تجمع لأنصار مقتدى الصدر بالقرب من المنطقة الخضراء في بغداد بالعراق في 26 أغسطس  2022
تجمع لأنصار مقتدى الصدر بالقرب من المنطقة الخضراء في بغداد بالعراق في 26 أغسطس 2022

في الوقت الذي كان البرلمان العراقي يصوت على تجديد الثقة، والشرعية برئيسه، محمد الحلبوسي، كانت القذائف، والصواريخ تنهمر على المنطقة الخضراء غير البعيدة عن مقر مجلس النواب، وكنتُ أيضا على مسافة مئات الأمتار أستمع، وأصغي في "ملتقى الرافدين" المنعقد في فندق الرشيد إلى مداخلات القادة السياسيين، وحتى قادة الميليشيات المسلحة الذين يظهرون بها ناسكين، وزاهدين لا يهمهم سوى التوافق، واستقرار العراق.

وعلى مدار الأيام التي قضيتها في بغداد محاولًا فهم مآلات الصراع الداخلي، ووقع التراشق بين القوى السياسية الذي يمتد للشارع أحيانا باحتجاجات، ويتطور أحيانا أخرى إلى صراع مسلح، مسيطر عليه، كان العراق على موعد آخر من الضغط، والاستهداف، والابتزاز حين تساقطت الصواريخ الإيرانية على إقليم كوردستان في محاولة لتصدير أزمتها، وتوجيه أصابع الاتهام للأكراد الإيرانيين المتواجدين في العراق أنهم من يقف وراء تأجيج الاحتجاجات في المدن الإيرانية، وأنهم من يمولها.

ما بين المكاسرة السياسية العصية على التوافق، والحل في الداخل، وتنمر خارجي لا يُردع من جوار إقليمي، وأقصد إيران، وتركيا، يعيش ويتعايش العراق مع أيامه، ولا تبدو رهانات المستقبل آمنة، أو واضحة، والشعار الذي يرفعه الفرقاء السياسيون في خطاباتهم التي نسمعها. "التوافق، والتفاهم، واستقرار العراق خط أحمر لا يجوز تجاوزه".

مرت ذكرى تشرين باحتجاجات، والهواجس، والمخاوف ما تزال تتوسع دائرتها، وتخرج عن إطار سلميتها لمواجهات مسلحة إذا ما قررت جموع المتظاهرين العودة إلى اقتحام المنطقة الخضراء، في ظل قرار مُتخذ، وأبلغ به رئيس الوزراء الكاظمي أن الحشد الشعبي لن يسمح بتكرار ما حدث، في إشارة إلى اقتحام التيار الصدري للمنطقة الخضراء، واقتحام القصر الجمهوري، والمعلومات المتداولة أن قوات الحشد الشعبي لم تُغادر المنطقة الخضراء، وكثفت تواجدها. 

كل الحوارات التي استمعت لها في "ملتقى الرافدين"، والأسئلة التي طرحتها على السياسيين، والخبراء، لا تستطيع الجزم، واليقين في مسار تطور الأحداث في الأيام القادمة، وكلهم يرهنون الأمر بقرارات الزعيم مقتدى الصدر، والحلقة التي تعرف بما يفكر به الصدر قليلة، والذين يستمع لمشورتهم، ورأيهم قبل أن يطلق مواقفه يبدو أنهم لا يتجاوزون أصابع اليدين، ولذلك تبقى السياقات السياسية مجهولة، وإن كانت السيناريوهات المطروحة على الطاولة متعددة.

بيت القصيد في الأمر أن الفرقاء السياسيين، وخاصة الإطار التنسيقي يُدركون أن الصدر يملك قرار الشارع، وإن كانت لديهم قوة عسكرية منظمة أكثر منه، ويخبرني أحد قيادات حراك تشرين أن التيار الصدري متغلغل في الشارع، ويستطيع بلمح البصر أن يصل لبيت عائلة كل قيادي من خصومه السياسيين، ولهذا لا يستطيعون مقارعته، وهناك أحياء بالكامل مغلقة للتيار الصدري دون منازع.

