ضرب جسر القرم ضربة نفسية أكثر منها عسكرية
ضرب جسر القرم ضربة نفسية أكثر منها عسكرية

التفجير المثير الذي قامت به عناصر أوكرانية لجسر كيرتش الاستراتيجي الذي يربط روسيا بشبه جزيرة القرم هو ضربة سياسية ورمزية ونفسية وإلى حد أقل عسكرية لروسيا، وإهانة شخصية للرئيس فلاديمير بوتين الذي افتتح الجسر في 2018 في خطوة أراد منها ان يقول لروسيا ولأوكرانيا وللعالم أن شبه جزيرة القرم التي احتلها وضمها في 2014 قد عادت إلى حضن روسيا الأم إلى الأبد.

جاء التفجير بعد سلسلة من النكسات التكتيكية الهامة التي منيت بها القوات الروسية في محيط مدينة خاركيف في شمال شرق أوكرانيا، وفي محيط مدينة خيرسون التي لا تزال تحت الاحتلال الروسي في الجنوب، وبعد اضطرار بوتين إلى الإعلان عن تعبئة 300 الف جندي للقتال في أوكرانيا، ليكشف بشكل محرج للغاية ان أوكرانيا لا تقاوم لاسترجاع الأراضي التي احتلتها روسيا  فقط منذ بداية غزوها في فبراير- شباط الماضي، بل استعادة شبه جزيرة القرم أيضا. التفجير المذهل، الذي أرسل جزءا من الجسر الى قعر البحر الاسود، وعطل سكة الحديد الموازية للطريق، كشف من جملة ما كشفه الحالة المزرية للحرب التي تخوضها روسيا في أوكرانيا والاحتمالات الضئيلة بانتهائها في أي وقت قريب، والمستقبل القاتم للطرفين المتحاربين، اذا استمر بوتين على طريقه العسكري العبثي. وأخيرا مثّل  توقيت التفجير صفعة مهينة للرئيس بوتين في عيد ميلاده السبعين. 

رد الفعل الروسي الأولي على تفجير جسر كيرتش، أي القصف الصاروخي لمجمع شقق مدنية في مدينة زابوريجيا يظهر بشكل سافر عجز روسيا عن شنّ أي هجوم عسكري فّعال ضد القوات الأوكرانية التي تمسك المبادرة العسكرية على مختلف الجبهات. قصف المراكز المدنية لم يكن مفاجئا، لأنه يعكس اسلوب القائد الجديد للقوات الروسية في أوكرانيا الجنرال سيرغي سوروفيكين، الذي اكتسب هذه "الخبرات" الميدانية خلال اشرافه على قصف وقتل المدنيين السوريين عندما كان قائدا للقوات الروسية في سوريا.      

 خلال الأسابيع الماضية أثبتت القوات الأوكرانية قدرتها على شنّ الهجمات العسكرية المنسقة من خاركيف في الشمال الى منطقة دونباس في الشرق الى خيرسون ، وأخيرا جسر كيرتش في الجنوب. خلال هذه الفترة اكتشف المجتمع الروسي، من خلال قرار بوتين فرض التعبئة العامة التي بدأت بشكل فوضوي للغاية، ان الحرب سوف تدخل إلى كل بيت روسي، ولم تعد محصورة ببيوت الأقليات والشرائح الفقيرة فقط. وخلال هذه الفترة التي انتهت بتفجير جسر كيرتش الذي يمكن وصفه بانه يرمز الى الامبريالية الروسية التي يريد بوتين إحياؤها، اكتشفت الطبقة أو النخبة الحاكمة في موسكو ربما للمرة الأولى أنها يمكن أن تخسر حربها ضد أوكرانيا، ومن هنا مطالباتها وصرخاتها المدوّية بضرورة معاقبة أوكرانيا بأبشع الوسائل بما في ذلك التلويح باستخدام اسلحة الدمار الشامل بما في ذلك الاسلحة النووية.  

خلال الاسابيع  والايام الماضية برزت الى العلن شروخ في الطبقة الحاكمة طرحت اسئلة حول وحدة القوات المسلحة في البلاد وحتى المستقبل السياسي للرئيس بوتين. وللمرة الاولى نرى قادة تنظيمات عسكرية مثل  يفغيني بريغوزين قائد تنظيم او ميليشيا فاغنر الذي نشر مرتزقته في سوريا وليبيا، ورمضان قاديروف الذي يقود قوات شيشانية خاصة يطالبون علنا ليس فقط  بإقصاء قادة عسكريين بارزين بسبب ادائهم السيء في أوكرانيا، بل بقتلهم او بمطالبتهم بالانتحار. مثل هذا الكلام العلني عن تصفية الحسابات بالعنف، يمكن ان يؤدي الى اعمال عنف في المستقبل اذا استمر مسلسل النكسات الروسية المهينة في أوكرانيا.   

