الحدود البحرية البنانية الإسرائيلية
الحدود البحرية البنانية الإسرائيلية

جبروت المقاومة أرغم العدو على الخضوع وضمن حصول لبنان على كامل حقوقه، والدليل أن قادة العدو أنفسهم يقرّون أن سيد المقاومة كان صاحب القول القاطع. هذا الفصل من الصراع قد أثبت أن المقاومة هي عنصر قوة لبنان في وجه غدو غاشم لا يفهم إلا منطق القوة.

هذه هي الملهاة. إما أن من يعتنق ما يشابه هذا الكلام، أي معظم صف المقاومة والممانعة في لبنان، كاذب كذباً بواحاً لتعمية تغليب صالح مقاومته في البقاء والاستعلاء على حقوق وطنه ومستقبله، وإما أنه سمح لأهوائه أن تطمس إدراكه، انطلاقاً من زخم لا مبرر له أن سيد المقاومة أدرى بالمصالح، فعليه التعويل وله التفويض.

فالمسألة جلية سهلة لا تحتمل الرأي. كل حدود بحرية، بين أية دولتين، عرضة لثلاثة قراءات. قراءتين تختص بكل منهما إحدى الدولتين المعنيتين وتسخو من خلالها في تصوير مستحقاتها، ثم قراءة «علمية» منهجية مجردة تحاول جهات ذات خبرة وصدقية أن توضّح معالمها. فترسيم الحدود البحرية هو عملية التقاضي لدى المرجعيات الدولية، أو التفاوض خارجها، لتقريب مطالب كل من الدولتين من القراءة الثالثة، الوسطى، الموضوعية، وصولاً إلى التوافق على ما يرضي الجانبين.

كان من حق إسرائيل، في مسعاها التفاوضي مع لبنان بشأن الحدود البحرية، أن تطالب بالحد الأقصى المتاح لها، أي «الخط ١»، وإن بدا هذا الخط المنطلق شمالاً من الحدود البرية عند رأس الناقورة إلى النقطة «١» عند الحدود البحرية لقبرص، أي إلى ما يوازي مدينة صيدا اللبنانية، مبالغاً فيه. وهكذا فعلت إسرائيل.

«الخط ١» هو القراءة الإسرائيلية، التفاوضية ضمناً. فيما «الخط ٢٩» هو القراءة الموضوعية التي ارتأتها المؤسسة المعنية بالحدود البحرية في المملكة المتحدة، وهي كبرى الجهات العالمية من حيث الدقة والخبرة في اختصاصها.

أما القراءة التفاوضية التي كان من شأن الدولة اللبنانية أن تعتمدها، فهي قراءة لم تجرِ صياغتها قط.

كان بوسع الجهات اللبنانية المختصة أن تعتمد على توافقات ماضية، ولا سيما، إذا صحّت المعلومات بهذا الشأن، ما تضمنته ملاحق اتفاق ١٧ أيار ١٩٨٤ بين لبنان وإسرائيل، أو غير ذلك من التوافقات وصولاً إلى زمن الانتداب بين السلطتين الفرنسية والبريطانية، لا فارق. المهم أن يكون المطلب اللبناني موازياً للقراءة الإسرائيلية في مقدار جموحه ومستوى حجيته، لتعزيز الموقع التفاوضي، ولكي يصبح الخط ٢٩، وهو الأقرب إلى الموضوعية، حلاً قريباً من الوسط عند البحث عن تسوية.

لبنان الدولة لم يفعل. بل تشكّل إجماع مخزي من كافة وجوه السلطة والمنظومة والمقاومة المزعومة لاعتماد ما هو أقل بكثير من الخط ٢٩، أي الخط ٢٣، بعد تلكؤ وتباطؤ وتخبط. ولم يتبدل الموقف اللبناني حتى بعد أن أعد فريق من خبراء الجيش اللبناني تقريراً علمياً يؤكد على وجوب اعتماد الخط ٢٩.

