البعض تصور إن الحرب العالمية الثانية ستكون آخر الحروب الكبرى
البعض تصور إن الحرب العالمية الثانية ستكون آخر الحروب الكبرى

يقول الفيلسوف الألماني هيجل: "الدرس الوحيد الذي نتعلّمه من التاريخ، هو أن أحدا لم يتعلم من التاريخ". ويبدو أن الحرب هي أكثر دروس التاريخ قسوة، وأجدرها أن تبقى على سطح الذاكرة دوما؛ بما تُخَلِّفه من جروح داميةٍ في أعماق الروح والعقل، جروحٍ نازفةٍ مُتَقرِّحةٍ تبقى مفتوحة على آلامها اللاّمحدودة؛ حتى بعد التئام جروح الجسد. ولكن، رغم قسوة هذه الدروس، فإن أثرها الفاعل لا يدوم أكثر من بضع سنوات، ثم تتكفّل الذاكرة السمكية للإنسان بالنسيان.  

يقول رونالد سترومبرج عن حال الأوروبيين بعد معاناتهم لويلات الحرب العالمية الأولى: "وعلى الرغم من اختلاف المشارب والأمزجة والأهواء، فلقد أجمع المفكرون والسياسيون اليساريون ورجال الدين في الثلاثينيات على مناهضة الحرب، ورفعوا شعارا يقول: لا حرب بعد الآن. فالحرب وأهوالها استأثرت بمواضيع الأدباء والكتاب"؛ مع أنه قال قبل  ذلك ـ واصفا الحال بداية الحرب ـ: "وأما معظم المثقفين فاندفع اندفاعا مذهلا وراء عربة الحرب، وتطوّع في صفوف الجيوش وخاض معاركها ونظم القصائد في تمجيدها ومارس جميع طقوسها باندفاع المؤمن وتزمّت المترهب. أما الذين لم تتح لهم فرصة الاشتراك فعليا في الحرب، فإنهم وضعوا مواهبهم في خدمة أجهزة الدعاية للحرب"(تاريخ الفكر الأوروبي الحديث، ت: أحمد الشيباني، ص599وص554). 

وقديما قال الشاعر العربي/ عمرو بن معد يكرب (وتُنْسَب لغيره) عن مآلات الحروب المترعة بالآلام، بعد بداياتها الواعدة المُبهجة المُنْتشية بوهم بطولات  الصراع: 

الحرب أول  ما تكون  فتيّةً    *    تسعى بزينتها لِكلّ جَهولِ 

حتى إذا اسْتَعرت وشبَّ ضرامها  * عادت عجوزا غير ذات خليلِ 

شمطاء جزّت رأسها وتنكّرت  *  مكروهة  لِلشَمّ  والتقبيل 

وقد ورد في الآثار النبوية الإسلامية: "لا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ، وسَلُوا اللَّهَ العَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا". أي أن الحرب ليست خيارا أوليّا، ليست مطمحا لتحقيق البطولات الحقيقية أو الوهمية، ليست غاية بذاتها، بل يجب تجنّبها قدرَ المستطاع، ولكن ـ في الوقت نفسه ـ يجب الصمود فيها ـ دفاعا عن السلام ـ عندما تُفرض، وعندما لا يكون معها خيار آخر إلا خيار الاستسلام لدهاقنة العنف والإجرام وأعداء السلام؛ من المتاجرين بالحروب، أولئك الذين يخوضون الحروب لأجل الحروب، أي يجدون معنى ذواتهم في الحروب؛ إما لكونهم مُبَرمَجين سيكولوجيا على العنف وما تفرّع عنه، وإما لكونهم يجدون في افتعال الحروب وما يتبعها من ادعاءات البطولة والانجازات الوهمية، مجالا للهروب من استحقاقات الإنجاز الحضاري الذي بات هو المشروعية الأولى للحكومات أمام شعوبها، وتحديا: الإنجاز الذي يُضِيف إلى رصيد الإنسان في الإنسان. فهذا هو الإنجاز الشَّرْعي في ذاته، وهو ـ في الآن نفسه ـ المُشَرْعِن لفاعله، وليست تلك الحروب العدوانية التي تسحب من هذا الرصيد بلا حساب، إذ في مثل هذه الحروب المجانية/ العبثية يُصْبِح الإنسان مجرد أداة استعمال، يُصْبِح الإنسان مجردا من كل اعتبار يتجاوز طبيعة وجوده المادي الخالص.   

ضد الحرب، ومع السلام. الخيار هنا واضح، وهو خيار إيجابي؛ واقعيا وأخلاقيا. ولا خلاف عليه ـ مِنْ قِبَل الأسوياء إنسانيا ـ في مثل هذه الحال. ولكن الخيارات لا تكون على هذا النحو من الوضوح ومن التمكين. الخيارات قد تكون مُلْتَبِسة، قد تكون مُتَشَابِكة، قد يكون بعضها ـ وخاصة الأوضح والأمثل ـ ليس مُتاحا. فمثلا، ماذا عن السلام لو كان هذا السلام سيتحوّل إلى استسلام يفتح الطريق لكبار تُجّار الحروب، ولأكثر دعاة العنف قسوة، ولأشد أعداء الإنسان كفرا بالإنسان؛ كي يمارسوا عدوانهم بلا رادع ! ماذا لو كانت الحرب التي تتغيّا السلام، لو كان العنف الذي يُرَاد منه صدَّ العنف؛ بمثابة إطلاق رجل البوليس النارَ على قائد العصابة المافيوي الذي ارتكب كثيرا من الجرائم، وكان ـ ـ لو تُرِك حَيَّا/ طليقا ـ  سيرتكب أضعافها في مستقبل الأيام ! 

