جانب من الاحتجاجات في العاصمة الأردنية عمان
68 بالمئة من الأردنيين "لا يثقون" برئيس الوزراء (صورة تعبيرية)

أشعل استطلاع للرأي غضب الحكومة الأردنية، ورئيسها بعد أن أظهرت المؤشرات تراجعا كبيرا في شعبيتها، والرضا عن أدائها. 

الاستطلاع الذي أصدره مركز الدراسات الاستراتيجية بمناسبة مرور عامين على تشكيل حكومة، الدكتور بشر الخصاونة، تعاملت معه الحكومة باعتباره حملة ممنهجة للإطاحة بها، إثر تدفق معلومات، وتسريبات مكثفة في الأيام السابقة أن الرئيس الخصاونة سيُعهد له بإعادة تشكيل الحكومة من جديد. 

وكل نتائج الاستطلاع كانت صادمة، ومُخيبة للآمال، وتُشير بشكل واضح إلى تراجع الثقة بأداء الحكومة، ولهذا فإن الفريق الوزاري بذل جهودا لامتصاص هذه الضربة الموجعة، وسعى إلى الحد من انتشار نتائج الاستطلاع في الصحافة اليومية التي تملك الحكومة نفوذا وتأثيرا بها، فتجاوب والتزم البعض بتوجيهاتها، وتملص وناور آخرون، وعرضوها بطريقة لا تُثير الغضب. 

أكثر النتائج اللافتة، والمقلقة في الاستطلاع أن 68 بالمئة لا يثقون برئيس الوزراء، وأن 33 بالمئة فقط من العينة الوطنية التي شاركت فيه تعتقد أن الخصاونة كان قادرا على تحمل المسؤولية بعد مرور عامين على توليه رئاسة الوزراء، و33 بالمئة كذلك يثقون بالحكومة، حيث سجلت انخفاضا بلغ 19 نقطة منذ تشكيلها. 

للإنصاف فإن الشارع الأردني لا يثق بكل الحكومات المتعاقبة، وهيبة مؤسسات الدولة، وحتى المنصب الوزاري تتراجع بشكل ملحوظ، ولكن هناك إحساس متنامٍ أن هذه الحكومة تفتقر أكثر للحالة الشعبية المساندة لها، وتحصد خصوما يتكاثرون، ويتوحدون في مواجهتها أحيانا. 

ما يُحبط الحكومة ربما أن مؤشراتها بعد عامين على تشكيلها تتهاوى، وحين مقارنتها بنتائج الاستطلاع لحكومة، الدكتور عمر الرزاز، التي سبقتها، فإن الفارق واسع جدا، فبعد سنتين على تشكيل حكومة الرزاز ظل 72 بالمئة يثقون بها، و69 بالمئة كانوا يرون أنها قادرة على تحمل مسؤولياتها. 

وقبل يوم من إطلاق مركز الدراسات الاستراتيجية لنتائج استطلاعه كان الكاتب الصحفي بجريدة الغد، ماهر أبو طير، يعنون مقالته "توقف عن تخديرنا يا دولة الرئيس"، وهو ما فسرته الحكومة بأنه يتناغم مع ذات السياق بتوجيه اللكمات للحكومة، وهو ما دفع أبو طير للقول في البرنامج التلفزيوني الشهير نبض البلد "لا توجد حملة سرا أو علانية اتجاه الحكومة، وأنه لا تنسيق بين مقالته ونتائج الاستطلاع". 

ويقول أبو طير، منتقدا رئيس الحكومة في مقالته "لم نجد شيئا نقدمه للناس، ولم يبقَ سوى الكلام المعسول من قوله إن القادم أجمل، وأجمل أيامنا لم تأتِ بعد، وصولا إلى تصريحاته الأخيرة، وقوله إن هناك فقرا، وبطالة، لكن هناك رجولة، وكرامة، وانتماء، وشهامة، وهكذا تصير دغدغة المشاعر بديلا للحقوق"، ويصل الكاتب إلى استخلاص أن "هذا تخدير سياسي لتغطية الفشل في معالجة ملفات سياسية". 

وفي تفاصيل الاستطلاع مؤشرات خطيرة، أهمها: أن 80 بالمئة يعتقدون أن الأمور تسير في الاتجاه السلبي، وهو رقم يتزايد، ويُنذر بأزمة تتعمق، وإحباط يسود بعد شيوع البطالة، والفقر، وارتفاع الأسعار، وغلاء المعيشة، وانتشار الفساد، والمحسوبية، ويتجلى الأمر أكثر حين يرى 11 بالمئة فقط أن الحكومة نجحت بتوفير فرص عمل للأردنيين والأردنيات، والأدهى بلغة الأرقام أن الحكومة لم تنجح في تنفيذ 19 بندا من أصل 22 تم تكليف الحكومة بها في كتاب التكليف الملكي عند تشكيلها. 

