الحدود البحرية البنانية الإسرائيلية
الحدود البحرية البنانية الإسرائيلية

جبروت المقاومة أرغم العدو على الخضوع وضمن حصول لبنان على كامل حقوقه، والدليل أن قادة العدو أنفسهم يقرّون أن سيد المقاومة كان صاحب القول القاطع. هذا الفصل من الصراع قد أثبت أن المقاومة هي عنصر قوة لبنان في وجه غدو غاشم لا يفهم إلا منطق القوة.

هذه هي الملهاة. إما أن من يعتنق ما يشابه هذا الكلام، أي معظم صف المقاومة والممانعة في لبنان، كاذب كذباً بواحاً لتعمية تغليب صالح مقاومته في البقاء والاستعلاء على حقوق وطنه ومستقبله، وإما أنه سمح لأهوائه أن تطمس إدراكه، انطلاقاً من زخم لا مبرر له أن سيد المقاومة أدرى بالمصالح، فعليه التعويل وله التفويض.

فالمسألة جلية سهلة لا تحتمل الرأي. كل حدود بحرية، بين أية دولتين، عرضة لثلاثة قراءات. قراءتين تختص بكل منهما إحدى الدولتين المعنيتين وتسخو من خلالها في تصوير مستحقاتها، ثم قراءة «علمية» منهجية مجردة تحاول جهات ذات خبرة وصدقية أن توضّح معالمها. فترسيم الحدود البحرية هو عملية التقاضي لدى المرجعيات الدولية، أو التفاوض خارجها، لتقريب مطالب كل من الدولتين من القراءة الثالثة، الوسطى، الموضوعية، وصولاً إلى التوافق على ما يرضي الجانبين.

كان من حق إسرائيل، في مسعاها التفاوضي مع لبنان بشأن الحدود البحرية، أن تطالب بالحد الأقصى المتاح لها، أي «الخط ١»، وإن بدا هذا الخط المنطلق شمالاً من الحدود البرية عند رأس الناقورة إلى النقطة «١» عند الحدود البحرية لقبرص، أي إلى ما يوازي مدينة صيدا اللبنانية، مبالغاً فيه. وهكذا فعلت إسرائيل.

«الخط ١» هو القراءة الإسرائيلية، التفاوضية ضمناً. فيما «الخط ٢٩» هو القراءة الموضوعية التي ارتأتها المؤسسة المعنية بالحدود البحرية في المملكة المتحدة، وهي كبرى الجهات العالمية من حيث الدقة والخبرة في اختصاصها.

أما القراءة التفاوضية التي كان من شأن الدولة اللبنانية أن تعتمدها، فهي قراءة لم تجرِ صياغتها قط.

كان بوسع الجهات اللبنانية المختصة أن تعتمد على توافقات ماضية، ولا سيما، إذا صحّت المعلومات بهذا الشأن، ما تضمنته ملاحق اتفاق ١٧ أيار ١٩٨٤ بين لبنان وإسرائيل، أو غير ذلك من التوافقات وصولاً إلى زمن الانتداب بين السلطتين الفرنسية والبريطانية، لا فارق. المهم أن يكون المطلب اللبناني موازياً للقراءة الإسرائيلية في مقدار جموحه ومستوى حجيته، لتعزيز الموقع التفاوضي، ولكي يصبح الخط ٢٩، وهو الأقرب إلى الموضوعية، حلاً قريباً من الوسط عند البحث عن تسوية.

لبنان الدولة لم يفعل. بل تشكّل إجماع مخزي من كافة وجوه السلطة والمنظومة والمقاومة المزعومة لاعتماد ما هو أقل بكثير من الخط ٢٩، أي الخط ٢٣، بعد تلكؤ وتباطؤ وتخبط. ولم يتبدل الموقف اللبناني حتى بعد أن أعد فريق من خبراء الجيش اللبناني تقريراً علمياً يؤكد على وجوب اعتماد الخط ٢٩.

