يعيش نحو 12 مليون من أقلية الإيغور في شينجيانغ
يعيش نحو 12 مليون من أقلية الإيغور في شينجيانغ

صوَّت مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، ضد إجراء نقاش حول الانتهاكات التي تُتهم الصين بارتكابها ضد أقلية "الإيغور" المسلمة، وجاءت الخطوة في أعقاب صدور تقرير المفوضة الأممية السابقة لحقوق الإنسان، ميشيل باشليه، الشهر الماضي، وهو التقرير الذي أشار إلى احتمال ارتكاب الحكومة الصينية جرائم ضد الإنسانية بحق الأقلية المسلمة في إقليم شينجيانغ في أقصى غرب البلاد.

ويعيش نحو 12 مليون من أقلية الإيغور في شينجيانغ، حيث يشكلون المجموعة العرقية الرئيسية في الإقليم، وهم من المسلمين السُّنة ويتحدثون لغة شبيهة باللغة التركية، ويشبهون على المستوى الثقافي، شعوبا أخرى من آسيا الوسطى. وقد عانى الإيغور من الاضطهاد على مدى عقود من قبل السلطات الصينية، التي تبذل كل الجهود للتعتيم على ممارساتها ضدهم.

أدت نتيجة التصويت في مجلس حقوق الإنسان إلى الحيلولة دون نقاش الانتهاكات ضد الإيغور، حيث صوتت الدول الـ47 الأعضاء بأغلبية 19 مقابل 17 ضد إجراء المناقشة، مع امتناع 11 دولة عن التصويت.

وتمثلت المفاجأة لدى الكثير من الناس في أن 6 من الدول التي صوتت ضد إجراء المناقشة كانت من الدول الإسلامية بما فيها إندونيسيا وموريتانيا وباكستان وقطر والسودان ودولة الإمارات العربية المتحدة، إلى جانب 4 دول أعضاء في "منظمة التعاون الإسلامي" هي السنغال وكازخستان والغابون وساحل العاج.

وفي تصريحات أعقبت عملية التصويت قال المدير العام لـ"الخدمة الدولية لحقوق الإنسان"، فيل لينش، إنه كان من المخزي أن "الدول الإسلامية" فشلت بشكل كبير في دعم نقاشات في الأمم المتحدة حول انتهاكات حقوق الإيغور. ويبدو أنه كان يتوقع أن تدعم تلك الدول نقاش القضية باعتبار أن الإيغور مسلمون مثلهم.

وتصلح نتيجة التصويت أعلاه أن تكون مؤشرا لمناقشة الأساس الذي تنبني عليه العلاقات الدولية، هل هو المصالح أم رابطة العقيدة الدينية؟ ذلك أن طيفاً واسعاً داخل العالم العربي والإسلامي ينتمي لتيار الإسلام السياسي يدعو لأن يكون الدين هو الأساس الي تستند إليه العلاقة بين المسلمين وغيرهم من الأمم الأخرى.

وتنعكس رؤية ذلك التيار للعلاقات بين الدول في مقولة المنظًّر الأكبر لجماعة الإخوان المسلمين، سيد قطب، حول الروابط بين الأمم، والتي يوضح أنه "لا رابطة سوى العقيدة، ولا قبول لرابطة الجنس والأرض واللون والوطن والمصالح الأرضية والحدود الإقليمية إن هي إلا أصنامٌ تُعبدُ من دون الله".

وإذ يدعو ذلك التيار إلى أن تكون الرابطة الدينية هي أساس قيام العلاقات الدولية ولا اعتبار "للمصالح الأرضية"، فإنه يتعارض مع حقائق العصر الذي نعيشه، وهي الحقائق التي انعكست في قيام "الدولة الوطنية" في أعقاب صلح ويستفاليا عام 1648 وأصبح الانتماء القطري يشكل أساسها، بينما المصالح الوطنية هي التي تحدد علاقاتها مع بقية دول العالم.

ومن ناحية أخرى، فإن الوقائع تحدثنا أن المصالح ظلت على الدوام تحكم العلاقات بين الدول طوال التاريخ، فعلى سبيل المثال، فقد تحالف الخليفة العباسي هارون الرشيد مع الملك الفرنسي شارلمان ضد الأمويين الذين أقاموا دولة مستقلة في الأندلس، ومنحه لقب حامي قبر المسيح في القدس وأعطاه الولاية على المؤسسات الدينية المسيحية في الشرق الإسلامي التابع للدولة العباسية، كالتدريس والصيانة وتنظيم رحلات وقوافل الحج إليها.

وبالنظر إلى العلاقات الدولية في عالم اليوم، يبين بجلاء أن الموجِّه الأساسي لعلاقات الدول هو المصالح، فالولايات المتحدة الأميركية تتحالف في منطقة الشرق الأوسط مع الدولة الإسلامية الكبرى "السعودية"، كما أن العلاقات بين أميركا و"الصين الشيوعية" متطورة ومزدهرة، رغم التنافس بينهما، وبحيث صارت الأخيرة أكبر شريك تجاري لأميركا في العالم. وفي ذات الإطار فإنَّ "كوبا الشيوعية" قد عانت من أطول حصار اقتصادي أميركي في العصر الحديث استمر لأكثر من نصف قرن.

وعندما حكمت جماعة الإخوان المسلمين السودان لمدة 30 عاماً كان أكبر شريك اقتصادي لها هو الصين الشيوعية، ولم تجرؤ الحكومة السودانية طوال فترة حكم الإخوان على إثارة موضوع الانتهاكات التي يتعرض لها الإيغور سواء في أروقة المنظمات الدولية أو المحافل الإسلامية أو في إطار علاقتها الثنائية مع الصين!

ويبدو جليا أن تصويت الدول الإسلامية ضد مناقشة قضية الإيغور لم يكن مدفوعا بأسباب الرابطة الدينية أو المبادئ والقيم الأخلاقية، بل أملته المصالح الحيوية التي يأتي في مقدمتها أن الصين قد أضحت شريكا تجاريا استراتيجيا للدول العربية والبلدان الأفريقية، فضلا عن استثماراتها الضخمة في تلك الدول.

ومن ناحية أخرى فإن هناك دوافع مرتبطة بطبيعة الأنظمة الحاكمة والأوضاع الداخلية في تلك الدول الإسلامية تجعلها غير راغبة في دعم قضية الإيغور باعتبار أنها شأن صيني داخلي لا يجب التدخّل فيه، وذلك حتى لا تفتح الباب أمام تدخل المجتمع الدولي في قضاياها الداخلية التي تشابه مشكلة الإيغور.

وفي كل الأحوال، لا يوجد جديد تحت الشمس، حيث إن تصويت الدول الإسلامية ضد مناقشة قضية الإيغور  في مجلس حقوق الإنسان لم يخرج عن السنة التاريخية التي ظلت تحكم العلاقات بين الأمم والمتمثلة في مراعاة كل دولة لمصالحها في المقام الأول، وليس لروابط الدين والعقيدة كما يتصور البعض وكما عبر عن ذلك منظر جماعة الإخوان، سيد قطب، بكلامه الخيالي اللاتاريخي الذي أتينا على ذكره في صدر المقال.

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.