منذ اللحظة التي تصل فيها عمان، وأينما اتجهت شمال الأردن وجنوبه ستجد عبارة مكررة وقد تم رشها على كل سور أو أي مساحة إسمنتية متاحة برذاذ لوني واضح، وتقول ببساطة : (لتشييك مزارعكم –ثم رقم هاتف خلوي).
كان مدهشا بالنسبة لي وأنا الذي كنت أراها عبارة عادية جدا لا تثير أي تساؤل أن أعرف من مصدر "أمني" متقاعد أن تلك العبارة الموشومة على كل جدار يشرف على كل طريق في الأردن، هي شيفرة لتوزيع المخدرات في الأردن.
القصة تبقى في حدود العادي كملف أمني بحت لو أن الأرقام كانت ضمن العادي، وما سمعته في العاصمة الأردنية من حقائق مضافا إليه ما يمكن ربطه من انفلات مجتمعي يجنح نحو العنف كظاهرة مجتمعية منتشرة وارتباطها بكم هائل من جرائم القتل البشعة التي تخرج عن حدود المنطق في دوافعها ونتائجها، فإن القصة تصبح ما يمكن تسميته مجازا (الإرهاب الأبيض)، وهو فعلا إرهاب لا يقل دموية عن الإرهاب الأحمر للحركات المتطرفة مثل داعش، لكن دمويته تتفجر من داخل المجتمع وأفراده، ومن حيث لا يتوقع أحد، وهو كأي استراتيجية إرهابية يتمدد وينتشر لا في الأردن وحسب، بل يستهدف "بمنهجية واضحة" ما وراء الأردن من عمق عربي يشمل الوصول إلى مجتمعات دول الخليج العربي.
لم يعد هناك فترة تمضي كافية لنسيان تفاصيل جريمة دموية بشعة وغريبة تصل إلى حد قتل ابن لأمه أو زوج لأسرته إلا وتظهر جريمة جديدة أو شروع في قتل أو مشاجرة عنيفة في الشارع حتى صار التحذير عاما ومتداولا بين الناس في الأردن أن يحاول الكل تجنب أي مشاجرة مهما كان السبب فلا أحد يعلم كيف هي حالة الطرف الآخر، تلك ظاهرة مرعبة تشبه العيش في مجتمع من مخلوقات الزومبي المتوحشة، والسبب انتشار المخدرات السهل والمتاح.
الشفافية هي الضحية الأولى في الأردن، والسلطات الرسمية المعنية بالإعلام لا تقدم الأرقام الحقيقية والصادمة التي تعكس حجم انتشار المخدرات التي وصلت حسب أرقام غير رسمية، ولا يمكن تأكيدها لكن يمكن تلمسها في الواقع إلى أكثر من ربع فئة الشباب في الأردن، يعني ببساطة ٢٥ ٪ من هؤلاء يتعاطون المخدرات خصوصا مادتي الكبتاغون والكريستال وتسميته المحلية "الثلج".
الإعلام الرسمي مشغول بلزوميات ما لا يلزم، والمسؤولون من أعلى مسؤول إعلامي – أيا كان موقعه- حتى أصغر إعلامي رسمي مشتبكون بمعارك يومية لتثبيت حضورهم السياسي أكثر من تفعيل وجودهم الإعلامي، وهي الحالة التي انطبعت في مؤسسات الدولة الأردنية منذ فقدت مؤسسيتها وتحولت إلى منجم لتعدين المكتسبات الشخصية، مما يضع الحقائق حول أخطر إرهاب يواجهه الأردن "والعمق العربي المجاور بالتتابع" في مهب التغافل.
التغافل الإعلامي لا يقتصر على "أقطاب الإعلام" المتسلقين على حبل الوظيفة وحسب، بل يقف خلفه أيضا ذلك الرعب من متنفذين ترد أسماؤهم بالهمس، لهم علاقة بتجارة المخدرات التي تحقق ثروات طائلة، والنفوذ الذي يملكه هؤلاء من خلال ثرواتهم ومواقعهم قادر على شراء الذمم وتحويلها إلى أدوات لخدمة اكبر كارتيل مخدرات موجود في سوريا، تتم إدارته بإشراف أجنحة النظام السوري وبرعاية "سخية" حد البذخ والهدر من طهران.
ولتوضيح البذخ الإيراني "المباشر" في ترويج المخدرات كهدف سياسي لا كمؤسسة ربحية وحسب، فإن مصدرا أمنيا رفيع المستوى في العاصمة الأردنية، أوضح لي -في لقاء سابق- بما يملكونه من وثائق وأدلة أن بعضا من المهربين "المحترفين" من الجنوب السوري إلى الشمال الأردني اعترفوا بتلقيهم أوامر من ضباط "الفرقة الرابعة" في الجيش السوري وبحضور إيرانيين، بأن يرموا البضائع المليونية التي يحملونها في الطريق حال إحساسهم بالخطر.
