كمال كليجدار أوغلو
زعيم حزب الشعب الجمهوري التركي، كمال كليجدار أوغلو

بإعلانه تقديم مسودة مشروع قانون "ضمان حق الحجاب للنساء وحمايته قانونيا" للبرلمان التركي، يظهر زعيم حزب الشعب الجمهوري التركي، كمال كليجدار أوغلو، وكأنه قد تجاوز واحدا من "القلاع السياسية" الكثيرة التي بنها حزبه المؤسس للدولة التركية الحديثة. والتي يشير إليها بالأسهم الستة التي تغطي علم الحزب: الجمهورية، الشعبية، العلمانية، القومية، سيطرة الدولة والإصلاح.

فـ"المسألة الدينية" في تركيا، بالذات من حيث موقع الدين ورجالاته في الحياة العامة ومؤسسات الدولة، وحق المتدينين، بالذات منهم المحجبات، الولوج في أجهزة الدولة والفضاء العام، كانت واحدة من أعضاد بنية الدولة في تركيا، في مؤسساتها ومواثيقها وشرطها الكلي وفضائها الرمزي. وحول تلك "المسألة الدينية" دارت أعتى الجدالات والصراعات السياسية والأمنية والاقتصادية في البلاد طوال قرن كامل، وبناء عليها حدثت انقلابات عسكرية وثورات شعبية وحروب أهلية. كان حزب الشعب الجمهوري، الذي يقوده راهنا كليجدار أوغلو، حاضرا ومؤسسا لها جميعا، بكونه التنظيم المؤسس للدولة التركية، المتبني لنزعة العلمنة، وبأشد صورها "تطرفا". 

ما كان لأحد أن يتخيل زعيم الحزب الأتاتوركي يُقدم على مثل هذه الخطوة، لولا الاستقطاب السياسي الحاد الذي تعيشيه تركيا: بين قوى تحالف السلطة المتمركز حول شخص الرئيس أردوغان وحزبه، وائتلاف المعارضة الذي يقوده كليجدار أوغلو وحزب الشعب الجمهوري. فهذا الأخير، يتلهف لانتزاع السلطة من أردوغان وحزبه، وبأي ثمن، بما في ذلك التنازل عن بعض البنى الفكرية والتنظيمية والمؤسساتية والإيديولوجية لحزب الشعب الجمهوري "الأتاتوركي"، عبر التقرب من الطبقات الأناضولية المحافظة، من الموالين التقليديين لحزب العدالة والتنمية، فقط لكسب أصواتها الانتخابية. 

يحدث ذلك بشكل درامي راهنا، لأنه طوال أكثر من عقد كامل، منذ تولي كليجدار أوغلو زعامة حزب الشعب الجمهوري، فإنه يحمل في داخله "بُعدا ثأريا" تجاه أردوغان وحزب العدالة وحكمهم المديد لتركيا. فهذه هي المرة الأولى التي يحكم فيها تيار "إسلامي" تركيا لمدة تتجاوز العامين، مثلما كان الحال طوال تاريخ تركيا. المرة الأولى التي يحكم فيها حزب ما لأكثر من 20 عاماً، بينما الأتاتوركية وحزبها وزعماتها خارج السلطة. فوق ذلك، يرى كيف أن أردوغان وحزبه، وطوال هذه المدة، قد نحتوا في جسد مؤسسات وبينان الدولة التركية، دولتهم. 

يشكل كليجدار أوغلو استعارة واضحة مماثلة لشخصية "مكبث" في مسرحية شكسبير الشهيرة. حيث أن تلك الشخصية المسرحية، وتحت سطوة نزوع ثأري لنيل عرش والده المفقود، وبأي ثمن، لا يلبث أن يدخل في دوحة من "الأفعال الشريرة"، حتى بمقاييسه هو نفسه. لكنه لا يهتم لكل ذلك، فالشاغل الوحيد له هو استحصال المكانة واسترجاع "مجد تليد". 

ما يعيشه كليجدار أوغلو وحزبه اليوم هو شيء كثير من ذلك. نزوع متلهف لاستعادة السلطة، وتالياً القدرة على إعادة ترتيب من يُعتبروه "زمناً وظرفاً استثنائياً" آن له أن يزول.

