الحريات الفردية؟ هذا مجرد ترف ضمن مجتمع يعاني فيه الأفراد من الفقر والأمية.
التغيرات المناخية؟ ليس هذا وقتها... المجتمعات المتقدمة استفادت في السنوات السابقة وأثرت على المناخ، والآن تريد من الدول الفقيرة أن تدفع الثمن.
المساواة في الإرث؟ أغلبية المواطنين فقراء وليس لديهم ما يرثوه أصلا.
نقل جنسية الأم لأبنائها في الدول التي لا تسمح بعد بذلك؟ نسبة النساء المتزوجات من أجانب في هذه الدول ضعيفة، وبالتالي فهو مطلب فئوي لن تستفيد منه الأغلبية.
توقيف الخجل والعار بسبب الدورة الشهرية لأن كل النساء يعشنها ولأن لها أعراضا نفسية وجسدية يجب الحديث عنها بدون خجل؟ هذا مطلب غريب قد تكون له أهمية في المجتمع الأبيض الأوروبي ولا يعني مجتمعاتنا. لدينا خصوصية ثقافية يجب احترامها.
حمل اسم الأم في هوية أبنائها وبناتها؟ هذا مطلب تافه لأن النساء يعانين من مشاكل أكبر وأهم. ثم إن ذلك يجعلنا نختصر الأم في مجرد اسم بينما هي أكبر من ذلك (هل يعني هذا أننا، حاليا، نختصر الأب في مجرد اسم، رغم أنه أكبر من ذلك؟). ثم، لو كان هذا الأمر مهما، لسبقتنا له النساء في الدول الاسنكندنافية. (هذه، بالمناسبة، بعض التعليقات الحقيقية التي توصلت بها منذ بضعة أيام، بعد إعلاني عن قراري بحمل اسم أمي وأبي في هويتي... رغم أن هذا لا يمنع أن الكثيرين والكثيرات (وهم أغلبية) تفاعلوا مع القرار إيجابيا وأخذوا مبادرات رمزية مشابهة أو أعلنوا عن كون التساؤل يخالجهم، بدورهم، منذ فترة؛ مما يعني أن الموضوع يستحق فعليا أن نطرحه للنقاش).
في خمسينيات القرن الماضي، تأسست في المغرب جمعية حملت اسم "أخوات الصفا". من بين أهم مطالب هذه الجمعية، نجد ما يلي: منع تزويج القاصرات، إلغاء التعدد، إجبارية تعليم النساء، فتح أبواب الجيش في وجه النساء، تعيين لجان محلية نسوية بالمحاكم لكي تبث في الخصومات العائلية وتدافع عن حق المرأة؛ وغيرها من المطالب التي تهدف للدفاع عن حقوق النساء وكرامتهن.
حينها، اعتبرت الأحزاب السياسية أن كل هذا ترف لم يحن أوانه وأن الأساسي هو الدفاع عن استقلال المغرب من الحماية الفرنسية. بعد الاستقلال، كانت الأولوية، طبعا، لـ "البناء الديمقراطي"، لأن حقوق النساء ترف يمكن أن نؤجله لوقت لاحق... سبعون سنة بعد ذلك، مازالت مطالب "أخوات الصفا" ومطالب أخرى تبنتها الحركات الحقوقية لاحقا، "مجرد ترف" أمام ما قرر البعض أنه أولوية!
متى سندرك أن الحقوق لا تصنف بشكل عمودي (هذا الحق أولى/أسبق من ذاك)، بل بشكل أفقي يمكننا من الدفاع عن حق النساء في الاستفادة من تعليم جيد ومن نظام صحي جيد، وتوقيف العنف ضدهن ومنع تزويج القاصرات ومكافحة الفقر في محيطهن... لكن أيضا الدفاع عن حقهن في اختيار الأمومة أو عدمها، في حياة جنسية صحية ومُرضية (سواء كنّ مثليات أو غيريات)، في المساواة في الإرث، في نقل اسمهن لأبنائهن وبناتهن، في الحديث بحرية عن آلام دورة الحيض وعن آلام الحمل والولادة خارج هالة التقديس التي يصر المجتمع أن يحيط بها الأمومة، وغيرها من الحقوق التي يعتبرها البعض ترفا!
أحدهم كتب، بدون أدنى إحساس بالخجل: "إذا كان الرجل لم يأخذ حقوقه، فكيف ستأخذ المرأة حقوقها؟"، في إيمان عميق منه بأن التراتبية ليست فقط في الحقوق، بل أيضا في الانتماء الجندري. حقوق الرجل أولا، ثم حقوق النساء!!!!
ثم، لعلنا أيضا نحتاج أن نتوقف قليلا لنتساءل: الرجل شريك للمرأة في مسار المطالبة بالحقوق، هذا مؤكد. لكن، من الغريب فعلا أن يعتبر بعض الرجال أن من حقهم تقرير ما هو أولوي وما هو دون ذلك، فيما يتعلق بحقوق النساء. من الغريب أن لا يعرفوا ولو نسبة قليلة من تفاصيل الحمل والولادة والدورة الشهرية ويقرروا في مدى أحقيتنا في الحديث عنها أو لا. من الغريب أن يستفيدوا اقتصاديا من تقسيم الإرث الحالي ويعتبروا النقاش فيه قابلا للتأجيل. من الغريب أن لا يعانوا من التغييب في هويات أبنائهم وجنسياتهم وفي الفضاء العام وأن يعتبروا الحديث عن التحرش أو عن نقل اسم الأم أو نقل جنسيتها لأبنائها في البلدان التي لم تمنح بعد هذا الجق للنساء، مجرد ترف لنسويات مدللات يبالغن في مطالبهن. من الغريب أن يعيشوا علاقاتهم الجنسية بهامش حرية أكبر من ذلك الذي تتمتع به النساء وأن يعترضوا على التوقيف الإرادي للحمل ماداموا غير معنيين بتبعات الحمل غير المرغوب فيه... وقس على ذلك في نماذج كثيرة.
لو كنت رجلا، لخجلت من كل هذا... أو ربما لا. لو كنت رجلا، لكنت ربما قد أستفيد من "السيستيم" وأعتبر كل هذه المطالب ترفا... مادامت المنظمومة الحالية في صالحي!

