احتجاجات إيران
صورة تعبيرية لنساء في احتجاجات إيران

ليس من الصعب ملاحظة حالة الصمت الملفع بالإحراج التي تلف بعض وسائل الإعلام وبعض النخب السياسية والثقافية العربية تجاه ما يجري في إيران من احتجاجات دخلت أسبوعها الرابع، رغم أن هذه الجهات نفسها لطالما تباكت وأبكت غيرها على لبن "الربيع العربي" المسكوب!  

لا يخفى أن هناك إحراج عام، فمن جهة سوف يعتبر دعم الاحتجاجات وقوفا ضد النظام الإيراني الذي تقوم بضاعته على معاداة الولايات المتحدة وإسرائيل، وبالتالي انتصارا لهاتين الدولتين، وهذا أمر لا تستسيغه الجماعات الإسلامية وبعض القوميين وبعض السلطات العربية.

ومن ناحية أخرى تجد هذه الجهات الكثير من الحرج إن هي حاولت الدفاع عن النظام الإيراني وأجهزته القمعية في وجه المحتجين السلميين، لذلك فهي تؤثر الصمت إلى حين انجلاء الموقف! 

لكن ما الذي سوف يحدث لو قدر للاحتجاجات الشجاعة والمنقطعة النظير التي تساهم فيها الإيرانيات هذه المرة بقسط وافر وأساسي في الإطاحة بالنظام الديني القرووسطي المتخلف؟ 

لنا أن نتخيل هذا السيناريو لنرى حجم الفائدة التي سوف تعم إيران والمنطقة وربما العالم أيضا. 

ففي إيران يعني سقوط هذا النظام إزاحة كابوس جثم على صدور  الشعب لأكثر من أربعين عاما،  وبالتأكيد هناك الكثير من الإيرانيين يندمون اليوم لأنهم أعطوا الخميني الموافقة على دستور يفرض "الشريعة الإسلامية" بما في ذلك إلزامية الحجاب. 

وفي الإقليم المجاور، أي الخليج سوف تتنفس الحكومات الصعداء لأنه لن يتعين عليها أن تواجه الخطط والمؤامرات الخبيثة للنظام الإيراني والهادفة إلى زعزعة الأمن والاستقرار في هذه الدول.

وأما المجتمعات المحلية وخاصة الشيعية منها فسوف تشهد تراجعا واضحا للأيديولوجية الدينية بين جنباتها، الأمر الذي يجعلها تستعيد حيويتها وتعظيم اندماجها المجتمعي.     

وفي المنطقة بشكل عام، سوف تفقد الميليشيات المسلحة والجماعات الإرهابية مثل تلك الموجودة في العراق وحزب الله اللبناني وحركة حماس والجهاد الإسلامي والحوثيين وغيرهم الداعم والممول لهم، وهذا سوف يحرر المجتمعات التي تسيطر عليها هذه الميليشيات، ويجعل منسوب الإرهاب ينحسر بصورة ملحوظة في المنطقة. 

وبالتالي، و المجمل العام فإن شكل المنطقة سوف يتغير باختفاء النظام الإيراني، وهنا علينا أن نتذكر أن الثورة الإيرانية جلبت معها ما عرف بـ "الصحوة الإسلامية" وبالتالي فإن معظم مظاهر الردة الحضارية اليوم في المجتمعات العربية والإسلامية تدين بقسط وافر إلى تلك الثورة. 

ولعل الحجاب الذي تثور الكثير من الإيرانيات ضده اليوم، كان هو أحد الثمار المرّة لتلك الثورة، فقبلها لم يكن له من أثر، أو بالأحرى لم يكن سلاحا في يد جماعات الإسلام السياسي مثلما هو الحال الآن. 

وعليه، فإن الإيرانيين والإيرانيات، بما في ذلك طلاب وطالبات المدارس والجامعات الذين يواجهون بصدور عارية أجهزة القمع الإيرانية، هم في الواقع يقدمون خدمة جليلة للبشرية جمعاء. 

فتغيير النظام الديني القرووسطي المتخلف في إيران هو خدمة للإنسانية وللسلام والاستقرار في المنطقة والعالم.  

ويمكننا أيضا أن نضيف إلى ذلك أنه خدمة لقيم الحداثة والمنطق العلمي، حيث إن النظام الإيراني شجع وبصورة حثيثة الخرافات ونظريات المؤامرة، وهو في حد ذاته يقف دليلا واضحا على أن النكوص باتجاه أشكال الحياة الأكثر تخلفا واستبدادا باسم الدين هو أمر ممكن، لاسيما في هذا الجزء من العالم. 

وعلينا ألا ننسى أن دولة داعش التي أقامها التنظيم الإرهابي في أجزاء من العراق وسورية كان يمكن لها أن تنتصر وتعم المنطقة لولا عزيمة التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة وعزيمة العراقيين والأكراد التي وضعت حدا لهذه الدولة ووأدتها في مهدها، وكان هذا من حسن حظنا جميعا.    

ويبقى أن أقول إن مشكلة النظام الإيراني لا تكمن فقط في الاستبداد السياسي، رغم أهمية ذلك، فهو من هذه الناحية لا يختلف عن سواه من الأنظمة في المنطقة سوى في الدرجة فقط.

فالاستبداد هنا هو القاعدة وليس الاستثناء، إذ تغذي الثقافة السائدة والدين بيئة العنف في المنطقة على نحو مستمر ومتصاعد.  

لكن مشكلة النظام الإيراني الكبرى هي أنه يجمع إلى الاستبداد السياسي الاستبداد الديني أيضا، أو بصورة أدق الاستبداد باسم الله أو باسم الدين، وهذه مشكلة حقيقية في عالمنا المعاصر. 

إنها تشبه دخول الفيل إلى متجر الخزف، فهو لابد أن يكسر بعض الخزف حيثما تحرك، وربما قد يدمر المتجر بأكمله. 

إن وجود نظام ثيوقراطي إلى جانب الاستبداد السياسي ينتج وصفة مسمومة للمجتمع بأكمله، والنظام الإيراني أسس للاستبدادين، واحد باسم الطائفة وآخر باسم الثورة، ليمسي حكما مطلقا، تتغير الوجوه فيه دون أن يتغير جوهره أو خطابه. 

ولذلك، فإن تغييره يعطي دفعة متقدمة لجميع المفاهيم والقيم المعاكسة له.  

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.