ليست القضية في مسودة القانون الجديد الذي قدمه أوغلو للبرلمان، والذي ربما يكون أكثر موائمة وصحية وصلاحية بالمعايير الديمقراطية مما هو موجود راهناً من قانون إقصائي بحق المحجبات في البلاد. بل المسألة هو باستعداد الحزب لفعل كل شيء، بما في ذلك مناهضة الذات شكلياً، وتحديداً مجاراة حزب العدالة والتنمية في أفعاله ونزعاته القومية والشعبوية، وحتى عبر القبول بـ"الإسلام سياسية"، فقط لنيل السلطة. وتالياً التخلي عن ترسانة ضخمة مما كان هذا الحزب يعتبره "تراثه الفكري" المدني والحداثوي، والذي على أساسه شُيدت تركيا الحديثة وخلقت تمايزها عن محيطها. 

فكليجدار أوغلو، إن كان حقا يملك ما هو معاكس ومضاد للطبيعة السلطوية لحزب العدالة والتنمية وزعيمه، فإن ثمة ثلاثة قضايا، جوهرية غير شكلية مثل مسألة الحجاب، يمكن له ولحزبه أن يخلقوا عبرها الفارق النوعي مع أردوغان وحزبه. هي قضايا تحمل بعداً رؤيوياً وتحديثياً للدولة التركية، تشبه النبوءات التي حملتها الساحرات الثلاث لمكبث في المسرحية، والضبط قبل أن يدخل في معاركه الحامية لاستعادة عرش والده. 

تأتي "المسألة الدينية" بكلانيتها على رأس تلك القضايا. حيث أن المسألة الدينية كانت من أسس تعثر "الديمقراطية التركية"، بالذات عبر التلاعب الهائل الذي تمارسه الدولة في الحقل الديني، ذلك التلاعب الذي كان حزب الشعب الجمهوري مؤسسا أوليا ومدافعا دائما عنه. 

فهذه الدولة التي أسسها الشعب الجمهوري، وبكل ما تدعيه من "علمانية مفترضة"، إنما هي الدولة التي تعترف بأبنائها المسلمين السُنة فحسب، وتستبعد وتقمع غيرهم، بالذات العلويين. كذلك فإنها الدولة التي تملك جهازاً من عشرات الآلاف من الشيوخ والأئمة، من الذين يحصلون على رواتبهم من الدولة ويوالون الجهة الحاكمة وينشرون دعايتها في حدب دون هوادة. 

ومثلها ثمة أمثلة لا تُحصى عن تركيا التي أسسها حزب الشعب الجمهوري، كدولة علمانية شكلاً، دينية الهوية والسلوك فعلاً. 

تحضر "مسألة العسكر" كفاعل آخر يقيد كل شيء في الحياة العامة. فالمكانة الإمتيازية، الرمزية والفعلية، التي نالها الجيش طوال قرنٍ كامل، وبتأسيس ودفع من حزب الشعب الجمهوري، إنما حولت تركيا إلى ثكنة عسكرية كبرى. كان الجيش في السابق يساهم في الحروب الأهلية الداخلية وينفذ انقلابات عسكرية، وصار اليوم يوزع فرقه وميليشياته في كل حدب، داخل تركيا وفي كل بقاع المنطقة.

قدرة وسطوة الجيش التركي تأتت على الدوام من القداسة الرمزية والحماية المؤسساتية التي يتمتع بها، كجهة ومؤسسة فوق كل شيء في البلاد. وهي مكانة لا يسعى كليجدار أوغلو لأن يقدم ما يناهضها راهناً، وغالباً سيعيد إليها الكثير مما أفتقدته خلال سنوات حكم حزب العدالة والتنمية، في حال وصوله للسلطة.

أخيراً، المسألة الكردية هي السؤال الأكبر في البلاد، لأنها الحساسية الأكثر مباشرة وفاعلية لقياس صحة وصلاحية كل شيء في البلاد. فإذا كان أردوغان وحزب العدالة والتنمية يمثل كافة قيم الشمولية والاستبداد الهيكلي، كما يصرح كليجدار أوغلو كل يوم تقريباً. فما الفارق السياسي والقانوني والدستوري والرمزي الذي يقدمه كليجدار أوغلو وحزبه تجاه واحدة من أكثر مسائل البلاد حساسية وأحقية، وهل بعض الكلمات المنمقة حول الأخوة والمساواة والتاريخ المشترك كافية لخلق ذلك الفارق!. 

