محمد بن زايد التقى بوتين في 2019- أرشيفية
رئيس الإمارات في زيارة إلى روسيا بالتزامن مع تصعيد الحرب في أوكرانيا

في الجزء الثاني من يومياته والتي تم نشرها تحت عنوان "المستدرك"، يورد السياسي الأردني الراحل عدنان أبوعودة كثيرا من تفاصيل كواليس ما كنا نراه في النتيجة خبرا مقتضبا في نشرات الأخبار الرسمية.

الأحداث ليست بعيدة بالنسبة لجيلي ومن سبقه من جيلين، أغلبها في ثمانينات القرن الماضي، وكثير من الشخصيات التي كانت في المشهد لا تزال على قيد الحياة، ومن توفي لا يزال على قيد الذاكرة الطرية.
في اليوميات التي هي في الحقيقة محاضر وتدوينات حية لمعظم الاجتماعات التي حضرها "أبوالسعيد" رحمه الله، والمعروف في حياته برصانته وتزمته بالتوثيق مع قدرته الهائلة على القراءة والتحليل المنهجي، وهي الصفات التي جعلته من أقرب المقربين عند الملك الأردني الراحل حسين بن طلال، هنالك حضور مكثف لكواليس القضية الفلسطينية، وفي تلك الكواليس "الموثقة بأسماء الشهود من الحاضرين" ، كانت منظمة التحرير الفلسطينية مستعدة للخوض في عملية سلمية منذ بداية ثمانينات القرن الماضي، العقدة كانت في مناورات زعيمها الراحل ياسر عرفات الذي كان يجهض كل حالة تكاد تقترب من عملية سلمية تعيد الأرض والإنسان ضمن ظروف أفضل بكثير جدا من الظروف الراهنة، كان الوقت لاعبا حاسما، والفلسطينيون "من خلال ممثلهم الشرعي والوحيد" أضاعوا الوقت كله.

اللافت كان تلك الرؤية "العربية" لدول المواجهة والطوق "كما كانت تعرف حينها" نحو دول الخليج العربي، والتي لم تتجاوز تحديدها وتوظيفها كماكينة صراف آلي معنية بالتمويل والدفع فقط.
الدول الخليجية كانت راضية "حينها " بذلك الدور إما بحسن النية، أو لتجنب تعقيدات المشهد الإقليمي والدولي في ذروة الحرب الباردة.

كان الخليج "بلاعبيه الأساسيين" راضون بالوقوف حول الطاولة، كدعم وإسناد للموقف الفلسطيني والعربي ضمن شروط توافق عربي شاقة وصعبة.

اليوم، لم يعد ذلك واردا، والمعطيات بمجملها تغيرت بالكامل إقليميا ودوليا، وحتى داخليا في تركيبة دول الخليج نفسها من خلال جيل قيادي يعرف السياسة والاقتصاد والتجارة الدولية، ويملك المهارة كما المعرفة في تفاصيل إدارة العلاقات الدولية، وهذا يعني ببساطة أن الوقوف حول الطاولة لم يعد كافيا، فالدول الخليجية اليوم تطالب بمقعدها على الطاولة، لا من زاوية شرعية التمويل المالي وحسب، بل من رؤية أعمق تتعلق بالتكامل الإقليمي الذي يصب في مصالحها كدول تدرك حجم قوتها وتأثيرها.

المبادارت التي كانت تطلقها عواصم الدول العظمى في الماضي، كانت تصل دول الخليج عبر حواضن عربية وكوسيلة "ضغط" لحثها على الدفع والتمويل، واليوم صارت المبادرات في القضية الفلسطينية ذات بعد إقليمي تعاوني قائم على الشراكة البينية المنهجية ومنشأها في عواصم الخليج نفسها.

ماذا يعني هذا؟
هذا ببساطة يعني ضرورة تغيير أنماط التفكير التقليدية السائدة لأنها بائدة، فالعالم كله تغير ورهن التغيير المستمر، ومعطيات الأمس "كلها" لم تعد تصلح مع عالم اليوم الذي استيقظ فيه البشر على ثورة تكنولوجيا معرفية جعلت منه فعلا قرية واحدة لكن ليست بالمطلق صغيرة.

لو تخيلنا "على سبيل المتعة الذهنية" رحلة في مركبة زمنية نحو الماضي لنلتقي فيها مثلا شخصية سياسية دولية ثقيلة من ذلك الماضي، وحدثناه عن تفاصيل ما يحدث اليوم فعلينا أن نتوقع ذهوله وتكذيبه الفوري لكل ما سيقال له من وقائع حقيقية نشهدها بأنفسنا الآن على الساحة الدولية.

لن يكون سهلا أبدا إقناع الرئيس نيكسون في تلك الرحلة الافتراضية نحو الماضي بحقيقة أن السعودية تقود "تحالفا نفطيا" ضد المصالح الأميركية، ولن يكون سهلا إقناع ونستون تشرشل "وقد كان وزير مستعمرات بريطانيا" أن الإمارات العربية المتحدة تقود مبادرة سياسية رفيعة المستوى لتطرحها في موسكو تستهدف تخفيف تداعيات أزمة دولية على صيغة حرب عالمية أكثر خطورة من الحرب العالمية الثانية.
في ذات اللعبة الذهنية من التخيل، أتخيل تعابير وجه هنري كيسنجر " المعروف ببرودة ملامحه"، وهو الكائن بيننا من ذلك الماضي بكل تفاصيله وكان بحد ذاته أحد معطيات ذلك الزمن، وهو يقرأ ويسمع ويشاهد كل ذلك. 

العالم تغير..ولا بواكي على من لا يدركون ذلك.

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.