دوغينا قتلت بتفجير سيارة في أغسطس الماضي
دوغينا قتلت بتفجير سيارة في أغسطس الماضي

لا يمكن تجاهل مسألة اغتيال داريا دوغينا ولا اغتيال شيرين أبو عاقلة طبعاً، ولا جمال خاشقجي، ولا محسن فخري زاده، ولا التسبب بوفاة مهسا أميني. كلها اعتداءات جنائية بحق من قُتل، ومآسٍ إنسانية لأهاليهم وأحبتهم، وجرائم سياسية وقيمية وإنسانية على عاتق من ارتكبها. ولا يخفف من قبحها ووطأتها زعم أنها في سياق ضرورات وطنية أو مواجهات دامية.

مجموع هذه الأفعال ليس الموضوع هنا. باب متابعتها مفتوح، وكل الشدّ على أيادي من يرى وجوب هذه المتابعة ليفعل مشكوراً. الموضوع هنا هو وحسب مقتل داريا دوغينا، في إحدى ضواحي موسكو.

داريا دوغينا، هي ابنة المفكر القومي الروسي، ألكسندر دوغين، والذي غالباً ما اعتبر مصدر الزخم العقائدي خلف "العملية العسكرية الخاصة"، أي مغامرة الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، القاتلة والفاشلة لتفتيت أوكرانيا وابتلاعها. بل الراجح أن يكون دوغين نفسه، لا ابنته، هو المستهدف في عملية الاغتيال، إذ جرت ليلة العشرين من شهر أغسطس الماضي من خلال تفجير سيارة كان من المفترض أن يستقلها هو، قبل أن تأخذها ابنته داريا بدلاً عنه.

فيما سارعت السلطات الروسية إلى اتهام أوكرانيا، وكشفت عن بيانات حول من نفذّها، بدت دقيقة ومستفيضة إلى حد الريبة، فإن أوكرانيا الرسمية تبرّأت على الفور من الحادثة، بل ألقت المسؤولية بدورها على الطبيعة الملتوية للنظام الأمني الروسي والصراعات الداخلية المفترضة بين أجهزته، من باب "العدو يقتل أهله ثم يلقي اللوم علينا".

وفي حين تمنّع الرئيس الأوكراني والصف الأول من السياسيين الأوكرانيين عن أي تعليق أو تعبير عن رفض صريح للاغتيال بذاته، فإن التوجه العام على وسائل التواصل المؤيدة لأوكرانيا كان التذكير بأن دوغينا ذاتها كانت تشرف على مواقف معادية لأوكرانيا والغرب، بل كانت كذلك مساندة في أقوالها ونشاطها للمجهود الهادف إلى القضاء على أوكرانيا. أي أنه لا تبنٍّ لفعل اغتيالها، ولكن لا أسف ولا دموع تذرف لمقتلها.

صدقية الجانب الروسي هزيلة جداً. الإعلام الروسي كان طفح بالتأكيدات، في خضم حشد موسكو لقواتها استعداداً للاجتياح، أن الأمر مناورات تدريبية وحسب، وأن الحديث عن عدوان روسي وشيك على أوكرانيا هو تهويل غربي مفضوح يهدف إلى تعكير العلاقات بين الجارتين الشقيقتين، روسيا وأوكرانيا.

وفي حين أن هذا الإعلام بشّر بالانتصار الساحق الوجيز، القالب للمعادلات وللأحادية القطبية ولطبيعة النظام العالمي، فإنه، مع تبيّن عجز الاجتياح عن الاحتفاظ بزخمه، عاد ليصيغ أهداف العملية العسكرية بقالب متواضع يقتصر على الدفاع عن جمهوريتي الدونباس، ليصبح ضم أربعة كيانات لا اثنين إلى الاتحاد الروسي بالتالي "انتصاراً" غير محسوب للعملية العسكرية الظافرة.

ونفس الجهات الرسمية الروسية، عسكرية ومدنية، متورطة بتركيبات وتلفيقات ومبالغات يقتصر استهلاكها على من يكّن العداء للصف الغربي ابتداءً، من الحديث عن أن الجائحة كانت عملاً متعمداً من جهات غربية، إلى زعم اكتشاف مختبرات جرثومية وغيرها في أوكرانيا، بتمويل من الولايات المتحدة، لتطويق روسيا والفتك بها.

أي أنه لا تعويل تلقائياً على ما يصدر من موسكو، الرسمية أو الإعلامية. أما أن يكون تقييم الاستخبارات الأميركية، وفق ما تسرّب إلى الإعلام الأسبوع الماضي، هو أن المسؤولية عن اغتيال دوغينا تعود إلى جهات أوكرانية، فالمسألة تتطلب إعادة اعتبار أساسية.