في مسرحية شكسبير، تتقادم نبوءات الساحرات الثلاث لأن تتحقق، وتحول مكبث إلى ملك ذو سلالة حكم مديدة، لولا النوازع الشخصية لهذا الأخير، التي أدت إلى مصرعه.       

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

في مقابلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهيرة مع مجلة "ذا أتلانتيك"، يسأل الصحفي، محمد بن سلمان ماذا تريد أن يعرف الرئيس الأميركي جو بايدن شيئا عنك قد لا يعرفه غيره؟، فيجيب بكل صراحة ومباشرة "هذا لا يهمني، والأمر متروك له، ولتفكيره في مصالح أميركا".

هذا الكلام لم يكن أبدا متوقعا، ولا حتى في الأحلام، فالاتهامات التاريخية للمملكة السعودية أنها تابع لأميركا، ولا تخالفها، أو تعصي أوامرها، ولكن الأمير الذي كان بايدن يتوعد بنبذه، يقرر أن يتعامل بندية، وأن لا يلقي بالا للمصافحة الشهيرة بقبضات الأيدي حين زار بايدن الرياض ليُظهر الجفاء، والحزم في التعامل مع ولي العهد بعد الاتهامات بمقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

لم يكن متوقعا أن يخرج محمد بن سلمان من تداعيات قضية مقتل خاشقجي بسهولة، غير أنه بعد 5 سنوات يظهر أن الرياض تختار أصدقائها، وتدير الظهر لمن يخاصمها، وكل الوعيد، والتابوهات التي تحدث عنها زعماء في الغرب تلاشت، ويتسابقون على ود القيادة السعودية، دون أي تحفظات.

منذ أن تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، ثم رئاسة الوزراء لاحقا، فعليا هو الذي يحكم على أرض الواقع، شهدت المملكة تغيرات غير مسبوقة، وما كان مستحيلا أن تراه في المدن السعودية صار حقيقة، واليوم تدشن الرياض سباقا مع الزمن في ميادين الاقتصاد، والثقافة، والترفيه، والعنوان الرئيس قطع مع الماضي، فالمملكة التي سيطرت عليها الحركة الوهابية لعقود تكاد تجلياتها أن تنتهي، والدولة الدينية التي كانت جماعة الأمر بالمعروف تصول وتجول بها اختفت، ولم يعد هناك ما كان يسمى "شرطة دينية" تراقب تطبيق الشريعة الإسلامية، وتفرض الإغلاق للمحلات التجارية وقت الصلاة، وتمنع خروج النساء دون عباءة سوداء، وتصطدم بكل من يفكر بإقامة اي أنشطة ترفيهية.
 
باختصار تغير الحال، ويلخص بعض الغاضبون لهذه التحولات ما وقع بالقول "اختفت هيئة الأمر بالمعروف، وحلت مكانها هيئة الترفيه" التي يقودها تركي آل الشيخ الشخصية المثيرة للجدل.

لم يكن الأمير محمد بن سلمان يُخفي رغبته في المضي في تحولات تعاكس الموروث الاجتماعي، ويبدو وكأنه متصادم مع إرث ديني، ولهذا يقول في حديث بمنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض "لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورا، وسوف نقضي على التطرف".

قبل أكثر من 20 عاما كانت السعودية توجه لها أصابع الاتهام بأنها حاضنة للتطرف، وما زالت أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، وضلوع سعوديين بها حاضرة في الأذهان، واليوم تطوي السعودية صفحة من تاريخ سماه ولي العهد "اختطاف الجماعات المتطرفة للإسلام".

نقطة البداية ومحاولة تأصيل فكرة التحولات في السعودية كانت في رؤية 2030، وعناوينها الأساسية؛ مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وحين طرحت التصورات، والمبادرات، والمشاريع، كثيرون اعتبروها قفزة في الهواء، لن تقوى السعودية على مقاربتها، وربما حين تسمع عن مشروع مثل مدينة نيوم، تتحدث الأرقام أن كلفتها تقارب 500 مليار دولار، قد ينظر له على أنه محض خيال لن يطبق.

