لبنان لن يقطف قبل سبع سنوات من انطلاق أعمال التنقيب ثمار "الفورة الغازيّة"
لبنان لن يقطف قبل سبع سنوات من انطلاق أعمال التنقيب ثمار "الفورة الغازيّة"

في وقت تُشكّك فيه شرائح واسعة من اللبنانيين بنتائجه الايجابيّة على وقائعها المالية والاقتصادية الكارثيّة، وبعدما أثبت تواصل انهيار قيمة الليرة اللبنانية عدم "انبهار" الأسواق بإنجازه، على الرغم من وعوده بتوفير ثروة "غازيّة" لوطن يفتقد كليًّا إلى المواد الأوّليّة وإلى مصادر العملات الصعبة، انكبّ "حزب الله" على التعاطي مع ظهور مشروع الاتفاق مع إسرائيل على ترسيم الحدود البحريّة الجنوبيّة- قبل بدء "شيطان التفاصيل" في زجّ أنفه- كما لو كان انتصارًا "وشيكًا" لآلته العسكريّة التي يبذل كلّ جهده لـ"تأبيدها".

وبفعل الدور المؤثّر لـ"حزب الله" في الانتخابات الرئاسيّة التي تشغل اللبنانيين مع بدء العدّ العكسي لحلول الحادي والثلاثين من أكتوبر الجاري، تاريخ انتهاء ولاية الرئيس الحالي ميشال عون، "يبيع" سياسيون كثر، بمن فيهم هؤلاء الذين على خصومة معه، "حزب الله" هذه الورقة.

ولا تبتعد المعارضة الاسرائيلية، ولا سيّما منها تلك التي يقودها بنيامين نتانياهو، وبهاجس الكسب في الانتخابات التشريعية الوشيكة، عن نسب "تنازل" الحكومة الاسرائيلية عن "الحقوق"، إلى "الخوف" من تهديدات "حزب الله" العسكريّة.

ولكنّ محاولة فرض هذه السرديّة السياسيّة لما انتهى اليه ترسيم الحدود البحريّة مع إسرائيل، يتجاوز، ومن أجل تحقيق أهداف "خاصة جدًا"، جملة حقائق من شأنها أن تفضح الوتر الدعائي الذي يعزف "حزب الله" عليه.

لتكن بداية عرض هذه الحقائق مع "صانع" هذا "الحدث" الذي انتقل، بين ليلة وضحاها من "ناجز" الى "مرجأ": الوسيط الأميركي آموس هوكستين.

منذ بدأ هذا المسؤول الاميركي بذل جهوده للتوصّل إلى اتفاق بحري، بأفق نفطيّة، بين لبنان وإسرائيل، تعاطى "حزب الله" معه على أساس أنّه منحاز كليًّا لإسرائيل وجزء من أدوات ما يسمّيه "حصارًا أميركيًّا على لبنان"، وأسهب هذا الحزب في التهجّم، بكل ما يملك من وسائل دعائية، على الوسيط الأميركي.

وعلى الرغم من أنّ كبار المسؤولين اللبنانيّين الذين "ينصاعون" لإرادة "حزب الله"، هم من طلبوا من هوكستين إحياء وساطته، بعدما جمّدها، في ضوء المفاجأة "العجيبة" التي فجّرها الوفد اللبناني على طاولة المفاوضات مع إسرائيل، عندما طالب، "خلافًا لكل الوثائق المعتمدة"، بالخط 29 الذي يقع في نطاقه حقل "كاريش" الغازي.

وكان استدعاء لبنان لوساطة هوكستين، يعني قبولًا ضمنيًا بالإطار الذي كان قد حدّده في عرض سبق أن سلّمه الى المسؤولين اللبنانيين، قبل تجميد مساعيه.

وهذا الاستدعاء بما حمله من معاني التوافق اللبناني على التخلّي النهائي عن مطلب الحصول على الخط 29، كان يُنبئ بأنّ باب "التفاوض" مع إسرائيل بات مفتوحًا على مصراعيه.

وهنا، دخل "حزب الله" على الخط، فهاجم الوسيط الأميركي ونزاهته ودوره في وقت حرّك فيه، وبشكل "مضبوط للغاية" أداته العسكريّة التي تمثّلت بعدد من المسيّرات التي رفدها بأكبر حملة دعائية عن استعداده لخوض "حرب ضروس" من أجل حقوق لبنان.

