ماذا بعد اتفاق الغاز بين إسرائيل ولبنان؟
ماذا بعد اتفاق الغاز بين إسرائيل ولبنان؟

من سيدير الثروة النفطية في لبنان في حال باشرت الشركات العالمية استخراج الغاز من الحقول اللبنانية؟

الجواب حتى الآن أن السلطة الفاسدة والمرتهنة هي نفسها من سيتولى المهمة! السلطة التي سطت على ودائع الناس وعلى موجودات الدولة، وهرب رؤوسها أموالهم إلى الخارج هي نفسها من سيدير الثروة النفطية التي من المرجح أن تكتشف على الشواطئ اللبنانية. إذاً لا شيء جديداً.

قبل نحو عقدين من اليوم، قررت هذه السلطة أن ودائع المواطنين ستكون سبيلها للإثراء ولتمويل الفساد، ولتقديم الرشاوى لأمراء الطوائف لكي يمرروا السلاح والارتهان، وها هي اليوم، وبعد أن بددت الودائع، قد عثرت على ثروة جديدة تواصل عبرها المهمة نفسها!

نعم، السلطة نفسها. لم يتغير وجه واحد فيها. غادر منها سعد الحريري، لكن جهاز الفساد الذي كان يحيط به ما زال موجوداً وفاعلاً. أما الآخرين فما زالوا هم أنفسهم. نبيه بري ووليد جنبلاط، وطبعاً جبران باسيل وعلى رأسهم حزب الله وسلاحه ووظائفه. وفي مجال النفط ينقص هذه المنظومة شخصية مثل رياض سلامة، تؤمن لها توزيعاً عادلاً لعائدات الغاز على أمراء الطوائف. وإيجاد وسيط من هذا النوع ليس مهمة صعبة، فما أكثر اللبنانيين في أسواق الاتجار بالنفط، والخبرات في مجالات الوساطة والسمسرة تفيض عن لبنان إلى دول المنطقة بأسرها.

لكن القصة بدأت قبل ذلك. نهب الغاز بدأ قبل استخراجه. أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله قال أن الثروة الغازية ستكون سبيل لبنان للخروج من الانهيار التاريخي الذي يعيشه! إذاً معالجة الانهيار لن تكون عبر الإصلاح وعبر المحاسبة وعبر استرداد الأموال المنهوبة، انما عبر الغاز. عفا الله عما سلف، والنظام سيواصل اشتغاله كما هو، وسيحاول التقاط أنفاسه عبر الثروة الغازية المستجدة. ميشال عون، وصهره جبران، يحضران نفسيهما إلى تصوير الغاز بوصفه إنجازهما الذي سيختمون به عهد الأول وسيفتتحون به عهد الثاني!

نبيه بري بدوره يعتبر أن الثروة النفطية تقيم على ساحله، وأن قانا وصور وكاريش هي حدود جمهوريته، ونصرالله صور الاتفاق بوصفه ثمرة سلاحه، علماً أن الأخير محق بما زعم، إلا أن تصويره ما جرى بوصفه انجازاً للبنانيين ليس صحيحاً على الاطلاق، هو انجاز للمنظومة التي تتولى احتضان سلاح الحزب.

إذا نجح هؤلاء بما يخططون له فسيتم التمديد لآفات التجربة اللبنانية لعقود طويلة. اللبنانيون ليسوا وحدهم من ستحصد رقابهم الواقعة. الفساد اللبنانية آفة عالمية. المصارف الأوروبية غارقة بفساد اللبنانيين، والدول الأفريقية غير ناجية منه، والعراق وسوريا والأنظمة المصرفية في الخليج أيضاً.

العالم كله غارق بالفساد اللبناني. هذا ما كشفته عشرات التحقيقات الاستقصائية والوثائق المسربة. لبنان الأول عالمياً في الـ"أوف شور"، وما يرافقها من تبييض أموال وتهرب ضريبي، وهو صاحب أكبر انهيار مصرفي في التاريخ الحديث. لبنان هذا قرر العالم أن يعيد تعويم النظام فيه، وأن يجري صفقة معه.

على أسواق الغاز في العالم أن تعلم أن ثمة قادم جديد سيدْخلها في دواماته. سيكون الغاز حصصاً للطوائف ولأمرائها، وستوقع الشركات عقودها بإشراف المفتين والمطارنة.

خبرات جديدة قادمة سنعثر على أثر لها في بلاد الجنات الضريبية وسيجري تزخيمها في الـ"غولدن باسبور" وبأشكال الالتفاف على العقوبات الدولية. هذا هو لبنان يا مجتمع النفط والغاز العالمي، هذا هو القادم الجديد على أسواق الغاز وأسواق النفط.

أما حزب الله، الذي يتصرف بأنه قدم هدية للبنانيين عبر إجبار إسرائيل على الموافقة على ترسيم الحدود، فهو قدم هدية لنفسه ولحلفائه، ولا يساور لبناني واحد شك بأن ما سيستخرج من غاز سيناله منه فلس واحد. الغاز لهم وليس لنا. هو ثروتهم الجديدة التي سينعمون بها، التي قدموا في سبيلها تنازلات لطالما اتهمنا بتقديمها لمجرد أننا ضد السلاح غير الشرعي. قبلوا بما عرض عليهم، وهذا ليس عيبهم، إنما العيب في أسباب مسارعتهم بالقبول، وهذه الأسباب لا تتصل نهائياً بالتفكير بما أصاب الناس جراء الانهيار.

أما الدرس الأهم الذي حمله لنا اتفاق ترسيم الحدود فيتمثل في أن العالم لن يسعفنا بما نحن به من مصائب. العالم فاوض حزب الله، وفاوض الطبقة السياسية الفاسدة، لأن مصلحته معهم وليست معنا. إنه عالم الأقوياء، أما الضحايا من أمثالنا فلا مكان لهم على طاولة المفاوضات. قضية الضحايا وأموالهم المنهوبة وصحتهم وتعليمهم آخر هموم المتفاوضين.     

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.