بلا شك، كثيرون سيؤيدون إطلاق رجل البوليس الرصاصةَ القاتلة؛ حتى لا يَرتكب زعيم العصابة مزيدا من الجرائم؛ وحتى لا يتضخّم دوره ودور عصابته فيكون ـ بحكم الأمر الواقع: ارتفاع مستوى ـ أقوى من البوليس، وبالتالي، أكثر تهديدا للأرواح والممتلكات من واقعهِ يومَ أرْدته الرصاصة قتيلا.  

مؤكد أن هذا هو رأي الأكثرية التي تُعَاين الطبيعة البشرية بصورة أكثر واقعية؛ كما تُعاين ـ بألْمَعِيةٍ مُتَنبِّئة ـ طبائعَ مُمْتَهِني العنف ومُهَندسِي عالم الجريمة؛ لتتوقّع ـ على سبيل اليقين ـ اتساعَ نطاق الجريمة؛ عندما لا يردعها رادع القوة المضادة؛ خاصة وأنه لم ـ ولن ـ يردعها المبدأ الأخلاقي/ الإنساني بحال.  

هذا حال الأكثرية العاقلة المُتَأنْسِنة. ولكن مقابل هذه الأكثرية هناك أقليّة ترى أن "الرصاصة البوليسية الشرعية" التي أردت رجلَ العصابة قتيلا، لن تُوْقِف عجلة العنف الذي بدأه رجل العصابة، بل على العكس؛ ستكون هذه الرصاصةُ شرارةَ عُنْفٍ مفتوح لا يمكن توقّع مآلاته إلا بما هو أسوأ من المتوقع دائما. هذه الأقلية المُتردِّدة المُتَوجِّسة ترى أن مُهَادنة رجل العصابة، وتقديم التنازلات تلو التنازلات له، ومحاولة احتوائه بكثير من العطايا، وكثير من التواصل، وكثير من المديح والاحترام، هو الحل الأمثل مع رجل عنف بالأصالة، وأن كل هذه الخسائر المبذولة كُرْها في الصراع معه، كل هذا الاستسلام المجاني، سيكون أسهل سبيلا، وأقل تكلفة من تكلفة الحرب المتوقعة، الحرب المفتوحة ـ مع مثله من مُعْتَنِقي عقيدة العنف بإيمان عميق ـ على المجهول.  

عندما بدأ الزعيم النازي هتلر مشروعه العدواني، كان يُرَاهن على خوف الديمقراطيات الغربية من الحرب، كان يرى أنها ديمقراطيات مهلهلة، رخوة، وبالتالي؛ ضعيفة جدا عن اتخاذ قرارات كبرى بحجم قرار إعلان الحرب على ألمانيا، خاصة بعد ويلات الحرب العالمية الأولى التي لم يكن قد مضى عليها أكثر من عشرين عاما، وكانت مآسيها الإنسانية (التي كادت أن تُفْقد الإنسان الغربي عقله/ ثقته بالعقل الإنساني، بل وبالإنسان ذاته) ماثلة في الأذهان؛ إلى درجة أن كثيرين خرجوا منها وهو يُؤكِّدون أنها/ الحرب العالمية الأولى ستكون آخر الحروب.   

لم يكن رِهَان هتلر على وَهْم، فقد كان كثيرون في الحكومات الديمقراطية الغربية يرون ـ وخاصة بداية العدوان النازي على دول الجوارـ أن من الحكمة عدم استفزاز هتلر، ويُحَاوِلون طمأنة أنفسهم أنه سيكتفي بأخذ المناطق الحدودية التي يرى أنها من الأرض الألمانية أصلا، وأن التوجّس من نَفَسِهِ العُدواني ليس له مُبَرِّر؛ خاصة عندما يكون الخيار معه خيار الدخول في حرب قد تقود إلى حرب عالمية كبرى، تُعِيد مآسي الحرب العالمية الأولى. 

في مقابل هؤلاء الذين رَاهَن هتلرُ على رُعْبِهم ورَخَاوتهم وسذاجتهم السياسية، كان هناك دُهَاة السياسة، قارئو التاريخ، المخلصون للسلام بصورة أعمق وأكثر ذكاء. هؤلاء المُتَوَفِّرُون على رؤية أشمل وأكمل وأذكى بما لا يقاس؛ رأوا أن كلَّ درجة من التسامح مع هتلر هي بذاتها درجة في دعم اللاَّتسامح، أن كلَّ دَفع بالسلام معه؛ حال تمدّد عُدوانه، هو ـ في الحقيقة ـ دفع بالحرب لتكون حربا أوسع وأشد عنفا وخطرا. ومن هنا كانت قراراتهم الحاسمة بإعلان الحرب على العدوان النازي؛ مهما كانت الأثمان؛ لأن أي ثمن سَيُدفَع حِينئذٍ ـ مهما كان باهظا ـ فهو أقل بكثير من الأثمان التي ستدفع لا محالة جرّاء تَسيّد مبدأ العدوان، وأكل الأقوياء للضعفاء بأدنى مُبَرِّرٍ وَاهٍ، أو حتى بلا مُبَرّرٍ من الأساس.      

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!