جهود الوساطة التي باشرتها الولايات المتحدة، في خضمّ إصرار لبنان على الامتناع عن أي تفاوض مباشر مع إسرائيل، ابتدأت، كما هو متوقع، برسم خط وسطي، بين القراءتين الإسرائيلية واللبنانية. كان هذا خط «هوف»، وهو أقرب إلى الخط ٢٣ اللبناني منه إلى ١ الإسرائيلي. وجميع هذه الخطوط بعيدة كل البعد عن الخط ٢٩، الموضوعي الوسطي والذي كان الأحرى أن يكون مبتغى الفريق اللبناني، مع اعتماد خط أخر إلى جنوبه تفاوضياً. وبالتأكيد، فإن التفريط اللبناني كان واضحاً للخصم الإسرائيلي والوسيط الأميركي، على أنه لا يمكن أن ينتظر أن يكون أحداً ملكياً أكثر من الملك. جلالة الملك اللبناني، من حيث يفطن أو يجهل، شاء تقديم هدية صامتة لخصمه الإسرائيلي، وليست إسرائيل ولا الولايات المتحدة في موقع من يحاججه ألا يفعل.

والحذار من مزاعم قد تصدر عن بعض العظماء اللبنانيين في مراحل مقبلة، من باب «أرغمونا» و «لم يسمحوا لنا». جبابرة لبنان أتخموا مجتمعه بـ «ما خلّونا» و «لو كنت أعلم»، ولكن دوماً بعد فوات الأوان ووقوع الكارثة. عسى أن يأتي يوماً يُسألوا ويساءلوا، عن فعلهم وعن امتناعهم، عن أقوالهم وعن صمتهم، عن فسادهم وعن غفلتهم. مهما اقتضى الأمر.

جملة تطورات مؤثرة حصلت في المراحل الأخيرة. قرار قضائي دولي في قضية مشابهة بين الصومال وكينيا يشكل سابقة لصالح لبنان في حال وصلت المسألة إلى المحاكم الدولية. حاجة غربية إلى تسريع الانتاج وتنويعه ومنع الدول الأوروبية من الارتهان لإمدادات الطاقة الروسية. تثبت إسرائيل من الفائدة الاقتصادية الهامة لحقل كاريش الواقع عند الخط ٢٩، إلى شماله وجنوبه.

هدف واشنطن الأول من الوساطة هو نزع فتيل تفجير ممكن قد يقع من خلال استغلال محور «الممانعة» لموضوع خلافي من أجل الإمعان في التوتير، كما هو الحال في مزارع شبعا السورية التي تحتلها إسرائيل، والتي أريد لها أن تكون لبنانية لأغراض التصعيد.

هدف إسرائيل الطبيعي والبديهي هو تحقيق مصلحتها الوطنية القصوى. حسابات هذه المصلحة قد تختلف إسرائيلياً، بين من يرى بأن الفائدة تقتضي عدم التأخير في الانتاج من حقل كاريش، وهو ما قد يحصل في حال عاد التوتر، وعدم تعريض المكسب الإسرائيلي الحالي، والمستقرّ عند الخط ٢٣، لخطر الانحسار في حال المقاضاة ... وبين من يعتبر أنه بوسع إسرائيل الحصول على مكاسب إضافية.

لو أن الأمر خاضع للاعتبارات الموضوعية، قد لا يكون الطموح لدى بعض الإسرائيليين بالحصول على المزيد من المجال البحري اللبناني واقعياً، نظراً إلى أنه بيد إسرائيل للتوّ «هدية» قدّمها لها المسؤولون اللبنانيون. بل قد يجوز تخطئة رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتانياهو لتوظيفه «تراجع» الحكومة الإسرائيلية عن الخط ١ وعن خط هوف، وقبولها بالخط ٢٣، في الزعم وكأن خصومه قد خضعوا لابتزاز محور المقاومة. ثمة من يلوم نتانياهو على أن في موقفه تغليب لأغراضه السياسية والانتخابية على حساب المصلحة الوطنية الإسرائيلية، في حال انهارت الترتيبات التي توشك أن تصل إلى نهاياتها مع لبنان.

على أن موقف نتانياهو هذا ينضوي على قدر من التحصين، المذهل والمنهك. فهو عند إشارته إلى دور مفترض للمقاومة في الدفع باتجاه قرار الحكومة الإسرائيلية، يحصل تلقائياً على ابتهاج صف المقاومة في لبنان، حيث يعلو التصفيق لاعتبار الخط ٢٣ إنجازاً رائعاً لمنطق الصمود والتصدي، ولا بد بالتالي من التمسك به والتشديد على أنه لا تراجع قيد أنملة عن هذا التحقيق المهيب.