رمي تلك البضاعة في الطريق مع تعويض المهرب بمثلها، يعني استهداف منهجي لإدخال المخدرات إلى العمق العربي في الجزيرة العربية عبر البوابة الأردنية التي ما زالت حتى اللحظة قادرة "بمشقة" على دفع الضرر الأكبر، ومع ذلك، فالمخدرات تملأ السوق الأردني بسهولة ورخص في السعر أكثر من شراء علبة سجائر عادية.
حبة الكبتاغون في السوق الأردني تساوي عشرة قروش، وعبوة الجوكر التي يمكن تصنيع ثلاثين سيجارة منها تكلف ثلاث دنانير، ومادة الكريستال هي الأغلى سعرا فالغرام الواحد منها يصل إلى مائة دولار، ومع ذلك تم العثور على جيوب توزيع في الأردن تقوم ببيعها بأقل من سعر تكلفتها الحقيقية وهي مادة منتشرة لدى الفئة القادرة على شرائها عموما.
تلك المواد الثلاث تحديدا هي التي تسبب لمتعاطيها من أول مرة ضررا في الدماغ يصل إلى حد الهلوسة الشديدة، وتخيل ما لا يمكن تخيله من أوهام يراها المتعاطي حقيقة.
ولنا ان نتخيل لو نجح الإرهاب الأبيض "الدموي بنتائجه" بالوصول إلى أهدافه بالإنتشار وما سيحققه ذلك من انهيار مجتمعي في دولة تعاني اقتصادا متعبا وبطالة منتشرة وشعورا جمعيا بالاحتقان والغضب.
ولنا أن نتخيل أيضا عبثية الحديث المستمر عن استقطاب "الشباب" إلى الحياة الحزبية في ظل وجود هذا الإرهاب الذي استطاع أن يجندهم في مفاعيل إدمانه السريع والانتشار الأسرع.
المخدرات لم تعد قضية أمنية بوليسية محدودة صلاحيات معالجتها بمراكز الإدمان وجهات تنفيذ القانون المتخصصة، بل هي قضية أمن وطني وإقليمي ما دام هناك إصرار على تصنيعها ونشرها في المنطقة من سوريا وبإشراف "دولة" ورعايات رسمية إيرانية.
لقد وجد النظام السوري ضالته الاقتصادية بإنعاش نفسه وبمعية وشراكة بين الفرقة الرابعة مع مليشيات حزب الله وبرعاية إيرانية مباشرة في مجال التكنولوجيا والدعم اللوجستي التقني، من خلال تعظيم صناعة المخدرات على الأراضي السورية، وذلك بدءا من عام 2013، حيث بدأت خطة تصدير المخدرات إلى ثلاث جهات مستهدفة: الجزيرة العربية، شمال أفريقيا، وسواحل أوروبا.
وحسب دراسة أعدتها وحدة الدراسات والأبحاث في مركز الحوار السوري، فإنه يُقدر حجم اقتصاد المخدرات السوري – خاصة قيمة تجارة حبوب الكبتاجون – في البلاد بما يقارب 16 مليار دولار أميركي سنوياً، وهو ما يعادل 3 أضعاف ميزانية الحكومة السورية لعام 2022، وحسب ذات الدراسة فإن مجمل ما صادرته السلطات في أوروبا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بصورة رئيسة كان بمجموعه لا يقل عن 173 مليون حبة كبتاجون (34.6 طن) و12.1طن من الحشيش المصدرة من سوريا في عام 2020، مقدراً القيمة السوقية لهذه الكمية المصادرة من حبوب الكبتاجون بما يقارب 3.46 مليار دولار أميركي.
الكثير يمكن قوله عن ذلك الإرهاب الأبيض الذي يهدد فعلا في تقويض البنية المجتمعية عبر تغييب الوعي والعقل ونشر الجريمة والعنف المجتمعي، والموضوع بات اليوم سياسيا بامتياز ولم يعد مجرد تقرير صحفي عابر في الصفحات الداخلية للصحف، وهي الصفحات الأجدر بالقراءة من عبث مانشيتات الصفحة الأولى الخاضع لمزاج الرقيب السياسي.
هناك خط حدودي سيادي على طول خط الشمال الأردني وجزء من خطه الشرقي، مستهدف من قبل أكبر كارتيل مخدرات في العالم "أكبر من الموجود في كولومبيا نفسه" وغاياته ليست ربحية بل هو منظمة إجرامية غير ربحية برعايات رسمية وعسكرية ودعم تقني يتم تمويله ببذخ والهدف هو تقويض المجتمعات المستهدفة وتدميرها، وكل المطلوب اليوم هو تفعيل القرار السياسي الحازم وعلى أعلى مستوى برفع أغطية الحماية عن أصحاب النفوذ وسحب النفوذ نفسه منهم، ثم التصدي بقوة وذكاء معرفي ومنهجية علمية لكل هذا الإرهاب الأبيض، وهو ما يتطلب تسخير الطاقات والأموال من دول "الطوق" المستهدفة وتوظيفها في تلك الحرب على ذلك "الإرهاب الأبيض".

