانات "غوغل تريندز" أظهرت أن مُصطلح مغادرة روسيا إرتفع مئة ضعف عن الأيام العاديّة، ولأن موقع رَصد حركة الطائرات "فلايت رادار" بثّ مقاطع لمُغادرة أعداد استثنائية من الطائرات روسيا بمجرد إعلان التعبئة، كما أظهرت تسجيلات تجمع أعداد كبيرة من الشباب في المطارات حتى نفَذت التذاكر المُباشرة إلى تركيا وأرمينيا وغيرها من الدول التي لا تطلب من المواطنين الروس تأشيرات دخول، كما نفذت تذاكر الرحلات غير المباشرة حتى وصَل سعر أرخص الرحلات الجويّة من موسكو إلى دُبي لخمسة آلاف دولار والذي يُعادل أضعاف متوسّط راتب المواطن الروسي، وصرّح مصدر بقطاع السياحة لوكالة رويترز أن هناك حالة من الفزع والناس يشترون تذاكر دون الإهتمام بالوجهة التي يسافرون إليها. 

ولم يختلف الوضع كثيراً في الطرق البريّة، فقد قال حرس الحدود الفنلندي أن ستة آلاف روسي دخلوا فنلندا في يوم واحد، كما تشكّل طابور من المركبات بطول عشرين كيلومتراً على حُدود جورجيا، وقال أحد الشباب لمُراسل أجنبي أنه أمسك جواز سفره وتوجّه إلى الحدود دون حزم أي شيء آخر، كذلك شهدت الحدود مع كازاخستان ومنغوليا وقال رئيس معبر منغولي أن آلاف الروس دخلوا منغوليا وأن الرجال كانوا خمسة أضعاف النساء والأطفال، وقال مصدر لصحيفة "نوفايا جازيتا أوروبا" أن 261 ألف رجل غادروا روسيا خلال الأيام الأربعة الاولى بعد إعلان التعبئة وأن الأرقام الحقيقية قد تكون أعلى بكثير، ثم تساءلَ نفس المصدر: هل سيكون المسؤولون العسكريون والأمنيون قادرون على إقناع بوتين بإغلاق منافذ الحُدود قبل فوات الأوان؟. 

وبهدف الهُروب من التجنيد أصبحت جملة "كيف أكسر ذراعي في المنزل بأقلّ قدَر من الألم" الأكثر بحثاً على الإنترنت، ومثلها عبارة "مظاهرات ضدّ التعبئة" لأن من لم يستطع الهروب خرجَ للتظاهُر وللتنديد بالتعبئة والحرب في احتجاجات عمّت عشرات المُدن الروسية، وقال أحد المُشاركين في المظاهرات لقد اعتقلوا الجميع النظام يدمر شبابه، وتحدثت تقارير عن سَوق بعض من تمّ اعتقالهم من المتظاهرين إلى الجيش مُباشرة، وترافقَ ذلك مع مرسوم لبوتين بإعطاء الجنسيّة الروسية لأي شخص أجنبي يخدُم في الجيش الروسي عاماً أو أكثر، وسبقه تسجيل مسرّب لرئيس مرتزقة فاغنر وهو يخطُب أثناء تجنيد سُجناء للقتال في أوكرانيا قائلاً "إذا خدمت ستة أشهر في صفوف فاغنر فأنت حُر". 

ومع كل ما سبق تمّ تشديد العقوبات على من يُغادر قطعته دون إذن ولمن يَعصي أوامره العسكرية أو من يرفض المُشاركة في القتال أو من ينشقّ أو يستسلم لتُصبح السجن لعشر سنوات على الأقل، بما يُشير بوضوح لوجود رفض لهذه الحرب عند شريحة واسعة من الشعب الروسي لا ترى في غزو أوكرانيا سوى مغامرة شخصيّة لبوتين، كما يدلّ على أن كل خطابات بوتين الحماسيّة، وحديثه المُكرّر عن روسيا العُظمى لم تُفلح في إقناع أو إثارة حماس الكثير من الشباب الروس، وهذا ما قاله المُعارض نافالني بمقال في الواشنطن بوست "إنّ رغبة العُدوان على أوكرانيا موجودة عند أقليّة في المجتمع الروسي وأنها غير منتشرة خارج نُخب السلطة". 

كما أن ما حدثَ بعد إعلان التعبئة قد أثار الشُكوك بأنّ العَدد المطلوب للتجنيد أكثر من الرقم المُعلن وهو 300 ألف، وقد يصل عدد المطلوبين الحقيقي حتى المليون وأن عبارة التعبئة الجزئية ليست سوى تمويه، وتأكيداً على ذلك قال أحد المُعارضين، إنهم يقومون بتعبئة الجميع ودوريات الشرطة تجوب أماكن تجمّعات الشباب مثلَ محطات المترو وسكن الطلاب وهم يحملون استمارات التجنيد، وكان هذا أكثر وُضوحاً في الأرياف ومناطق الأقليات البعيدة عن التغطية الإعلامية حيثُ كان الاستدعاء شاملا ومشددا، وقالت صحيفة محليّة أنه في إحدى بلدات شرق روسيا تمّ استدعاء جميع السكان الذكور، وقال قائد عسكري في سيبيريا "لن يفلُت أحد ولن يختبئ أحد ولن يُنسى أحد"، كما أدّى هذا الإستدعاء الشامل إلى إحتجاجات لافتة في داغستان مع هُتافات لا للحرب والتي تعامَل معها الأمن بعُنف، وقالت باحثة مختصّة بالشأن الروسي إن بوتين يزجّ بجنود من الأقليات العرقيّة في هذه الحرب، وأن المُقاتلين الشيشان يتمّ إرسالهم إلى أخطر الجبهات، ولذلك أطلق أحد الشباب من أبناء منطقة ريفية النار على مفوّض تجنيد وأصابهُ بجروح خطيرة.  