أي أن نتانياهو، لا، لم يفرّط بالمصلحة الإسرائيلية، لأن مطلب المبتهجين اللبنانيين ليس أبداً المضي جنوباً إلى ما يشمل كافة الحق اللبناني، بل نصب أقواس النصر عند الخط ٢٣ لدور مزعوم لمقاومتهم في تكريس ما يمنح إسرائيل مستحقات الأجيال اللبنانية المقبلة.

من شأن الإسرائيليين، في هذه المرحلة وغيرها، أن يستبشروا خيراً بالدرجات المعيبة من القصور والتقصير لدى المسؤولين اللبنانيين، الرسميين منهم وقوى الأمر الواقع، ومن يجاريهم من أصحاب الرأي والتحليل. أولياء الأمر اللبنانيون فاوضوا على ما هو أقل بكثير من الحل الوسط، وتنازلوا عن حقوق وطنهم فيما همّ، الرسميون منهم والمقاومون، بعد أن فرّطوا جهاراً نهاراً بحقوق لبنان، يحظون بالتعظيم والتبجيل من أتباعهم. بل هم قد قايضوا الانتاج من حقل كاريش، بعد التخلي الغريب عن حصة لبنان فيه، وهو الحقل الخصب الواسع القائم الموثّق المزوّد بالمنصة المتقدمة الحاضرة للانتاج، بأن يكون «حقل قانا» من نصيب لبنان بالكامل ربما، وذلك رغم أن حقل قانا هذا، النظري الافتراضي الوهمي والذي لم يتم التثبّت من مخزونه إن تواجد ابتدءاً، يتجاوز الخط ٢٣ جنوباً بعض الشيء. يا لصلابة الموقف.

الحكومة الإسرائيلية وافقت على المطلب اللبناني بأن يكون «حقل قانا» من نصيب لبنان، بالكامل ربما، طبعاً مع ضمان الحقوق الإسرائيلية فيه، أي أن تبقى حصة إسرائيل من الانتاج مصانة وأن تستوفيها دولة إسرائيل من جارتها، وشريكتها الجديدة الغافلة، الحكومة اللبنانية الفذّة.

يلجأ المعلقون اللبنانيون الموالون للحكم والمقاومة إلى كافة وسائل التشتيت بدلاً من مواجهة حقيقة التفريط البالغ حد الإجرام المادي والمعنوي بحق الوطن وأجياله، من الابتهاج بانتصارات زائفة، إلى استدعاء مزاعم كاذبة ومقارنات فاشلة. أرغمنا العدو على القبول بخط ٢٣. لم تفعلوا. استعملنا الخط ٢٩ تفاوضياً. لم يحصل قط. لا جدوى من اللجوء إلى المحاكم الدولية مع «الكيان». بل ثمة جدوى أكيدة، وكان من شأن مجرّد إعلان الخط ٢٩ حدوداً لبنانية أن يجعل حتى حقل كاريش متنازعاً عليه، ويدفع الشركات العالمية إلى تجنبه، دون الحاجة إلى استعراضات قوّة وهمية من جانب المقاومة.

تعرّض لبنان لمحن ومآسي عديدة على مدى العقود الماضية، بعضها أكثر إيلاماً بالطبع من خسارة الثروات البحرية. على أن الوقاحة في ارتكاب الجريمة، والجبن والتزييف والكذب بدلاً من مواجهتها يبقى دون نظير في مسألة ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل.

عند الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، من تركيا إلى مصر، مروراً بسوريا ولبنان وقبرص وإسرائيل وفلسطين، ثمة مجمع طاقة وازن عالمياً في المرحلة التاريخية المقبلة. قد يكون الصلح القائم على الإنصاف، بما يجعل هذا الوزن حقيقة قائمة، صعب المنال اليوم.

على أنه يبقى على لبنان الذي أضاع الكثير من أمسه أن يكون مستعداً للغد الأفضل، لا بعضلات وهمية لـ «مقاومة» مسلحة بسلاح خارجي يوظّف الخصوم ملهاتها في سجالاتهم، بل بمقاومة مدنية حقيقية داخلية في وجه هذا التفريط الإجرامي غير القابل للأعذار. فإما هو متعمَّد من وجوه سياسية فاسدة، تستحق المقاضاة والخلع والعقاب، وإما هو عن غفلة من سياسيين لا يفقهون، يحاسبون ويُسقَطون.

