"فهم القرآن من خلال فهم المقاصد بدلاً من الفهم الحرفي قد ينقل الفكر الإسلامي لمرحلة أخرى من الفهم الإنساني".

يقرأ كثيرون آيات القرآن الكريم بصورة حرفية قد تسبب العديد من المشاكل لأن الفهم الحرفي للآيات قد يتعارض مع مبادئ القرآن، وقد يتناقض تماماً مع روحه الحقيقية. 

وقديماً كتب في الإنجيل أن الحرف يقتل، أي أن الحرفية الشديدة في الفهم قد تتسبب في قتل إنسان.  

ولكى نفهم هذا المبدأ، لنتصور سوياً أن الرسول عليه السلام كان يسير ذات يوم مع مجموعة من أصحابه ووجد إنسانا يموت عطشاً فى الصحراء، فقال لمن حوله آية قرآنية بهذا المعنى: "إذا رأيتم إنسان عليلاً فإسقوه ماء". وهنا نسأل أنفسنا سؤالين:

السؤال الأول : ما هو الأمر الذى أمر به الرسول أو أمرت به الآية القرآنية؟ 

السؤال الثاني: ولماذا أمر الرسول أو القرآن بذلك؟ 

والإجابة على السؤال الأول هو أن أمر القرآن كان أن نسقي الإنسان العليل ماءً. 

و الإجابة على السؤال الثانى هو أن القرآن أمر بفعل ذلك لكي ينقذ حياة إنسان ونفس بشرية عملاً بقوله تعالى {أنه مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا {سورة المائدة:32}.  

ولننتقل الآن إلى عصرنا الحالي، و لنتصور معاً أن هناك إنساناً أمامنا الآن يموت من غيبوبة سكر وأمامنا رأيان :الرأى الأول يقول أن علينا أن نتبع القرآن حرفياً و أن نسقيه ماءً ( مع العلم بأن إعطاء الماء عن طريق الفم فى حالات الغيبوبة قد يتسبب فى موت الإنسان !).  

والرأي الثاني يقول أنه علينا أن لا نأخذ على الإطلاق بالفهم الحرفي، وأن ننفذ الهدف من الأمر القرآني ألا وهو إنقاذ حياة الإنسان وفي هذه الحالة فإننا لابد أن نعطيه محاليل عبر الوريد ومادة الإنسولين بدلاً من إعطائه ماء عن طريق الفم لأن ذلك قد يتسبب فى مقتله.  

فأي من الرأيين تراه إتباعا حقيقيا لأمر القرآن: هل من ينفذ أمر الآية القرآنية حرفياً فيعطيه الماء بالفم فيقتله، أم من لا ينفذ الأمر بصورة حرفية ويعطيه بالتبعية علاج آخر فينقذ حياته؟ 

وبالقطع فإن الرأي الثاني هو الذي يتفق مع ما أراده القرآن ومع روح القرآن كما ذكرنا في الآية الكريمة {أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا {سورة المائدة:32}.  

و هذا المبدأ نستطيع تطبيقه فى فهم الكثير من الآيات. فمثلاً قد يفهم البعض أن الآيات التي تعطي للزوجة حق الميراث على أنها مجرد آية لتحديد نسبة الزوجة فى ميراث زوجها وقد يرى آخرون أن هذه الآيات هي دلالة على أن هدف القرآن وقت نزوله هو أن يعطي المرأة المزيد من الحقوق وبالتبعية فإن علينا إن أردنا إتباع هذا الهدف القرآني أن نعطي المرأة المزيد من الحقوق فى عصرنا الحالي كي نتأسى بروح القرآن. 

وطريقة فهم القرآن أمر في غاية الخطورة لأن الفهم الحرفي قد يتناقض تماماً مع أسسه ومبادئه. فعلى سبيل المثال فإن فهم آيات الحرب والقتال أن هدفها هو نشر الدين هو أمر يتناقض تماماً مع قوله تعالى "ٱادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ ۖ " (سورة النحل آية 125). أما إذا تم فهم آيات الحرب والقتال فقط على أنها لدفع عدوان بناء على قوله عز وجل "وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ اٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓاْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ" (سورة البقرة آية 190)  فإن الأمر قد يختلف تماماً.   

وباختصار شديد، فإن فهم القرآن من خلال فهم المقاصد بدلاً من الفهم الحرفي قد ينقل الفكر الإسلامي لمرحلة أخرى من الفهم الإنساني لإرساء مفاهيم التعايش السلمي مع الآخرين ولإطفاء نيران الفهم الحرفي الذي تسبب في كوارث عديدة باسم الدين.