ولكنّ الأهم من كلّ ذلك أن هذا الاستدعاء قد كشفَ عن الحجم الكبير للخسائر الروسية في أوكرانيا، لأن استدعاء جنود الاحتياط الذين يملكون خبرة سابقة في القتال بمن فيهم من بلغَ عمره 65 عاما يعني وُجود حاجة مُستعجلة إلى جنود مدرّبين وأنّ الوضع لا يحتمل انتظار تدريب مجنّدين جدُدا، كما أن حالة الذُعر التي سبّبها هذا الاستدعاء عند المواطنين الروس وكلام بعضهم بأنهم يرفضون إرسالهم "للموت" أو إلى "مفرَمة اللحم"، يدلّ على أن المعلومات التي لديهم تقول أن عدد قتلى الجيش الروسي أكبر بكثير من البيانات الرسمية التي أعلنتها وزارة الدفاع الروسية والتي تحدّثت عن ستة آلاف قتيل حتى الآن، ويبدو أنهم يعتبرون البيانات الأوكرانية التي قالت أن عدد قتلى الجنود الروس قد تجاوز 56 ألفا خلال الأشهر السبعة الأولى من الحرب أقرب إلى الواقع، وإذا أُضيف إليهم الجرحى والأسرى يُصبح قرار التعبئة المستعجل والهستيريا التي أثارها في الداخل الروسي حسب تعبير بيسكوف الناطق بإسم الكرملين مفهوما. 

وكذلك كشفَ الهُروب الكبير عن ما يحدث مع الجنود في أوكرانيا، وهذا ما وصفه عسكري من المظليين هربَ بعد شهرين من القتال ووصَل إلى فرنسا وأدان من هُناك العملية العسكرية في أوكرانيا وكشَف عن الحالة السيّئة للجندي الروسي هناك وكيف يتمّ خداعه وتزويده بمعلومات مغلوطة ومضلّلة، وتابعَ هذا المظلّي "إن الروس لا يؤيدون هذه العملية ولا يعتبرون الغرب عدوّاً لهم بعكس ما يُظهره الإعلام الذي تسيطر عليه الحكومة بالكامل وأن مُعظم الروس غير راضين لكنّهم خائفون". 

كما أعاد هُروب الشباب من التجنيد تسليط الضوء على الواقع المُزري للمجنّدين في الجيش الروسي والذي يُمكن أخذ فكرة عنه من قصة مجنّد قام في نهاية عام 2019 بقتل أحد الضبّاط وسبعة من زملائه، وعند استجوابه قال إن ضابطا هدد باغتصابه بعد المُناوبة وأن مجنّدين آخرين قالوا له إنهم تعرّضوا لذلك بما يعني أن التهديد جدّي ولم يكن هُناك مكان للهرب، ثمّ شرحَ المجنّد كيف أنه منذ بداية خدمته تعرّض لسرقة هاتفه ونقوده دون وجود من يشتكي له فالضبّاط أنفسهم كانوا يضربونه، وكانَ يُكلّف بتنظيف المراحيض ويتم حشر رأسه فيها بحجّة أنها لم تنظّف كما يجب، كما كان الضباط يأمرون بقية المجنّدين بتأديبُه، لأنه من المُتعارف عليه في الجيش الروسي اضطهاد الجنود القُدامى الذين يُسمّون الأجداد للمجندين الجُدد عبرَ الضرب والعُنف والإهانات، ومن المُتعارف عليه أيضا طلب الضبّاط رشاوي مُقابل عدم تعذيب المجنّدين مع الاستيلاء على مخصّصاتهم الزهيدة وما يُرسله لهم أهلهم، ولذلك تعاطفَ كثيرون من الذين يعرفون حقيقة الخدمة في الجيش الروسي مع المُجند ووقّع ثلاثون ألفاً منهم عريضة يطالبون باعتبار ما قامَ به المجنّد دفاعاً عن النفس. 

وأكّد الهُروب الحالي من التجنيد على أن الوضع داخل الجيش الروسي مازالَ على حالُه وأن كل مُحاولات الحدّ من الفساد المستشري داخله قد أخفقت، وأن الشباب مستمرّين في بذل جُهدهم ودفع الرشاوي للإعفاء من الخدمة إمّا عن طريق تمديد فترة الدراسة أو الهُروب إلى الخارج، وأنه لنفس الأسباب تتكرّر حالات إطلاق النار وأعمال العنف والانتحار بين المجندين والتي تتستّر القيادة عليها. 

إذاً بخلاف الصور التي ينقلها الإعلام الرسمي الروسي وفيها شباب ترقُص في الساحات وتصفّق تأييداً لخطاب بوتين الذي أعلن فيه ضمّ مُقاطعات شرق أوكرانيا إلى روسيا، هُناك في المقابل نساء ورجال روس لهم رأي آخر مُختلف تماماً، ولذلك بدلَ أن يؤدّي إعلان التعبئة إلى إخافة الشعب الأوكراني والغرب والعالم، أدّت مُلابساته إلى فضح حقيقة الوضع البائس للمؤسّسة العسكرية والدولة الروسية، ممّا شكّل إحراجاً كبيراً للنظام ولبوتين شخصياً، ولكن بقيَ السؤال الكبير، إذا كان وضع الجيش الروسي بهذا السوء فهل هذا سيجعل من استخدام الأسلحة غير التقليديّة أمراً وارداً؟ هذا ما ستكشف عنه الأيام القادمة، والتي قد تكون بالغة الخطورة. 

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!