التقييمات الصادرة عن وكالة الاستخبارات المركزية مبنية على المعطيات المتوفرة، العلنية منها والسرية، وعلى تحليل الخبراء في الوكالة. أي أن التقييم، سواء جرى تدوينه بشكل منفصل أم جاء ضمن تقرير أوسع، ليس حكماً قضائياً يمكن التعويل عليه بشكل قطعي ونهائي، ولكنه أكثر من مجرد شبهة أو اتهام. بل هو رأي موثّق يمكن البناء عليه عملياً في صياغة المواقف والقرارات.

يذكر هنا أن الأجهزة الأميركية كانت قد أصدرت تقييماً شبيهاً، بشأن مقتل، جمال خاشقجي، داخل القنصلية السعودية في إسطنبول عام ٢٠١٨، رجحت فيه إلى ما يقارب الإثبات بأن مسؤولية قتل الصحفي وطمس معالم الجريمة تقع على ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، لاعتبارات فصّلها التقرير، ينتفي معها ألا يكون هو من وجّه الأمر بالفعل.

الأجهزة الاستخباراتية حينئذ أصدرت تقييمها وقدّمته للإدارة. الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، اختار أن يرضى بهامش الشك الضئيل للتحفظ عن الاستناد إلى رأي الاستخبارات في تعديل علاقته مع السعودية. وكان هذا الموضوع شأناً ذا أهمية في خطاب جو بايدن، إذ ترشّح لمنصب الرئاسة، سواء لتأنيب ترامب للمساهمة في إفلات السعودية من العقاب، أو للتأكيد على أنه سوف يصحّح هذا الخلل ويفرض العزل والعقاب على الرياض وحاكمها الفعلي، الأمير الشاب.

بايدن المرشّح ارتكب المبالغة انتخابياً، وبايدن الرئيس تورّط بالتراجع سياسياً، ثم كرّر التراجع مرّات عدة وصولاً إلى رحلة قام بها للسعودية، طوت للأمير الشاب كل عواقب قتل خاشقجي، ولكنها لم تجنِ لبايدن ما يفسّر تراجعاته أو يبرّرها.

الإشارة إلى مقتل خاشقجي هنا هو للتذكير بأن المسؤولية الجرمية التي قد تكشف عنها الجهات المعنية المطلعة في واشنطن لا تعني بالضرورة تبديلاً بالمواقف السياسية. بل إذا كان هذا هو الحال في مسألة خاشقجي، حيث تقييم المسؤولية أوصلها إلى رأس السلطة الفعلية في السعودية، فإنه في قضية داريا دوغينا لا يتّسم بالجلاء الذي يتيح تبين المسؤول الأول بالاسم.

فالمعلومات الواردة في التقييم، وفق التسريبات التي وصلت إلى صحيفة "نيويورك تايمز"، لا تسمِّ الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، على أنه من أصدر الأمر، ولا غيره من كبار المسؤولين، بل تُبقي على ضبابية في إشارتها إلى جهات أوكرانية غير محدّدة.

السؤال الهام الذي لا بد من طرحه، هل لهذا التقييم نتائج على مستوى الموقف الأميركي الرسمي من حكومة كييف؟ هي حكومة منتخَبة، وليس المطلوب طبعاً تهديد الجهد الحربي الدفاعي الأوكراني الناجح حيث أدّى الدعم الغربي، بالسلاح والإمدادات والمعلومات الاستخبارية، إلى إنجازات ميدانية للقوات المسلحة الأوكرانية، إذ تستبسل لتحرير أراضي بلادها من الاحتلال الروسي.

ولا مكان لمساواة الأداء الأوكراني، والذي قد يكون يشتمل على جريمة اغتيال هنا، بوطأة الغزو والإجرام من الجانب الروسي، في التسبب بمقتلة مشهودة، وفي استهداف المنشآت والمباني المدنية، بل في مجازر جماعية يجري الكشف عنها في المناطق الأوكرانية المحرّرة.

ولكن، إذا كان الموقف الغربي من الاجتياح الروسي لأوكرانيا مبنياً، وإن جزئياً، على قناعات مبدئية، بالإضافة إلى قراءة المصالح والتي تشغل دون شك الحيّز الأعظم، فإنه لا بد من الالتزام الواضح بقواعد "الحرب العادلة"، وإدانة الخروج عنها، وإلزام من يتلقى الدعم، أوكرانيا وما يتعدى أوكرانيا، بأن تتقيد بهذه القواعد.

السلطات الأوكرانية لم تكتف بالصمت إزاء حادثة التفجير التي أودت بدوغينا، بل أثار كلام للبابا فرنسيس حول الفتاة القتيلة، يوم أشار إليها إلى أنها "ضحية بريئة" للحرب استهجان كييف، فاعترضت بشدّة على هذا التوصيف، ثم استدعت سفير الفاتيكان في كیيف لتسجيل استيائها.