الانزلاق للصراع المسلح، والحرب الأهلية أمر مدمر، كما وصفه رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، ولا خيار سوى الحوار، والتساؤل الذي أثاره العبادي الحوار على أي أساس؟ 

جوهر الأزمة تجلى في سعي مقتدى الصدر إلى تشكيل حكومة أغلبية بعد أن حظي بنصيب الأسد من مقاعد البرلمان، وشكل تحالفا مع السنة (الحلبوسي، خنجر)، وحزب مسعود البرزاني في كوردستان، ولكن الإطار التنسيقي لم يقبل بهذا السيناريو، وأصر على حكومة توافقية، واستطاع بالثلث المُعطّل للبرلمان أن يوقف اختيار رئيس الجمهورية، ثم المضي للاتفاق على رئيس للوزراء.

الأشهر المُنصرمة مضت في مكاسرة سياسية لم تفضِ إلى نتائج، النواب أعضاء التيار الصدري استقالوا من البرلمان كوسيلة ضغط، والمحكمة الاتحادية لم تتخذ قرارا بحل البرلمان، واللجوء إلى الشارع، واقتحام المنطقة الخضراء، والتصعيد المسلح كان مؤشرا خطيرا يُهدد السلم المجتمعي، ولولا أوامر الصدر لأتباعه بالانسحاب لعُرفت الويلات التي كانت تنتظر الشارع العراقي. 

كل معارك عض الأصابع، وكسر الإرادات في الأشهر الماضية لم تنتج تفاهمات تُعبّد الطريق لمسار سياسي يُنهي الأزمة في العراق، وظلت الأسئلة معلقة دون إجابات.

أبرز الأسئلة بعد استقالة أنصار التيار الصدري؛ هل يستطيع الإطار أن يمضي في العملية السياسية دونهم؟، وهل تحالف إدارة الدولة (الإطار مع الحلبوسي، وبرزاني) يمكن أن يُكملوا وحدهم الطريق، ويمضوا في دعوة البرلمان للانعقاد لانتخاب رئيس للجمهورية، ورئيس للوزراء؟ 


وقبل ذلك ما هي الضمانات التي توافقوا عليها؟، وهل كل الأطراف وقعت على وثيقة إدارة الدولة للمرحلة المؤقتة، مع ملاحظة أن العبادي أعلن أنه لم يوقع، ولديه تحفظات؟ 

ومن الأسئلة المُلحّة؛ ما هو مصير قانون الانتخاب، والمفوضية العليا للانتخابات التي كانت نقطة استقطاب، وتجاذبات؟ 

المؤشر الواضح في كل هذا المخاض أن أغلبية الأطراف متفقة -ولو بالعلن- على ضرورة إجراء انتخابات مُبكرة، والمعلومات أنها لن تكون قبل نهاية العام القادم، وحتى من لا يحبذونها لا يُجاهرون بموقفهم الرافض حتى لا يظهروا كخائفين، وحتى لا يتصادموا مع التيار الصدري وجهًا لوجه.

لا التوافق على رئيس الجمهورية محسوم، وينطبق الأمر على رئيس الوزراء، وقد تسمع من يُسر لك أن الأمر استقر على اختيار برهم صالح رئيسا للجمهورية، وتسمع في اليوم التالي أن صفقة في "البيت الكردي" سيكون ثمنها استبعاد برهم من الرئاسة، وعلى ذات المنوال يتكرر الكلام عن الصراع على كرسي رئيس الوزراء الأكثر أهمية. 

القراءة السياسية المُعلنة أن رئيس الوزراء الحالي مصطفى الكاظمي يحظى بدعم التحالف الثلاثي (مقتدى الصدر، والحلبوسي، وبرزاني)، والتحول الجديد أن هنالك أطرافا في الإطار لا تعارض الكاظمي في سياق تفاهم يُحلحل الأزمات، ومنهم العبادي، وعمار الحكيم، وأن الأطراف المتشددة ضده نوري المالكي، وقادة الميليشيات المسلحة تحديدًا، وضمن هذا السيناريو ما زال الكاظمي المرشح الأقوى حتى اللحظة، وتمسك الإطار بإسم محمد شياع السوداني مناورة للمقايضة مع التيار الصدري، في حين هناك من يُروّج لخيار ثالث يستبعد الاسمين الكاظمي، والسوداني، والبحث عن مرشح تسوية وتوافق، مثل وزير الرياضة السابق عبد الحسين عبطان، أو محافظ البصرة أسعد العيداني، وعند الوصول لتفاهم على الرئيس يعود التيار الصدري للعملية السياسية.

