إسرائيل ماضية قدما في استخراج الغاز من حقل كاريش
جانب من حقل كاريش (أرشيف)

رغم أنّ الأكثريّة في لبنان تنفّست الصعداء، عندما انقشعت الغيوم التي حامت في الشهرين الأخيرين فوق خطوط الترسيم البحري مع إسرائيل بوساطة أميركية ناشطة، إلّا أنّ قلة، مكوّنة بغالبيتها من المحازببن، تعاطت مع الاتفاق على قاعدة أنّه انتصار.

في حين أنّ الآخرين، سواء كانوا من أنصار المواجهة أو المهادنة، رأوا فيه هزيمة لأنّه برأيهم، ولو أعطى "بلاد الأرز" نسبة أكبر من المتوقع في الخط ٢٣، إلّا أنّه كرّس تنازل لبنان عن "حقّه" في الخط ٢٩ الذي يقع فيه حقل كاريش الغازي الغنّي جدًا، والجاهز للاستثمار.

و"الإحباط" المعبّر عنه في لبنان لا يقتصر على هذه المسألة فقط بل هو يمتد، أيضًا على مساحة إشكاليّتين: الأولى سياسية-اقتصادية والثانية استراتيجية.

وتتمحور الإشكالية  الأولى حول طبقة حاكمة ترفع اليوم رايات الانتصار سبق أن  عرقل أركانها الحاليون، تحت شعارات التخوين، كلّ محاولات الترسيم ليس مع إسرائيل فحسب بل مع قبرص وسوريا أيضًا.

وعندما يرفع هؤلاء اليوم رايات الانتصار لا يكترثون لكون ما حصدوه في اتفاق الترسيم لا يختلف كثيرًا عمّا كان يمكن حصده على مدى ثلاث عشرة سنة مضت، فهم يتجاهلون  أنّ دورهم المركزي في عرقلة كلّ المحاولات السابقة للترسيم، حال دون أن يكون لبنان اليوم قادرًا على استخراج الغاز من "حقل قانا" في حال وجود كميّة استثمارية، وتاليًا ضخّ العملة الصعبة في اقتصاده المنهار، كما هي حال إسرائيل مع حقل كاريش.

أمّا الإشكاليّة الثانية فتتمحور حول خلفيّة موافقة "حزب الله" التي وقفت وراء موافقة السلطات اللبنانية المختصة على هذا الاتفاق، إذ لا يناقش أحد في احتمال أن يكون هذا الحزب الذي تسلّحه ايران حتى أسنانه قد ضعف نسبيًا وتراجعت قدرته على  خوض الحرب، بسبب التغييرات الجيو سياسية.

وما يهتم به اللبنانيون، على اختلاف انتماءاتهم، هو الثمن الذي سوف يقبضه "حزب الله"، انطلاقًا من قدرته على "العطاء الإقليمي"،في الداخل اللبناني، فكثيرون يرون أنّ الوساطة الأميركية التي دخلت على خط دعمها الادارة الفرنسية التي تحافظ على قنوات تواصل قويّة مع "حزب الله" وإيران، قد أقامت اتفاق هدنة سرّيًا بين "حزب الله" بمباركة إيرانية، وبين إسرائيل التي أصبحت حاجة استراتيجية للاتحاد الاوروبي الباحث عن مصادر غاز تعوّضه، ولو جزئيًا، عن حرمانه من الغاز الروسي.

وهذا الاتفاق الذي لا بدّ من أن يضعف وظيفة "حزب الله" الاقليمية، بعدما اختلفت الطبيعة الجيو استراتيجية للجنوب اللبناني، سوف يقبض الحزب ثمنه، بحصوله على موافقة دوليّة على تكريس نفوذه في الداخل، لأنّ رعاية اتفاق الترسيم بصفته اتفاق هدنة تحتاج الى أقوى طرف في لبنان، وهو يتمثّل، حتى إشعار آخر، بـ"حزب الله".

وهذا يثير المخاوف من أن تُكرّس لـ"حزب الله" الكلمة الأساسية في انتخاب رئيس الجمهورية، وبعد ذلك في اختيار رئيس الحكومة وغالبية أعضائها.

وإذا تعثّرت إمكانية إنجاز هذا "التسليم" في المرحلة الراهنة، فسوف يتم إرجاء المواعيد حتى تلين، بضغوط غربية، القوى التي ستقف عائقًا دون ذلك.

