صور الأقمار الصناعية وثقت التفجير الذي طال الجسر
صور الأقمار الصناعية وثقت التفجير الذي طال الجسر

في منطق القوة الذي يتمسك به الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، والذي يريد أن يفرضه على الدول الغربية فهو من غير المسموح لكييف أن تهزم موسكو، حتى لو أدى ذلك إلى حرب نووية.

لذلك لم يتردد الكرملين في التلويح بخياراته النووية التكتيكية عندما واجه مأزقا استراتيجيا في حربه على أوكرانيا، وانتقلت المواجهة من استحالة الانتصار على الأوكرانيين إلى إمكانية جدية للهزيمة أمامهم.

عمليا ورغم كل الجهود التي يبذلها الكرملين من أجل احتواء موقفه الميداني الصعب، إلا أن خططه باتت أقرب إلى رد الفعل وليس الردع، خصوصا بعد هزيمة قواته الأخيرة على جبهة إقليم دونباس، حيث لم تؤد عملية الاستفتاء إلى تبرير ضم الإقليم إلى روسيا الاتحادية للحد من الاندفاعة الأوكرانية الميدانية، كما أن الدعوة إلى التعبئة العامة لم ترفع معنويات الجيش المكسورة أمام المقاومة الأوكرانية، بل تسببت بردات فعل داخلية معاكسة كشفت عن حجم الرفض داخل روسيا للحرب.

لذلك فإن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الذي لا يمكن أن يتقبل الهزيمة، قرر الهروب مجددا إلى الأمام، وأعاد فتح معركة كييف مجددا، لكن هذه المرة بالقصف الصاروخي والمسيرات، بعدما فشل في دخولها برا بداية الحرب.

إلا أن الهروب مجددا إلى كييف بعد ساعات على تفجير جسر القرم، الذي يمكن اعتباره نكسة معنوية لمشروعه وما فعلته كببف بعد نكسة الاستفتاء الشكلي بإعادة السيطرة على مناطق جديدة في إقليم دونباس كانت تحت الاحتلال الروسي، يكشف حجم المأزق الاستراتيجي الذي يواجه الكرملين.

فعليا استهداف جسر القرم صفعة في عقر الدار، ودليل مباشر على أن كافة الإجراءات المتخذة منذ الاستفتاء إلى التعبئة لا يمكن أن تحقق النصر، وهذا ما سوف يزيد تصعيد بوتين حتى ملامسة التهديد النووي، خصوصا أن الحرب بالعمق الأوكراني قد تدفع كييف وحلفاءها لنقل المعركة إلى العمق الروسي، بعدما كانت مختصرة على الأراضي غير المعترف بضمها دوليا، لذلك فإن بوتين فتح خيار الرد عليه داخل روسيا الاتحادية وهذا الاحتمال، إن حصل، فإنه سيدخل العالم في تصعيد غير محدود  بين الرد والرد على الرد.

ميدانيا لا يمكن لحرب المدن، التي بدأ بوتين خوضها ضد أوكرانيا، أن تعوض صفعة الجسر، حيث قال الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، معلقا على الهجوم الصاروخي الذي تعرضت له المدن الأوكرانية  إنه "في اليوم الـ299 للحرب يحاولون (الروس) تدميرنا ومسح وجودنا عن وجه الأرض".

وهو في هذا التصريح يعيد إلى أذهان الغرب معركة تغيير الخرائط التي يخوضها بوتين التي إذا نجحت في أوكرانيا فإنها ستهدد خرائط أوروبا والعالم. 

تفجير الجسر الرابط ما بين شبه جزيرة القرم وأراضي روسيا الاتحادية ليس عملية عسكرية ضد منشآت حيوية روسيه أو طريق إمدادات عسكرية، هو أشبه بتمزيق للخريطة السوفيتية التي يحاول بوتين ترتيبها مجددا.

والأخطر أن الموقف الأوكراني العسكري لم يعد دفاعيا، بل بات الآن هجوميا، وهذا مؤشر على أن  الخارطة الجيوسياسية الأوروبية ما بعد الحرب الأوكرانية لن تكون كما أراد بوتين رسمها.

فقد فشل في إعادة رسم بعض الخرائط السوفيتية، ويواجه صعوبات استراتيجية دفعته إلى الهجوم بهدف الدفاع عن خارطة روسيا الموّسعة، والمعضلة التي سيواجهها الكرملين في حال فشل هذا الهجوم ونجحت أوكرانيا في استعادة أراضيها المقتطعة إن خارطة روسيا الاتحادية ستصبح مهددة مستقبلا.  

الواضح الآن أن الرد على حرب بوتين يأخذ منحى استراتيجيا طويل الأمد، في الأخير الذي أراد محو أوكرانيا عن الخارطة العالمية حوّلها إلى نقطة تحول في رسم الخرائط الجيواستراتيجية في العالم، لأن الهزيمة الروسية المحتملة في أوكرانيا ستفتح الباب واسعا ليس فقط أمام إعادة رسم خريطة روسيا وأوروبا، بل إعادة رسم التوازنات العالمية، ما قد يدفع إلى مراجعة مقررات مؤتمر سان فرانسيسكو 1945 على طاولة المنتصرين في الحرب، ما بعد الحرب الباردة.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.