ورغم النقد الذي حظيت به الحكومة في الاستطلاع، ففي الاتجاه الآخر فإن الجيش العربي ما زال يتمتع بثقة 86 بالمئة، والمخابرات العامة 84 بالمئة، والأمن العام 83 بالمئة. 

وبعد نتائج استطلاع الرأي زاد الاعتقاد أن فرص رئيس الوزراء بإعادة تشكيل الحكومة قد تراجعت، وأن "رأس الدولة" الملك سيُخضع أداء الحكومة للمراجعة، وجردة حساب، قبل أي تدبير، أو إجراء، والمتابعون يرون أن "القصر" لا يُدير ظهره لصوت الشارع، والقفز عن نتائج الاستطلاع ليس أمرا سهلا، أو هينا. 

والسيناريو الأكثر قبولا، وتوقعا تسكين الأوضاع، وإبقاؤها على ما هي عليه، حتى تتبلور تصورات للمرحلة القادمة على ضوء المخاض المستمر منذ عامين، وعناوينه الأساسية: تحديث المنظومة السياسية، والرؤية الاقتصادية التي تتحدث عن الانتقال نحو المستقبل، وخطة إصلاح القطاع العام. 

والسيناريوهات الأخرى لا تخرج عن مسار إعطاء الضوء الأخضر للرئيس بإجراء تعديل وزاري في أحسن الأحوال، أو الذهاب إلى تغيير الحكومة، وهو ما يقتضي البحث عن رئيس جديد للوزراء للمرحلة القادمة. 

وبعد عودة العاهل الأردني، الملك عبد الله الثاني، من رحلته إلى باريس، ثم المشاركة في مراسم جنازة الملكة إليزابيث في لندن، ثم التوجه إلى اليابان للمشاركة في الجنازة الرسمية لرئيس الوزراء الأسبق، التقى مع مجموعة صغيرة من الشخصيات السياسية بغياب رئيس الحكومة، وحضور وزير الخارجية أيمن الصفدي، وهذا الاجتماع زاد من منسوب الهمس عن مستقبل الحكومة. 

ورغم أن صدور استطلاع الرأي بشكل دوري، وبمواعيد ثابتة أمر معروف، إلا أن الشعور الطاغي بين النخب السياسية، وحتى داخل أوساط الحكومة، أن الأمر ليس عبثيا، والنتائج مخطط لها، وحتى لو أقسم مدير مركز الدراسات الاستراتيجية الدكتور زيد عيادات أغلظ الأيمان فلن يصدقوه، ولو قال إن "الاستطلاع لم تتدخل أي جهة رسمية بنتائجه، ويخضع لضوابط، ومعادلات علمية، وليس أهواء شخصية"، فهم لن يصغوا له باختصار. 

وقد تكون كل هذه المكاسرة السياسية بين النخب في عمّان ضجيج وطحن دون طحين، والمخاوف مبالغ بها، والأمر لا يتعدى حدود الإلهاء الذي يطل علينا بين الحين والآخر حتى نتناسى الحقائق المُرة، والأهم، وملخصها أن مبادرات الإصلاح السياسي، والاقتصادي مكانك سر، و"الهرج" زوبعة في فنجان، وشراء للوقت. 

 إن الشارع الأردني لم يعد يلتفت لقصص تشكيل الحكومات، أو تعديلها، وحتى تغييرها، فهو يراها صراعا بين النخب على المكاسب، وتدوير للكراسي، وأثرها على الناس لا يُذكر، وللتندر فإن رؤساء الحكومات، والوزراء من كثرتهم لم يعد يعرفهم الناس، أو يتذكرونهم، وما زال المجتمع يسأل بإلحاح نفس السؤال؛ لماذا اختير هؤلاء رؤساء أو وزراء؟.. ولماذا خرجوا في ظل غياب معايير لقياس الأداء؟.

وملخص القول إن "زار" تعديل الحكومات، أو إعادة تشكيلها، أو تغييره فإن الغائب الأساسي عنها الشعب الأردني، وتظل التكهنات بعد كل ذلك، هل يصمد الرئيس الخصاونة، أم أن رياح التغيير حان موعدها؟! 

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.