عسى أن يكون اللبنانيون كافة، وليس فقط المعلقين، من أصحاب «الارتباطات». و «الارتباطات» هنا ليست الإيماءات الساقطة التي تُشهر للتعويض عن فشل في المنطق والطرح، بل الالتزام بمستقبل الإنسان والمجتمع في هذا الوطن الجنة الذي أوداه التردي إلى جهنم الموعودة. طوبى للبنان. طوبى ليوم قيامته.

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

في مقابلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهيرة مع مجلة "ذا أتلانتيك"، يسأل الصحفي، محمد بن سلمان ماذا تريد أن يعرف الرئيس الأميركي جو بايدن شيئا عنك قد لا يعرفه غيره؟، فيجيب بكل صراحة ومباشرة "هذا لا يهمني، والأمر متروك له، ولتفكيره في مصالح أميركا".

هذا الكلام لم يكن أبدا متوقعا، ولا حتى في الأحلام، فالاتهامات التاريخية للمملكة السعودية أنها تابع لأميركا، ولا تخالفها، أو تعصي أوامرها، ولكن الأمير الذي كان بايدن يتوعد بنبذه، يقرر أن يتعامل بندية، وأن لا يلقي بالا للمصافحة الشهيرة بقبضات الأيدي حين زار بايدن الرياض ليُظهر الجفاء، والحزم في التعامل مع ولي العهد بعد الاتهامات بمقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

لم يكن متوقعا أن يخرج محمد بن سلمان من تداعيات قضية مقتل خاشقجي بسهولة، غير أنه بعد 5 سنوات يظهر أن الرياض تختار أصدقائها، وتدير الظهر لمن يخاصمها، وكل الوعيد، والتابوهات التي تحدث عنها زعماء في الغرب تلاشت، ويتسابقون على ود القيادة السعودية، دون أي تحفظات.

منذ أن تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، ثم رئاسة الوزراء لاحقا، فعليا هو الذي يحكم على أرض الواقع، شهدت المملكة تغيرات غير مسبوقة، وما كان مستحيلا أن تراه في المدن السعودية صار حقيقة، واليوم تدشن الرياض سباقا مع الزمن في ميادين الاقتصاد، والثقافة، والترفيه، والعنوان الرئيس قطع مع الماضي، فالمملكة التي سيطرت عليها الحركة الوهابية لعقود تكاد تجلياتها أن تنتهي، والدولة الدينية التي كانت جماعة الأمر بالمعروف تصول وتجول بها اختفت، ولم يعد هناك ما كان يسمى "شرطة دينية" تراقب تطبيق الشريعة الإسلامية، وتفرض الإغلاق للمحلات التجارية وقت الصلاة، وتمنع خروج النساء دون عباءة سوداء، وتصطدم بكل من يفكر بإقامة اي أنشطة ترفيهية.
 
باختصار تغير الحال، ويلخص بعض الغاضبون لهذه التحولات ما وقع بالقول "اختفت هيئة الأمر بالمعروف، وحلت مكانها هيئة الترفيه" التي يقودها تركي آل الشيخ الشخصية المثيرة للجدل.

لم يكن الأمير محمد بن سلمان يُخفي رغبته في المضي في تحولات تعاكس الموروث الاجتماعي، ويبدو وكأنه متصادم مع إرث ديني، ولهذا يقول في حديث بمنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض "لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورا، وسوف نقضي على التطرف".

قبل أكثر من 20 عاما كانت السعودية توجه لها أصابع الاتهام بأنها حاضنة للتطرف، وما زالت أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، وضلوع سعوديين بها حاضرة في الأذهان، واليوم تطوي السعودية صفحة من تاريخ سماه ولي العهد "اختطاف الجماعات المتطرفة للإسلام".

نقطة البداية ومحاولة تأصيل فكرة التحولات في السعودية كانت في رؤية 2030، وعناوينها الأساسية؛ مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وحين طرحت التصورات، والمبادرات، والمشاريع، كثيرون اعتبروها قفزة في الهواء، لن تقوى السعودية على مقاربتها، وربما حين تسمع عن مشروع مثل مدينة نيوم، تتحدث الأرقام أن كلفتها تقارب 500 مليار دولار، قد ينظر له على أنه محض خيال لن يطبق.