جهود الوساطة التي باشرتها الولايات المتحدة، في خضمّ إصرار لبنان على الامتناع عن أي تفاوض مباشر مع إسرائيل، ابتدأت، كما هو متوقع، برسم خط وسطي، بين القراءتين الإسرائيلية واللبنانية. كان هذا خط «هوف»، وهو أقرب إلى الخط ٢٣ اللبناني منه إلى ١ الإسرائيلي. وجميع هذه الخطوط بعيدة كل البعد عن الخط ٢٩، الموضوعي الوسطي والذي كان الأحرى أن يكون مبتغى الفريق اللبناني، مع اعتماد خط أخر إلى جنوبه تفاوضياً. وبالتأكيد، فإن التفريط اللبناني كان واضحاً للخصم الإسرائيلي والوسيط الأميركي، على أنه لا يمكن أن ينتظر أن يكون أحداً ملكياً أكثر من الملك. جلالة الملك اللبناني، من حيث يفطن أو يجهل، شاء تقديم هدية صامتة لخصمه الإسرائيلي، وليست إسرائيل ولا الولايات المتحدة في موقع من يحاججه ألا يفعل.

والحذار من مزاعم قد تصدر عن بعض العظماء اللبنانيين في مراحل مقبلة، من باب «أرغمونا» و «لم يسمحوا لنا». جبابرة لبنان أتخموا مجتمعه بـ «ما خلّونا» و «لو كنت أعلم»، ولكن دوماً بعد فوات الأوان ووقوع الكارثة. عسى أن يأتي يوماً يُسألوا ويساءلوا، عن فعلهم وعن امتناعهم، عن أقوالهم وعن صمتهم، عن فسادهم وعن غفلتهم. مهما اقتضى الأمر.

جملة تطورات مؤثرة حصلت في المراحل الأخيرة. قرار قضائي دولي في قضية مشابهة بين الصومال وكينيا يشكل سابقة لصالح لبنان في حال وصلت المسألة إلى المحاكم الدولية. حاجة غربية إلى تسريع الانتاج وتنويعه ومنع الدول الأوروبية من الارتهان لإمدادات الطاقة الروسية. تثبت إسرائيل من الفائدة الاقتصادية الهامة لحقل كاريش الواقع عند الخط ٢٩، إلى شماله وجنوبه.

هدف واشنطن الأول من الوساطة هو نزع فتيل تفجير ممكن قد يقع من خلال استغلال محور «الممانعة» لموضوع خلافي من أجل الإمعان في التوتير، كما هو الحال في مزارع شبعا السورية التي تحتلها إسرائيل، والتي أريد لها أن تكون لبنانية لأغراض التصعيد.

هدف إسرائيل الطبيعي والبديهي هو تحقيق مصلحتها الوطنية القصوى. حسابات هذه المصلحة قد تختلف إسرائيلياً، بين من يرى بأن الفائدة تقتضي عدم التأخير في الانتاج من حقل كاريش، وهو ما قد يحصل في حال عاد التوتر، وعدم تعريض المكسب الإسرائيلي الحالي، والمستقرّ عند الخط ٢٣، لخطر الانحسار في حال المقاضاة ... وبين من يعتبر أنه بوسع إسرائيل الحصول على مكاسب إضافية.

لو أن الأمر خاضع للاعتبارات الموضوعية، قد لا يكون الطموح لدى بعض الإسرائيليين بالحصول على المزيد من المجال البحري اللبناني واقعياً، نظراً إلى أنه بيد إسرائيل للتوّ «هدية» قدّمها لها المسؤولون اللبنانيون. بل قد يجوز تخطئة رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتانياهو لتوظيفه «تراجع» الحكومة الإسرائيلية عن الخط ١ وعن خط هوف، وقبولها بالخط ٢٣، في الزعم وكأن خصومه قد خضعوا لابتزاز محور المقاومة. ثمة من يلوم نتانياهو على أن في موقفه تغليب لأغراضه السياسية والانتخابية على حساب المصلحة الوطنية الإسرائيلية، في حال انهارت الترتيبات التي توشك أن تصل إلى نهاياتها مع لبنان.

على أن موقف نتانياهو هذا ينضوي على قدر من التحصين، المذهل والمنهك. فهو عند إشارته إلى دور مفترض للمقاومة في الدفع باتجاه قرار الحكومة الإسرائيلية، يحصل تلقائياً على ابتهاج صف المقاومة في لبنان، حيث يعلو التصفيق لاعتبار الخط ٢٣ إنجازاً رائعاً لمنطق الصمود والتصدي، ولا بد بالتالي من التمسك به والتشديد على أنه لا تراجع قيد أنملة عن هذا التحقيق المهيب.

أي أن نتانياهو، لا، لم يفرّط بالمصلحة الإسرائيلية، لأن مطلب المبتهجين اللبنانيين ليس أبداً المضي جنوباً إلى ما يشمل كافة الحق اللبناني، بل نصب أقواس النصر عند الخط ٢٣ لدور مزعوم لمقاومتهم في تكريس ما يمنح إسرائيل مستحقات الأجيال اللبنانية المقبلة.