وقد استبق البطريرك الماروني، بشارة الراعي، الذي يضغط من أجل رئيس يحول دون تغيير وجه لبنان وطبيعته ليكونا وفق ما يتطلّع اليه "حزب الله"، اتفاق الترسيم وحذّر من "صفقات خارجية" على حساب لبنان، إذ قال، في التاسع من اكتوبر الجاري:" فيما يقدر شعب لبنان مبادرات الدول الصديقة، يهمه أن تصب هذه المبادرات في خلق مشروع حل لبناني متكامل يحسن علاقات اللبنانيين ببعضهم البعض، لا أن تحسن علاقات هذه الدول الأجنبية ببعض المكونات اللبنانية على حساب أخرى، ولا أن تحسن علاقاتها بدول إقليمية على حساب لبنان".

وفي محاولة لتأكيد الجهة التي استهدفها الراعي في كلامه، قالت شخصية سياسية على صلة بالبطريرك الماروني إنّه وجّه كلامه إلى فرنسا التي تزور وزيرة خارجيّتها، حاليًا لبنان، على خلفية اعتقاده بأنّها تنجز صفقة مع "حزب الله" لإيصال مرشح من اثنين يناسبانهما معًا الى القصر الجمهوري خلفًا للرئيس الحالي ميشال عون الذي تنتهي ولايته في الحادي والثلاثين من أكتوبر الجاري.

وينظر كثيرون بريبة إلى التواصل الفرنسي مع "حزب الله"، إذ كان قد أثمر، في الأشهر القليلة الماضية، تلزيم مرفأ بيروت، بعد انفجاره في الرابع من اغسطس ٢٠٢٠ إلى شركة فرنسية، برعاية وزير النقل اللبناني علي حميّة الذي كان "حزب الله" قد طلب تعيينه في هذا المنصب.

ولم يتردّد مسؤول في الخليّة الدبلوماسية في قصر الإليزيه عن الإقرار بدور تلعبه بلاده مع "حزب الله"، إذ صرح بفي تعليقه على اتفاق الترسيم مع إسرائيل: "إنّ هذا الاتفاق يؤكد أن حزب الله اختار التفاوض، وفرنسا لديها حوار متطلب مع حزب الله، وهي تستمر فيه لأنه يتيح لها أن تساهم في السلام والأمن للبلد".

ولا يرى العارفون بحقائق الأمور مصلحة لبنانية حقيقية في تسليم بلدهم إلى "حزب الله"مقابل "حقل قانا"، لأنّ دراسات الجدوى تظهر أنّ هذا الحقل، وفي حال كانت فيه كميّة استثماريّة كافية لن يقدّم للبنان مالًا وفيرًا، لأنّ أرباحه المتوقعة، بأسعار اليوم، ستتراوح بين ثلاثة وخمسة مليارات دولار أميركي على أن تذهب ١٧ بالمائة منها الى إسرائيل، وفق مقتضيات اتفاق الترسيم.

وعليه، فإنّ كثيرين في لبنان ينظرون بعين الريبة إلى اتفاق الترسيم لأنّه، ومن أجل توفير الأمان لمصادر الطاقة في إسرائيل، سوف يسلّم لبنان إلى "حزب الله".

ولكن هل هل هذا صحيح؟.. في الواقع هذه المخاوف منطقية وتحتاج إلى جهد حقيقي لإزالتها، لأنّ "حزب الله" لو كان فعلًا مهتمًا بتوفير موارد للبنان، لكان ضغط من أجل ترسيم الحدود مع حليفه السوري الذي يضع يده على مساحة مهمة من حقوق لبنان البحرية، ولكان رئيس الجمهورية، ميشال عون, بالتعاون مع رئيس مجلس النواب نبيه برّي قد نشّطا مشروع اتفاق الترسيم مع قبرص والنائم، منذ سنوات طوال، في الأدراج. 

وعليه، فإنّ "حزب الله" وحلفاءه قد لا يكونون مخطئين إذا رفعوا رايات النصر، ولكن ليس على أساس مكتسبات سيادية على حساب إسرائيل، ولا على أساس "المنّ والسلوى" اللذين سوف يهبطان على اللبنانيين،  بل على أساس حلم تكريس سيطرتهم على لبنان مقابل الثروات الأكيدة  التي سوف تحصدها إسرائيل من حقل كاريش بداية ومن حصولها على اتفاق هدنة جديد مع لبنان بضمانة "حزب الله"، هذه المرّة.

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.