مصادر تتحدث عن اجتماع مرتقب بين بايدن وبن سلمان في نيودلهي ـ صورة أرشيفية.
قرار أوبك بلس يزيد الضغوط على العلاقات المتوترة بين الرياض وواشنطن

ارتفعت حدة التشنج السعودي- الأميركي هذا الأسبوع إلى مستوى غير مسبوق في العلاقة الاستراتيجية منذ السبعينات وقرار الدول العربية بحظر النفط يومها، بيد أن الأزمة هذه المرة تنذر بتعميق الفجوة بين الطرفين، وقد تهدد تحالفا استراتيجيا عمره أكثر من ٨٠ سنة. 

الأزمة هي بشأن قرار تحالف"أوبك بلس" منذ أسبوعين بخفض الإنتاج النفط الخام بمقدار مليوني برميل يوميا، وما وصفته المملكة بأنه "اقتصادي بحت"، والذي قرأته واشنطن وعواصم أخرى بأنه سياسي يخدم مصالح روسيا، ويستهدف الديموقراطيين، أي حزب الرئيس الأميركي جوزيف بايدن في الانتخابات النصفية المنتظرة في ٨ نوفمبر. 

وحدة الخلاف وصلت إلى حد اتهام البيت الأبيض للرياض يوم الخميس بـ"الالتفاف" على الحقائق ومحاولة "حرف مسارها".

وقال منسق الاتصالات الاستراتيجية في مجلس الأمن القومي الأميركي، جون كيربي، في بيان، إنه "يمكن لوزارة الخارجية السعودية أن تلتف وتحرف المسار، لكن الحقائق واضحة وبسيطة".  

وكان لافتا أن كيربي قال في بيانه إن: "دولا أخرى من أوبك تواصلت معنا (مع واشنطن) بشكل خاص وقالت إنها اختفلت مع القرار السعودي، لكنها دعمت توجه الرياض مكرهة".

وفي المقابل رفعت السعودية أيضا لهجتها، وأعربت ردا على واشنطن عن "رفضها التام للتصريحات التي لا تستند إلى الحقائق، وتعتمد في أساسها على محاولة تصوير قرار تحالف أوبك بلس خارج إطاره الاقتصادي البحت"، وقالت وزارة الخارجية إنه "قرار اتخذ بالاجماع…“. 

إلا أن مصادر دبلوماسية تؤكد أن الإجماع كان فقط في العلن وأنه خلف الكواليس لم يكن هناك توافق حول قرار "أوبك بلاس"، وأن أكثر من دولة خليجية امتنعت عن تحدي الرياض علنا، ولو أنها نصحتها في مكالمات خاصة بالتروي والانتظار فترة شهر قبل الولوج بهكذا قرار. 

واليوم، ونتيجة للقرار ولتحولات كثيرة بين العاصمتين في السنوات الأخيرة، تقف العلاقة على شفير عاصفة لن تهز سوق النفط بحسب، وأنما بشكل أكبر التحالف الأمني والسياسي التاريخي بين الجانبين.  

فإدارة بايدن تشعر بالإهانة خصوصا أن القرار جاء بعد زيارة الرئيس الأميركي في يوليو وعقب اتصالات وزيارات عديدة لمسؤولين أميركيين رفيعي المستوى للرياض في الأسابيع الأخيرة، وبالتالي فإن السياسة والعلاقات الثنائية ليس هناك اعتبار "اقتصادي بحت"، خصوصا عندما تكون هناك روابط أمنية وعسكرية واستخباراتية تاريخية بين الطرفين.

وإذا كانت حسابات السعودية هي التأثير بالانتخابات النصفية وهو أمر مستبعد كون أن التصويت قد بدأ في معظم الولايات وليس مبنيا على أسعار النفط بل على الواقع الاقتصادي وقرارات المحكمة العليا ورصيد دونالد ترامب ومرشحيه الذين يؤذون الحزب الجمهوري.  

واليوم تدرس إدارة بايدن الرد من ثلاثة أبواب: 

أولا، بتجميد مبيعات الأسلحة للسعودية، وهو ما يلاقي تأييدا من عدة نواب في الكونغرس من الحزبين، وينذر في حال إقرار مشروع السناتور، ريتشارد بلومنثال، بوقف هذه الصفقات ولمدة غير محدودة.

ففي ملف بيع الأسلحة يمتلك الكونغرس قوة استثنائية، وقد يلتقي الحزبان حول هكذا تشريع بسبب التذمر في أوساط الرأي العام من قرار" أوبك بلس".  

ومن المعروف أن أكثر من ٧٠ في المئة من السلاح السعودي هو أميركي، وبالتالي قد تجر هكذا خطوة من الكونغرس إلى أزمة وتباعد أكبر بين الطرفين.  

ثانيا، قد يلجأ الكونغرس الى إحياء مقترح تشريعي يُعرف باسم "نوبك" (NOPEC)، ويقضي بمعاقبة الدول التي تمارس ما يمكن اعتباره ممارسات احتكارية مرتبطة بقطاع النفط.

وأهمية هذا المشروع بأنه سيغير في حال إقراره من قانون مكافحة الاحتكار بالولايات المتحدة ليرفع الحصانة السيادية التي تحمي الدول الأعضاء في "أوبك بلس" وشركاتها الوطنية من المقاضاة.

والمشكلة في هذا الخيار أنه قد يضر الولايات المتحدة ومنتجي النفط والغاز في الولايات المتحدة نفسها وقد يهز أسعار البترول بشكل أكبر. 

ثالثا، هناك حديث عن إمكانية تخفيض التعاون الاستخباراتي وسحب القوات الأميركية والآليات العسكرية المتواجدة في السعودية  لحمايتها وحماية الخليج، ولكن هكذا تصعيد سيرتد عكسيا على الجميع وعلى أمن الخليج، وذلك في وقت تقترب إيران من تطوير سلاح نووي.

الخيار الأول بوقف المبيعات العسكرية للسعودية هو الأكثر ترجيحا من إدارة بايدن والكونغرس في هذه المرحلة بانتظار ما ستحمله التطورات الإقليمية والدولية للعلاقة المتأرجحة بين الرياض وواشنطن وبغض النظر عن نتائج الانتخابات النصفية والجداول الاقتصادية لدول منظمة أوبك.  

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.