من شأن الإسرائيليين، في هذه المرحلة وغيرها، أن يستبشروا خيراً بالدرجات المعيبة من القصور والتقصير لدى المسؤولين اللبنانيين، الرسميين منهم وقوى الأمر الواقع، ومن يجاريهم من أصحاب الرأي والتحليل. أولياء الأمر اللبنانيون فاوضوا على ما هو أقل بكثير من الحل الوسط، وتنازلوا عن حقوق وطنهم فيما همّ، الرسميون منهم والمقاومون، بعد أن فرّطوا جهاراً نهاراً بحقوق لبنان، يحظون بالتعظيم والتبجيل من أتباعهم. بل هم قد قايضوا الانتاج من حقل كاريش، بعد التخلي الغريب عن حصة لبنان فيه، وهو الحقل الخصب الواسع القائم الموثّق المزوّد بالمنصة المتقدمة الحاضرة للانتاج، بأن يكون «حقل قانا» من نصيب لبنان بالكامل ربما، وذلك رغم أن حقل قانا هذا، النظري الافتراضي الوهمي والذي لم يتم التثبّت من مخزونه إن تواجد ابتدءاً، يتجاوز الخط ٢٣ جنوباً بعض الشيء. يا لصلابة الموقف.

الحكومة الإسرائيلية وافقت على المطلب اللبناني بأن يكون «حقل قانا» من نصيب لبنان، بالكامل ربما، طبعاً مع ضمان الحقوق الإسرائيلية فيه، أي أن تبقى حصة إسرائيل من الانتاج مصانة وأن تستوفيها دولة إسرائيل من جارتها، وشريكتها الجديدة الغافلة، الحكومة اللبنانية الفذّة.

يلجأ المعلقون اللبنانيون الموالون للحكم والمقاومة إلى كافة وسائل التشتيت بدلاً من مواجهة حقيقة التفريط البالغ حد الإجرام المادي والمعنوي بحق الوطن وأجياله، من الابتهاج بانتصارات زائفة، إلى استدعاء مزاعم كاذبة ومقارنات فاشلة. أرغمنا العدو على القبول بخط ٢٣. لم تفعلوا. استعملنا الخط ٢٩ تفاوضياً. لم يحصل قط. لا جدوى من اللجوء إلى المحاكم الدولية مع «الكيان». بل ثمة جدوى أكيدة، وكان من شأن مجرّد إعلان الخط ٢٩ حدوداً لبنانية أن يجعل حتى حقل كاريش متنازعاً عليه، ويدفع الشركات العالمية إلى تجنبه، دون الحاجة إلى استعراضات قوّة وهمية من جانب المقاومة.

تعرّض لبنان لمحن ومآسي عديدة على مدى العقود الماضية، بعضها أكثر إيلاماً بالطبع من خسارة الثروات البحرية. على أن الوقاحة في ارتكاب الجريمة، والجبن والتزييف والكذب بدلاً من مواجهتها يبقى دون نظير في مسألة ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل.

عند الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، من تركيا إلى مصر، مروراً بسوريا ولبنان وقبرص وإسرائيل وفلسطين، ثمة مجمع طاقة وازن عالمياً في المرحلة التاريخية المقبلة. قد يكون الصلح القائم على الإنصاف، بما يجعل هذا الوزن حقيقة قائمة، صعب المنال اليوم.

على أنه يبقى على لبنان الذي أضاع الكثير من أمسه أن يكون مستعداً للغد الأفضل، لا بعضلات وهمية لـ «مقاومة» مسلحة بسلاح خارجي يوظّف الخصوم ملهاتها في سجالاتهم، بل بمقاومة مدنية حقيقية داخلية في وجه هذا التفريط الإجرامي غير القابل للأعذار. فإما هو متعمَّد من وجوه سياسية فاسدة، تستحق المقاضاة والخلع والعقاب، وإما هو عن غفلة من سياسيين لا يفقهون، يحاسبون ويُسقَطون.

عسى أن يكون اللبنانيون كافة، وليس فقط المعلقين، من أصحاب «الارتباطات». و «الارتباطات» هنا ليست الإيماءات الساقطة التي تُشهر للتعويض عن فشل في المنطق والطرح، بل الالتزام بمستقبل الإنسان والمجتمع في هذا الوطن الجنة الذي أوداه التردي إلى جهنم الموعودة. طوبى للبنان. طوبى ليوم قيامته.

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!