وقد أثار هذا السلوك استياء بعض المسؤولين اللبنانيّين، إذ اعتبروه لزوم ما لا يلزم، من جهة ومسببًا لإطالة أمد الوساطة الأميركية، من جهة أخرى.

غضب "حزب الله" على المسؤولين المستائين منه، فاعتصموا بالصمت فيما اندفعت مرجعياتهم إلى إصلاح الضرر بدخولها على خط رفد دعاية "حزب الله" بما تحتاجه من زخم هنا وتغطية وطنية هناك.

وعندما توصّل "المنحاز" و"المحاصِر" أموس هوكستين إلى النتيجة التي انتهى إليها، رفع "حزب الله" رايات الانتصار وزيّن بها آلته العسكريّة.

في الواقع، وبمراجعة جميع من سبق أن عملوا على خط ترسيم حدود لبنان البحريّة مع قبرص وسوريا وإسرائيل، يظهر أنّ الخوف من مفاعيل هذه الآلة العسكريّة الداخليّة هو الذي كان قد تسبّب بتعطيل كل المساعي التي بذلت تحقيقًا لهذا الهدف، منذ العام 2009، الأمر الذي منع لبنان من أن يكون جاهزًا لرفد اقتصاده المنهار وماليته المفلسة ومعامل كهربائه المطفأة، بثروة حيويّة، في هذه المرحلة التي أصبحت فيها مادة الغاز أغلى من الذهب.

وهذا يعني أنّ لبنان، على الرغم من حاجته الى ترسيم حدوده البحريّة، لن يقطف، قبل سبع سنوات من انطلاق أعمال التنقيب، وفي حال العثور على الكميات الاستثمارية اللازمة، ثمار "الفورة الغازيّة"، وتاليًا فإنّ لا ماليته المفلسة ولا اقتصاده المنهار سوف يتأثّران إيجابًا بـ"الانتصار"، لأنّ الأسواق تترقّب أن تبدأ الحاجة إلى الغاز بالانخفاض تدريجيًا بدءًا من العام 2024، لأسباب جيو سياسية وتكنولوجية.

وهذا يفيد بأنّ سلاح "حزب الله" هو الذي فوّت على لبنان فرصة الاستفادة من موارده الطبيعيّة الافتراضيّة، بالدرجة نفسها التي كان فيها السبب المباشر في إفساد علاقاته بدول طالما كانت بمثابة "بطاقة تأمين" لاقتصاده وماليته وعملته.

وفي حال صحّت الدعاية التي يعتمدها "حزب الله"، فهذا يضع في الواجهة ملف استعادة لبنان لمزارع شبعا والجزء اللبناني المحتل من بلدة الغجر.

عمليًا، لم تستطع آلة "حزب الله" العسكريّة استعادة شبر واحد من هذه الأراضي، فهل هذا يعني أنّ "حزب الله"، طالما أنّه قادر على فرض إرادته، لا يريد تحريرها؟

وإذا كان يريد تحريرها، فلماذا تنتصر تهديداته في البحر وتفشل في البر؟

إنّ المصير الذي تستقر عليه مزارع شبعا والجزء اللبناني من بلدة الغجر، منذ العام 2000، تاريخ الانسحاب الإسرائيلي من لبنان، بموجب القرار 425 الصادر عن مجلس الأمن الدولي، يثبت أنّ ما آل إليه ترسيم الحدود البحرية الجنوبية لا علاقة له بسلاح "حزب الله"، بل هو يأتي في إطار إعادة النظر في مصير منطقة أصبحت غنيّة بالمواد الأوّلية وصناعة التكنولوجيا الحديثة والمختبرات المتطوّرة للأدوية، وليس أدلّ على ذلك من أنّ ما كان مستحيلًا إدخاله سابقًا من تعديلات على مهام القوات الدولية المؤقتة العاملة في جنوب لبنان (يونيفيل)، أصبح ممكنًا قبل أسابيع قليلة، على الرغم من أنّ "حزب الله" صاحب "ترسانة الانتصار العسكريّة، المستهدف الوحيد بهذا التعديل الذي قرّره مجلس الأمن، كان قد واجهه وحاربه ورفضه.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.