جمجة ناندرتال في معرض بباريس. إرشيفية.
جمجة ناندرتال في معرض بباريس. إرشيفية.

وسط كل هذه الأجواء من العدوانية والفوضى والخراب التي يعيشها معظم العالم، ويتحمل الإنسان مسؤوليتها، مازالت رياح الغرب المنعشة تحمل لنا من حين إلى آخر بشائر التقدم والإعجازات العلمية، التي يُسَخِّر قلة من المخلصين حياتهم لأجلها ويتفانون في خدمتها، ويفاجئون البشرية بخروقاتهم المدهشة في مجالات حيوية، تمنح جرعات منعشة من الأمل في مستقبل مغاير وأفضل. 

آخر هؤلاء المبدعين ممن يستحق بجدارة تحية تقدير كونية لسيرته المهنية ومنجزه، العالم السويدي سفانتي بابو، الحائز قبل أيام على جائزة نوبل في "علم وظائف الأعضاء أو الطب" لأبحاثه في مجال التطور البشري. إذ إنه، وبحسب لجنة جائزة نوبل، حقق" المهمة التي كانت تبدو مستحيلة وتتمثل في فك الشفرة الجينية لأحد أقاربنا البشريين المفترضين، إنسان نياندرتال أو الإنسان البدائي". 

لايتوقف إنجاز البروفيسور بابو عند الكشف عن" الاختلافات الجينية التي تميز جميع البشر الأحياء عن أشباه البشر المنقرض، واستكشاف تطور تاريخنا وكيف انتشر البشر في جميع أنحاء الكوكب" فقط. بل بوصفه مؤسساً لعلم الأحياء القديمة، وهو حقل علمي جديد تماماً يرسخ موقعه لفهم أكبر للبشرية، يتساوى في نوعيته وأهميته مع فتوحات علمية سابقة شكلت ثورات في مجالاتها، مثل نظريات أينشتاين، والحمض النووي(DNA)، واكتشافات الكون المذهلة الأخيرة عبر تلسكوب جيمس ويب.   

أبرز مايمكن تأمله فيما تناولته أبحاث علم الوراثة للعالم السويدي بابو، يتعلق "ببعض الأسئلة الأساسية مثل من أين أتينا، والذي سمح لنا نحن البشر بالاستمرار في الوجود، بينما انقرض أقاربنا البشريون الآخرون". وهي أسئلة وجودية لايكف الإنسان عن التفكير بها، تصاعدت وتيرتها في السنوات الأخيرة مع تفاقم مصاعب العيش وانتشار الأوبئة والتغير المناخي والرعب الأكبر من احتماليات الفناء(بكبسة زر)جراء التهديد النووي المستمر لبعض الدول المارقة.  

وهي تحديات حقيقية أصابت الجنس البشري بقلق دائم وعظيم، لايتوقف عند التساؤل الجوهري الذي عثر العالم السويدي على إجابته حول أصولنا ومن أين أتينا فقط، بل بالبحث عن جواب شافي عما إذا كنا قادرين حقاً على الاستمرار في ظل هذه المعطيات القاسية التي يمر بها التاريخ البشري، وماهو شكل هذا الاستمرار وأين يتوقف، إذ إن جدنا البدائي المعروف باسم إنسان نياندرتال نسبة إلى (وادي نياندر شرقي مدينة دوسلدورف الألمانية)، وهو أحد أنواع جنس Homo الذي استوطن أوروبا وأجزاء من غرب آسيا وآسيا الوسطى قبل مئات الآلاف من السنين. انقرض قبل نحو 25 ألف سنة لمجموعة من الأسباب التي رجح العلماء أحدها أو جميعها معا. وهي الجوع أو الأوبئة أو نقص المناعة أو العصر الجليدي، أضف إلى سبب ملفت للغاية، وهو أن أعين البدائيين كانت أكبر حجما من أعين الإنسان من فصيلتنا البشرية!

العيون الكبيرة التي تعتبر أحد أبرز مقاييس الجمال في عصرنا وتكتب لأجلها قصائد الغزل، كانت سببا في انقراض أجدادنا البدائيين، وذلك بحسب دراسة نشرت سنة 2013 في دورية "وقائع الجمعية الملكية البريطانية". والتي فسرت الأمر بأن الجزء الأكبر من أدمغة البدائيين كان مخصصا للمساعدة على الرؤية في الليالي الأكثر ظلمة وطولا في أوروبا، وذلك على حساب عمليات عقلية أخرى ذات أهمية كبيرة، ولم تتطور لديهم الفصوص الأمامية في الدماغ المرتبطة بمستويات أعلى من التفكير. 

وها هي ذي البشرية اليوم، في قرنها الواحد والعشرين، قرن الإعجازات العلمية والتطور، يعيش العديد من أفرادها في بعض الدول التعيسة، حياة بدائية مشابهة لحياة جدهم السيد نياندرتال، تمهد أسبابها لنتائج مشابهة للانقراض. يلهث أبناؤها خلف لقمة العيش ومحاربة وحش الجوع، الذي يتسبب بنقص متوارث في المناعة وانتشار الأوبئة والأمراض الفتاكة، ويقاسون من الاحتباس الحراري وقسوة الصيف والشتاء.  

وتتسلل الظلمة الدائمة جراء انقطاع الكهرباء أو انعدامها في بعض المناطق، أو الاستعاضة عنها بإضاءة "الليدات" المرهقة للبصر، إلى حدقات العيون وتوسعّها بخبث شيئاً فشيئاً وجيلاً بعد جيل، وتعطل العمليات العقلية ذات الأهمية الأكبر، وتعطل رغباتهم وحيواتهم، لإبقائهم أسرى لاحتياجاتهم المعيشية اليومية، كي لايخرج من بينهم مفكر أو عالم يغير من أقدراهم، ويساهم في دفعهم نحو مصاف الدول المتقدمة كتلك التي تعنى بالبحث العلمي أو فك الشيفرة الجينية، فيما هم، أحفاد نياندرتال ما زالوا يعنون بالبحث عن رغيف، وفك شيفرات قرارات حكوماتهم التي تتدّعي الازدهار الواهي.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.