أربعة أسابيع والتظاهرات في إيران مستمرة
أربعة أسابيع والتظاهرات في إيران مستمرة

أربعة أسابيع والتظاهرات في إيران مستمرة. لا كلام المرشد الأعلى علي خامنئي ولا قمع الباسيج يخيف آلاف الإيرانيين من تحدي النظام من طهران إلى مشهد إلى شيراز وكرج.

هذه التظاهرات تغير الكثير من المعادلات والمقاربات الداخلية والخارجية مع إيران على رأسها حسابات الاتفاق النووي ومصير مفاوضات فيينا.

المفاوضات وحتى قبل التظاهرات كانت مجمدة ويعرقلها رفض طهران لشروط الوكالة الدولية وتدقيقها بالمنشآت الإيرانية الحساسة.

الخلل أيضا كان بطلب إيران ضمانات أميركية أن الاتفاق لن يخرج منه الرئيس المقبل وما يعتبر مطلبا شبه تعجيزي إذ ليس بإمكانية أي رئيس ضبط اتفاق دولي من دون تصويت الكونغرس وجعله معاهدة.

إنما هذه المعطيات شيء والتظاهرات والجو العام في إيران شيء آخر. اليوم التظاهرات تعيق أي عودة للاتفاق النووي ولهذه الأسباب الثلاث:

أولا: النظام ليس بموقع التنازل، فالخضة الداخلية تلزم الحرس الثوري والمرشد الأعلى بإعطاء صورة القوة للخارج وهذا يعني رفض منح الغرب تنازلات جديدة في الملف النووي. 

ثانيا: التظاهرات تحشر الغرب لعدم التنازل لإيران في هذا الوقت، لأن أي اتفاق سيتضمن تنازلات ترفع العقوبات عن شخصيات هي نفسها من يقمع الإيرانيين ويقتل شباب وشابات جريمتهم الوحيدة أنهم تظاهروا ضد النظام. 

ثالثا: هناك اليوم عقوبات جديدة تفرض من الغرب والولايات المتحدة تحديدا ضد الحرس الثوري وقوة الأمن وشرطة القمع، وهذا يزيد من حالة شد الحبال بين النظام وهؤلاء ويقلل من فرص الاتفاق.

مصادر أوروبية وأميركية وعربية كلها تتفق اليوم بأن الاتفاق مجمد وبعيد المنال وغير متوقع قبل نهاية العام. وهذه الدول تبحث اليوم عن بدائل للتعاطي مع الإشكالية الإيرانية ليس فقط في البرنامج النووي بل أيضا الصواريخ الباليستية والتهديد الإقليمي.

اليوم، إدارة بايدن تدرس جديا احتمالات العودة إلى سياسات جورج بوش الابن وحين كانت المفاوضات مجمدة مع إيران والتخصيب مستمر. عندها استخدمت واشنطن عصا العقوبات الأميركية والدولية والضغوط الإقليمية لإعادة طهران إلى الطاولة. 

التظاهرات في إيران قد تحشر طهران في المنطقة أيضا، فها هي واشنطن تتحرك بمجال أوسع في سورية وبضربات في العمق السوري الخاضع لسيطرة النظام تستهدف داعش. هكذا ضربات توقفت لأعوام بسبب الوجود الإيراني والروسي، انما هاتين القوتين ملهيتان اليوم بهموم الداخل وحرب أوكرانيا فيما أميركا واسرائيل تسرحان وتمرحان في الأجواء السورية. 

لا أحد يعرف أو قادر على التكهن بما ستحمله التظاهرات لإيران أو بمصير النظام. إنما ما هو واضح أن الصورة تغيرت فيما يخص بالمفاوضات النووية والرقصة الإيرانية مع الغرب. أميركا حولت أنظارها الى فنزويلا بحثا عن النفط، وطهران أمامها أولوية منع أي انشقاقات داخل النظام قبل أي اتفاق نووي.

هناك أيضا عامل الكونغرس واستعصاء موافقة النواب والشيوخ على أي اتفاق في ظل هذه الظروف. وهنا جوزيف بايدن ليس باراك أوباما ولا يبحث عن إنجاز خارجي مع إيران، فإنجازه الأكبر هو أوكرانيا وإضعاف الدب الروسي ثم إنهاء كابوس أفغانستان ثم إصلاح العلاقة مع الأوروبيين. كل ما تبقى في الشرق الأوسط هو ثانوي لهذه الإدارة.

المراجعة الأوروبية-الأميركية بدأت اليوم لخيارات الطرفين من دون اتفاق مع إيران وعلى وقع التظاهرات والقيود التي تكبل فرصه. طهران قد تكون أضاعت فرصة ثمينة بعدم العودة لنص ٢٠١٥ في بداية العام والرهان على الوقت الذي ليس بالضرورة هو لصالحها اليوم. 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.