صدق البابا فرنسيس، وأوكرانيا الرسمية على خطأ جلي. دوغينا لم تكن مقاتلة في صفوف الجيش الروسي الغازي إذ اجتاح أوكرانيا، وهي بالتالي ليست هدفاً مشروعاً لأي خطوة أوكرانية. أما الاستهجان إزاء رفض مقتلها لأن الشابة قد عبّرت عن أقسى المشاعر تجاه أوكرانيا، فهو ما يتوجب الضبط والاعتبار، بل التراجع والاعتذار. وإلا فما هو المعيار؟

عفواً، ربما أن هذا المقال هو فعلاً عن شيرين أبو عاقلة وجمال خاشقجي ومحسن فخري زاده ومهسا أميني، بالإضافة إلى داريا دوغينا.

ذلك أنه إذا استحقت داريا الموت، أو على الأقل استحق رفض موتها الاستهجان، لأنها أظهرت العداء لأوكرانيا في كلامها، فإن شيرين قد مكنّت بدورها معاداة إسرائيل في تغطيتها الصحفية وإن التزمت الموضوعية، وجمال قد أساء للأمير الشاب في دعوته إلى الاعتدال في المواقف، وإن بقي على الأدب، ومحسن قد عادى إسرائيل والولايات المتحدة، من حيث يدري أو لا يدري، يوم ذهب إلى عمله المساهم بما يمكن أن يكون في مستقبل منظور أو غير منظور سلاحاً فتاكاً، ومهسا أميني قد هدّدت الأمن المعنوي للجمهورية الإسلامية بسوء ارتدائها للحجاب، فنال كل منهم ما يستحقه.

ضمنياً، لا خلاف عامة، لا بين الدول ولا على مستوى المنظومات القيمية العالمية، بشأن مشروعية قتل المقاتلين في ساحات المعارك. والخلاف محدود ومقتصر على بعض التفاصيل في رفض القتل المتعمد للمدنيين المنقطعين عن المواجهة المباشرة.

المدني العامل على نقل الإمدادات إلى خطوط القتال لا تشمله عصمة الدم هذه، ذلك أن مساهمته بالجهد الحربي واضحة ومباشرة. ولكن المدني البعيد عن خطوط القتال المنشغل بأعماله، يكاد أن ينال الإجماع بأن قتله ليس مباحاً. بل قتله هو الإرهاب، وإن على خلاف.

غير أن بين هذه الفئة وتلك، تتسع اليوم القراءات التي تتيح قتل المزيد من غير المقاتلين، من الذين يساهمون بشكل غير مباشر في دعم المجهود الحربي أو تأييده أو حتى استحسانه.

المعضلة هنا هو أنه لا سقف تقف عنده عملية التوسيع هذه. بل ثمة من يقول إن كافة سكان البلاد عدوة أعداء، لانتخابهم الحكومة العدوة أو لامتناعهم عن إسقاطها، وبالتالي قتلهم كافة مشروع. وفي هذا التوسع نقض كامل لنظرية الحرب العادلة، القائمة على صون حياة غير المقاتلين وعلى خوض المعارك بالقوة المناسبة، وعودة تلقائية إلى شريعة الغاب.

إذا كان ثمة تلبيس لقتل داريا دوغينا رداء المشروعية، كما يفعل من ينتقل من الاستهجان والغضب إلى المزايدة والحديث عن أنها تستحق ما جنته، فإن قتل شيرين وجمال وفخري ومهسا وغيرهم يكتسب بدوره أحقيّة في الصفوف المعادية لصفوفهم.

العالم اليوم قد بدّد معظم ما استجمعه من قيم مشتركة على مدى القرن الماضي، على أن قواعد "الحرب العادلة" رغم اختلاف المسميات، لا تزال، وإن بهشاشة، سارية المفعول.

السجّل الأميركي في الالتزام بهذه القواعد ليس ناصعاً. على أنه، فيما يتجاوز التشهير بأخطاء الولايات المتحدة وخطاياها في معاركها العديدة من جانب من ألواثهم مضاعفة عمّا ارتكبته هي، فإنها ذاتياً لا تزال عند قناعة لدى مؤسساتها المدنية والعسكرية أنها تسعى إلى الأفضل، وتعمل على تثبيت أسس "الحرب العادلة" في سلوكها وأفكارها وأقوالها. كي يصدق هذا المسعى، لا يجوز أن تمرّ المعلومات عن تورّط أوكراني بمقتل داريا دوغينا دون عواقب. فالالتزام بالقيم شرطه ودليله السلوك إزاء الخصم والعدو، واحترام إنسانيته وحقوقه، قبل أن يكون السلوك إزاء الذات والصديق.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.