نيوم مدينة صديقة للبيئة، خالية من السيارات، وانبعاثات الكربون، شواطئ مضيئة، و"ذا لاين" مدينة بخط مستقيم تزيد عن 170 كم، وقطارات فائقة السرعة، والأهم أنها خارج النظام القضائي السعودي، وقيل، ولا زال يُقال عنها الكثير الكثير.
 
هذه المدينة حين ترى الوجود ستهدد، وتنافس كل مدن البحر الأحمر، وكل المزارات السياحية، والتوجس من الاستيقاظ السعودي يرعب الكثير من دول الإقليم.

كان استقطاب نادي النصر السعودي للاعب الأكثر شهرة في التاريخ رونالدو بعقد خيالي يتجاوز 400 مليون يورو خلال موسمين رياضين محل تندر، والحديث الدائر اليوم أن نادي الهلال يفاوض ميسي لاستقطابه في صفقة مالية أعلى، وكل هذا لا يحدث بمعزل عن رؤية سعودية تريد أن تكون الوجهة الأولى التي تلفت الانتباه، وأنها تريد استخدام القوة الناعمة كالرياضة لغزو العالم، لتصبح أكثر حضورا على الخارطة العالمية، والكلام عن عرض لاستضافة مونديال كأس العالم عام 2030 بالتشارك مع مصر واليونان يصب في ذات الوجهة، والعنوان.

عند العودة إلى حديث ولي العهد السعودي لمجلة "أتلانتيك" تجد الكثير من الأفكار التي تمضي الآن حاضرة، فهو يشير إلى أن السعودية تغيرت عما كانت عليه قبل سبع سنوات، وان التطور الاجتماعي يسير بالاتجاه الصحيح، وأن بلاده من أسرع الدول نموا، وتملك أكبر 10 صناديق استثمارات في العالم، وأكثر من ذلك يقول بفصيح العبارة أن محمد بن عبد الوهاب ليس أكثر من داعية، وهو الذي كان لا يمس.

الخصوصية السعودية أكثر ما هو لافت في أحاديث محمد بن سلمان، فهو يرفض أن تكون التغييرات مفروضة، أو منسوخة، فالمملكة لا تريد أن تكون مثل دبي، أو أميركا، وإنما تسعى لتطوير نموذجها الخاص، ويسهب في الحديث عن فرادة المشاريع السعودية، فمدينة العلا موجودة فقط بالسعودية، ولا يوجد لها نموذج على الكوكب، ونفس الحال ذا لاين في نيوم، أو القدية المشروع الرياضي الترفيهي الأكبر في العالم.

تريد السعودية أن تستقطب 100 مليون سائح مع عام 2030، وتذلل كل العقبات أمام تدفق الناس إليها، فلا خطوط حمراء، ففي رأس السنة حشدت أهم نجوم الفن والغناء العرب في ليلة واحدة، وكل يوم مبادرة جديدة في مواسم الرياض، وحتى تزور السعودية يكفي أن تكون لديك تأشيرة للولايات المتحدة، أو "تشنجن" لتعبر بسلاسة ودون تعقيد.

المنتقدون يرون أن كل هذه التحولات الاقتصادية، والاجتماعية، والتخلي عن التشدد الديني لا يستند إلى دمقرطة البلاد، وولوجها إلى قيم تستند إلى ضمان الحقوق، والحريات، ولكن الحقيقة التي لا تغيب عن القيادة السعودية أن الغرب يقدم المصالح على المبادئ، ونهوض المملكة للمزاحمة، والمنافسة بتزامن من انكسارات ديموقراطية، ليس في العالم العربي وحده، وإنما الاهتزازات طالت أنظمة في الغرب طالما تغنت في معايير حقوق الإنسان، ولهذا فإن التحولات العالمية، ومنها الحرب في أوكرانيا، وتراجع العالم أحادي الأقطاب، وصعود الصين نموذجا لحالة جديدة، يمكن "المملكة السليمانية" إن جاز التعبير من المناورة، وبناء التحالفات لتكون لها موطأ قدم صلب على هذا الكوكب، وهي اللعبة التي بدأ يمسك مفاتيحها ولي العهد السعودي الطامح لإعادة إنتاج صورة جديدة لبلاده.