خروج الكاظمي من سباق الرئاسة مسألة ليست سهلة، ليس بسبب دعم الداخل العراقي له، وتناغمه حتى مع حراك تشرين الشعبي، والسياسي، وخطوط اتصاله القوية مع التيار الصدري حتى أنه اتهم بالتواطؤ معهم في دخول المنطقة الخضراء، ومحاصرة البرلمان، واقتحام القصر الرئاسي،، ولكن المهم أيضا "المقبولية" الإقليمية والدولية له، وهو ما فجّر غضب أمين عام عصائب أهل الحق قيس الخزعلي، واتهامه الرئيس الفرنسي ماكرون بالتدخل لفرض رئيس محدد، واتصاله بالقادة السياسيين العراقيين لفرض أرائه، وطالبه بالاعتذار، والمعلومات التي تسربت لاحقًا أن ماكرون اتصل بمسعود برزاني طالبًا دعم اختيار الكاظمي رئيسًا، فأبلغه أن هذا قرار البيت الشيعي، وهو لا يستطيع أن يفرض رأيه عليهم، واتصل ماكرون بعد ذلك مع الزعيم مقتدى الصدر.

ليس سرا أن الكاظمي يحظى بدعم أمريكا، ودول الخليج، والعالم العربي، ولا يوجد رفض إيراني له، وهذه نقطة قوة قد لا تتوفر للمرشحين الآخرين. 

قبل أن يتفق "البيت الشيعي" على رئيس الوزراء، فإن من المبكر الاستعجال بحسم اسم رئيس الجمهورية، وتبدو الصورة "متلازمة" باختيار الرئيسين، والتسريبات أن تحالف إدارة الدولة اتفق مبدئيا على عقد اجتماع نهاية الشهر القادم للبرلمان، ولا يُعرف إن كان هذا الأمر سيتحقق، وهل سيكون بالتفاهم مع التيار الصدري؟، وحسب رئيس البرلمان الحلبوسي المهم "تجميع الفرقاء دون غالب أو مغلوب"، وأن الاتصالات مع التيار الصدري مستمرة، مطالبًا الجميع بخفض سقف التوقعات، وبإنكار الذات لإبعاد ما سماه "شبح الفتنة".

العراق حتى الآن مكانك سر، والمخاوف من اشتعال الصراع ممكنة في أي لحظة، والجميع يحاول الحفاظ على مكتسباته حتى اللحظة الأخيرة، والحراك التشريني بمطالبه حرك المياه الراكدة، وما زال صوت الشارع رغم محاولات احتوائه، واستقطاب الأحزاب المتناحرة لجزء من مكوناته، واقع الحال الأغلبية المسيطرة تريد مسارا سياسيا يضمن مصالحها، ولكن يدها على الزناد إذا ما انفجرت المواجهات، فالميليشيات المسلحة متعددة الولاءات، والرايات، والخاسر الوحيد العراقي أولًا وأخيرًا.

حتى يتفق الفرقاء السياسيون على الخارطة السياسية، تطحن التحديات الاقتصادية العراقيين، وتتآكل الخدمات العامة، وتغيب التنمية المستدامة، ويترحم بعض من تسمعهم في الشارع على النظام العراقي السابق الذي لم يختبر الناس خلال معايشتهم له كل هذه الانفجارات، والأزمات.
 
بانتظار الإجابة على كل الأسئلة المعلقة، وبانتظار الحسم يقول العبادي "هناك من يصب الزيت على النار"، والنتيجة يظل العراق بين فكيّ كماشة الداخل والخارج.

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.