النساء يعشن في المتوسط حوالي 5 بالمئة أطول من الرجال
النساء يعشن في المتوسط حوالي 5 بالمئة أطول من الرجال

الحريات الفردية؟ هذا مجرد ترف ضمن مجتمع يعاني فيه الأفراد من الفقر والأمية.

التغيرات المناخية؟ ليس هذا وقتها... المجتمعات المتقدمة استفادت في السنوات السابقة وأثرت على المناخ، والآن تريد من الدول الفقيرة أن تدفع الثمن.

المساواة في الإرث؟ أغلبية المواطنين فقراء وليس لديهم ما يرثوه أصلا.

نقل جنسية الأم لأبنائها في الدول التي لا تسمح بعد بذلك؟ نسبة النساء المتزوجات من أجانب في هذه الدول ضعيفة، وبالتالي فهو مطلب فئوي لن تستفيد منه الأغلبية. 

توقيف الخجل والعار بسبب الدورة الشهرية لأن كل النساء يعشنها ولأن لها أعراضا نفسية وجسدية يجب الحديث عنها بدون خجل؟ هذا مطلب غريب قد تكون له أهمية في المجتمع الأبيض الأوروبي ولا يعني مجتمعاتنا. لدينا خصوصية ثقافية يجب احترامها. 

حمل اسم الأم في هوية أبنائها وبناتها؟ هذا مطلب تافه لأن النساء يعانين من مشاكل أكبر وأهم. ثم إن ذلك يجعلنا نختصر الأم في مجرد اسم بينما هي أكبر من ذلك (هل يعني هذا أننا، حاليا، نختصر الأب في مجرد اسم، رغم أنه أكبر من ذلك؟). ثم، لو كان هذا الأمر مهما، لسبقتنا له النساء في الدول الاسنكندنافية. (هذه، بالمناسبة، بعض التعليقات الحقيقية التي توصلت بها منذ بضعة أيام، بعد إعلاني عن قراري بحمل اسم أمي وأبي في هويتي... رغم أن هذا لا يمنع أن الكثيرين والكثيرات (وهم أغلبية) تفاعلوا مع القرار إيجابيا وأخذوا مبادرات رمزية مشابهة أو أعلنوا عن كون التساؤل يخالجهم، بدورهم، منذ فترة؛ مما يعني أن الموضوع يستحق فعليا أن نطرحه للنقاش). 

في خمسينيات القرن الماضي، تأسست في المغرب جمعية حملت اسم "أخوات الصفا". من بين أهم مطالب هذه الجمعية، نجد ما يلي: منع تزويج القاصرات، إلغاء التعدد، إجبارية تعليم النساء، فتح أبواب الجيش في وجه النساء، تعيين لجان محلية نسوية بالمحاكم لكي تبث في الخصومات العائلية وتدافع عن حق المرأة؛ وغيرها من المطالب التي تهدف للدفاع عن حقوق النساء وكرامتهن.

حينها، اعتبرت الأحزاب السياسية أن كل هذا ترف لم يحن أوانه وأن الأساسي هو الدفاع عن استقلال المغرب من الحماية الفرنسية. بعد الاستقلال، كانت الأولوية، طبعا، لـ "البناء الديمقراطي"، لأن حقوق النساء ترف يمكن أن نؤجله لوقت لاحق... سبعون سنة بعد ذلك، مازالت مطالب "أخوات الصفا" ومطالب أخرى تبنتها الحركات الحقوقية لاحقا، "مجرد ترف" أمام ما قرر البعض أنه أولوية!

متى سندرك أن الحقوق لا تصنف بشكل عمودي (هذا الحق أولى/أسبق من ذاك)، بل بشكل أفقي يمكننا من الدفاع عن حق النساء في الاستفادة من تعليم جيد ومن نظام صحي جيد، وتوقيف العنف ضدهن ومنع تزويج القاصرات ومكافحة الفقر في محيطهن... لكن أيضا الدفاع عن حقهن في اختيار الأمومة أو عدمها، في حياة جنسية صحية ومُرضية (سواء كنّ مثليات أو غيريات)، في المساواة في الإرث، في نقل اسمهن لأبنائهن وبناتهن، في الحديث بحرية عن آلام دورة الحيض وعن آلام الحمل والولادة خارج هالة التقديس التي يصر المجتمع أن يحيط بها الأمومة، وغيرها من الحقوق التي يعتبرها البعض ترفا!

أحدهم كتب، بدون أدنى إحساس بالخجل: "إذا كان الرجل لم يأخذ حقوقه، فكيف ستأخذ المرأة حقوقها؟"، في إيمان عميق منه بأن التراتبية ليست فقط في الحقوق، بل أيضا في الانتماء الجندري. حقوق الرجل أولا، ثم حقوق النساء!!!!

ثم، لعلنا أيضا نحتاج أن نتوقف قليلا لنتساءل: الرجل شريك للمرأة في مسار المطالبة بالحقوق، هذا مؤكد. لكن، من الغريب فعلا أن يعتبر بعض الرجال أن من حقهم تقرير ما هو أولوي وما هو دون ذلك، فيما يتعلق بحقوق النساء. من الغريب أن لا يعرفوا ولو نسبة قليلة من تفاصيل الحمل والولادة والدورة الشهرية ويقرروا في مدى أحقيتنا في الحديث عنها أو لا. من الغريب أن يستفيدوا اقتصاديا من تقسيم الإرث الحالي ويعتبروا النقاش فيه قابلا للتأجيل. من الغريب أن لا يعانوا من التغييب في هويات أبنائهم وجنسياتهم وفي الفضاء العام وأن يعتبروا الحديث عن التحرش أو عن نقل اسم الأم أو نقل جنسيتها لأبنائها في البلدان التي لم تمنح بعد هذا الجق للنساء، مجرد ترف لنسويات مدللات يبالغن في مطالبهن. من الغريب أن يعيشوا علاقاتهم الجنسية بهامش حرية أكبر من ذلك الذي تتمتع به النساء وأن يعترضوا على التوقيف الإرادي للحمل ماداموا غير معنيين بتبعات الحمل غير المرغوب فيه... وقس على ذلك في نماذج كثيرة. 

لو كنت رجلا، لخجلت من كل هذا... أو ربما لا. لو كنت رجلا، لكنت ربما قد أستفيد من "السيستيم" وأعتبر كل هذه المطالب ترفا... مادامت المنظمومة الحالية في صالحي! 

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.