نيوم مدينة صديقة للبيئة، خالية من السيارات، وانبعاثات الكربون، شواطئ مضيئة، و"ذا لاين" مدينة بخط مستقيم تزيد عن 170 كم، وقطارات فائقة السرعة، والأهم أنها خارج النظام القضائي السعودي، وقيل، ولا زال يُقال عنها الكثير الكثير.
 
هذه المدينة حين ترى الوجود ستهدد، وتنافس كل مدن البحر الأحمر، وكل المزارات السياحية، والتوجس من الاستيقاظ السعودي يرعب الكثير من دول الإقليم.

كان استقطاب نادي النصر السعودي للاعب الأكثر شهرة في التاريخ رونالدو بعقد خيالي يتجاوز 400 مليون يورو خلال موسمين رياضين محل تندر، والحديث الدائر اليوم أن نادي الهلال يفاوض ميسي لاستقطابه في صفقة مالية أعلى، وكل هذا لا يحدث بمعزل عن رؤية سعودية تريد أن تكون الوجهة الأولى التي تلفت الانتباه، وأنها تريد استخدام القوة الناعمة كالرياضة لغزو العالم، لتصبح أكثر حضورا على الخارطة العالمية، والكلام عن عرض لاستضافة مونديال كأس العالم عام 2030 بالتشارك مع مصر واليونان يصب في ذات الوجهة، والعنوان.

عند العودة إلى حديث ولي العهد السعودي لمجلة "أتلانتيك" تجد الكثير من الأفكار التي تمضي الآن حاضرة، فهو يشير إلى أن السعودية تغيرت عما كانت عليه قبل سبع سنوات، وان التطور الاجتماعي يسير بالاتجاه الصحيح، وأن بلاده من أسرع الدول نموا، وتملك أكبر 10 صناديق استثمارات في العالم، وأكثر من ذلك يقول بفصيح العبارة أن محمد بن عبد الوهاب ليس أكثر من داعية، وهو الذي كان لا يمس.

الخصوصية السعودية أكثر ما هو لافت في أحاديث محمد بن سلمان، فهو يرفض أن تكون التغييرات مفروضة، أو منسوخة، فالمملكة لا تريد أن تكون مثل دبي، أو أميركا، وإنما تسعى لتطوير نموذجها الخاص، ويسهب في الحديث عن فرادة المشاريع السعودية، فمدينة العلا موجودة فقط بالسعودية، ولا يوجد لها نموذج على الكوكب، ونفس الحال ذا لاين في نيوم، أو القدية المشروع الرياضي الترفيهي الأكبر في العالم.

تريد السعودية أن تستقطب 100 مليون سائح مع عام 2030، وتذلل كل العقبات أمام تدفق الناس إليها، فلا خطوط حمراء، ففي رأس السنة حشدت أهم نجوم الفن والغناء العرب في ليلة واحدة، وكل يوم مبادرة جديدة في مواسم الرياض، وحتى تزور السعودية يكفي أن تكون لديك تأشيرة للولايات المتحدة، أو "تشنجن" لتعبر بسلاسة ودون تعقيد.

المنتقدون يرون أن كل هذه التحولات الاقتصادية، والاجتماعية، والتخلي عن التشدد الديني لا يستند إلى دمقرطة البلاد، وولوجها إلى قيم تستند إلى ضمان الحقوق، والحريات، ولكن الحقيقة التي لا تغيب عن القيادة السعودية أن الغرب يقدم المصالح على المبادئ، ونهوض المملكة للمزاحمة، والمنافسة بتزامن من انكسارات ديموقراطية، ليس في العالم العربي وحده، وإنما الاهتزازات طالت أنظمة في الغرب طالما تغنت في معايير حقوق الإنسان، ولهذا فإن التحولات العالمية، ومنها الحرب في أوكرانيا، وتراجع العالم أحادي الأقطاب، وصعود الصين نموذجا لحالة جديدة، يمكن "المملكة السليمانية" إن جاز التعبير من المناورة، وبناء التحالفات لتكون لها موطأ قدم صلب على هذا الكوكب، وهي اللعبة التي بدأ يمسك مفاتيحها ولي العهد السعودي الطامح لإعادة إنتاج صورة جديدة لبلاده.