تاريخيا، اعتمدت روسيا على فضل الشتاء للقضاء على القادة الأوروبيين الذين قرروا تحقيق طموحاتهم الإمبريالية عبر الزحف شرقا لاحتلال روسيا، مثل نابوليون بونابارت وأدولف هتلر. فصل الشتاء هذه المرة من المرجح أن يعمل لصالح أوكرانيا، لأن إخفاقات روسيا في الاشهر الماضية كانت في معظمها لوجستية. ينسب إلى الجنرال دوايت ايزنهاور القائد العام لقوات الحلفاء في أوروبا في الحرب العالمية الثانية قوله "ليس من الصعب اثبات ان المعارك والحملات وحتى الحروب قد تحقق فيها الانتصار أو الهزيمة بالدرجة الاولى بسبب القدرات اللوجستية".  ومع دخول الغزو شهره الثامن لا تزال روسيا تعاني من مشاكل لوجستية هامة تظهر في إخفاقها في تزويد قواتها بالعتاد والسلاح والمؤن والوقود بشكل فعّال وسريع، على الرغم من ان القتال يجري في دولة مجاورة، وليس في دولة بعيدة مئات او آلاف الاميال عن روسيا.  

وأي مقارنة سريعة بين أداء القوات الاوكرانية والروسية يبين بشكل واضح ان القوات الأوكرانية متقدمة قياديا ولوجستيا على القوات الروسية وان عناصرها وقادتها يتلقون تدريبا أفضل من القوات الروسية ومعنوياتهم أعلى بكثير من معنويات المجندين الروس. وكان من اللافت ان الاستخدام الأوكراني الفعال لنظام الراجمات الصاروخية الاميركية الصنع المعروف باسم HIMARS  والمحمول على عربات سريعة والقادر على قصف مراكز عسكرية ولوجستية على بعد خمسين ميل قد الحق بالقوات الروسية خسائر فادحة بشرية ومادية.  

المعارضة القوية للتجنيد الالزامي في روسيا، والسرعة التي يتم فيها زج المجندين الجدد في المعركة يعني ان اداء الجيش الروسي ومعنوياته في الشتاء سوف تكون متدنية. المجندون الجدد يفتقرون الى البزات العسكرية الشتوية والى الاسلحة الجديدة، خاصة وان القوات الروسية التي انسحبت من المناطق التي حررتها القوات الاوكرانية في الاسابيع الماضية خلّفت ورائها مئات الدبابات والعربات المسلحة وغيرها من العتاد العسكري الذي غنمته القوات الأوكرانية وسارعت الى استخدامه ضد اصحابه السابقين. 

هذه الصورة القاتمة للقوات الروسية وقدراتها المحدودة هي التي تفسر قلق قادة الولايات المتحدة ودول حلف الناتو من تهديدات بوتين النووية. استمرار النكسات الروسية في اشهر الشتاء المقبلة، سوف يضع مستقبل الرئيس بوتين السياسي في منطقة الخطر. الاعتراف بالهزيمة العسكرية يعني نهاية بوتين سياسيا، وهذا يعني ان الرئيس الروسي المحاصر قد يفكر بالمجازفة باستخدام اسلحة الدمار الشامل، ربما الاسلحة الكيماوية كتصعيد أولي قبل الانتقال الى السلاح النووي، لضمان بقائه في السلطة. 

بوتين المعزول عن الغرب وحتى عن جيرانه وحلفائه السابقين في الشرق مثل الصين والهند الدولتين الهامتين اللتين خلقتا مؤخرا مسافة جديدة بينهما وبين بوتين ،سوف يجد نفسه في مأزق وجودي وهو المعروف أصلا بانه يعاني من البارانويا (مشاعر الاضطهاد والارتياب تجاه الغرب) لان الخروج من ورطة الحرب في اوكرانيا من وجهة نظره قد لا يكون ممكنا دون تصعيد جنوني.  

عندما هوى جسر كيرتش في الأسبوع الماضي، هوت معه طموحات بوتين الإمبريالية. في الأسابيع والاشهر المقبلة سوف يراقب العالم بقلق عميق كيف سيتعامل بوتين والطبقة السياسية التي جلبها معه واعتمد عليها منذ 22 سنة مع هذه الحقيقة المّرة.  

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!