استطلاع يكشف تصاعد المواقف العنصرية تجاه المهاجرين لدى الشباب المغاربة
استطلاع يكشف تصاعد المواقف العنصرية تجاه المهاجرين لدى الشباب المغاربة

في الأسبوع الماضي، كنت ضمن ركاب رحلة جوية متجهة ليلا من مطار "صبيحة كوكجن" الدولي بإسطنبول إلى مطار محمد الخامس الدولي بالدار البيضاء. وصادف أني حجزت لأول مرة على متن شركة طيران خاصة من الصنف المنخفض التكلفة.

قبل السفر أخبرت صديقا لي في الدار البيضاء، فتطير من اسم الشركة مذكرا بالفضيحة الإسرائيلية في التجسس على الصحفيين والشخصيات العامة، بواسطة تطبيق يحمل نفس الاسم.

ليس مستغربا لجوء شركة الطيران التركية إلى تسمية "بيغاسوس"، وتوظيف "لوغو" الحصان المجنح شعارا لها، يرمز للأسطورة المستوحاة من ميثولوجيا الإغريق. كما أن للاسم صلة بواحات الشعر لدى قدماء اليونان.

فما الصلة يا ترى بين اختراق الأحاسيس بعبقرية الشعر وتقنية الاختراق التجسس؟َ!

لا بأس أن نستحضر أن كلمة "العبقرية" ترجع إلى وادي عبقرٍ في الجزيرة العربية، قيل عنه إنه كان مملكة للجن من ذوي الذكاء الخارق، وأن الجن كانوا يلهمون شعراء عصر الجاهلية بالشعر. لكن الجن الإسرائيلي يلهم اليوم "شعراء المخابرات" بمعلومات عصية على استيفائها بسهولة، فتحول المجنح إلى المتهم رقم واحد عالميا بتهمة التجسس على هواتف النخب والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان بأكثر من بلد. وقصة اتهام السلطة المغربية بالتورط في التجسس على صحفيين وحقوقيين، وعلى مسؤولين كبار في فرنسا واسبانيا، قصة غير بعيدة، لا زالت آثارها وذيولها تتداعى.

عند وصولي إلى قاعة الإركاب في "مطار صبيحة"، فوجئت بالعدد الكبير من المسافرين المتوجهين إلى الدار البيضاء على نفس الرحلة. لاحظت أن أغلبهم شباب مغاربة، دون الثلاثين. دفعني الفضول المهني أن أحادث من جلست بجانبهم. بالصدفة كانوا مجموعة تنتمي إلى شرق المغرب، من وجدة وبركان، وأيضا من مكناس وبني ملال. جميعهم يتحسرون بألم وغبن على فشل تحقيق مشروعهم "الحياتي" وتضييع الفرصة.

سأعرف سريعا أني في حضرة مرشحين فشلوا في "الهجرة غير الشرعية"، وأن بقية من يملؤون قاعة الانتظار الكبيرة بالضجة والصخب هم كذلك.

تحدث الشاب الملالي عن محنة المغامرة وسط غابات بلغاريا، وعن سقوط أعداد من مغامري الهجرة غير الشرعية بين يدي مافيا الاتجار بالبشر، الذين يعرضون قسرا على الضحايا تقديم خارطة الطريق بأسهل المسارات وسط أدغال الغابات الموحشة، للوصول إلى غرب ووسط الاتحاد الأوروبي. قال إن المافيا تلزم ضحيتها أن يتصل بعائلته والطلب منها إرسال مبلغ مالي يصل إلى الخمسة آلاف يورو، وإذا لم يصل التحويل المالي في غضون الأجل المحدد، يطلقون الرصاص على جمجمة المعني أمام الجميع. وأضاف أن مافيا تجار البشر من جنسيات متعددة، تركية ومصرية وأفغانية وسورية وصربية. بل إنه ذكر تورط عناصر فاسدة من حرس الحدود البلغار والأتراك.

وتحدث الشاب البركاني عن عنف مفرط من الدرك التركي ومدى إمعانه في إذلال وعنف الشباب الراغبين في عبور الحدود من تركيا للانتقال إلى الاتحاد الأوروبي. قاطعه رفيقه المكناسي قائلا إن حافلات البوليس التركي المركونة في "ساحة تقسيم" وسط اسطنبول، يجري شحنها يوميا بالمئات من المهاجرين غير الشرعيين، جلهم من المغرب، حيث يساقون إلى مراكز الأمن، وبعدها يوجهون إلى المطارات خارج تركيا.

ورأيت شبابا آخرين يتبادلون الأحاديث بسرد معاناتهم، وهم كمن يحكون طرائف ساخرة، يتكلمون عن وقائع صادمة، شتائم وركل وضرب وعض كلاب بوليسية، وسرقة ممتلكات المهاجرين، وعن هتك أعراض نساء من طرف حرس الحدود. وكان الشبان يضحكون، فكثرة الهمّ تضحك، كما يقول المثل.

تأخر الإقلاع حوالي ساعة، أعلنوا عن ذلك في لوحات ضوئية وبمكبرات صوت، لكن حدث ذلك فقط باللغة التركية التي لا يفهمها جيدا جميع ركاب رحلة "بيغاسوس" المغربية. ثم جاء الشاب المكناسي يسأل عن بلد يسمى "دُحَ"!.. فقد رأى مسافرين يتجهون نحو بوابة مجاورة كتب عليها هذا الاسم. شرحت له أن الأمر يعني "الدوحة" عاصمة قطر، هنا انفرجت أساريره وانتفض فرحا، وقال إن المغرب يشارك في تنظيم كأس العالم لكرة القدم 2022، مؤكدا كلامه بصور شاهدها على الإنترنت لمدير الأمن الوطني عبد اللطيف الحموشي مع أمنيين قطريين، وأضاف مخبرا بوصول الأفواج الأولى من البوليس المغربي إلى العاصمة الخليجية. وقال إن المغاربة لن تفرض عليهم التأشيرة لحضور مباريات المونديال.

وانتقد آخر الغلاء في تركيا، قال: في المغرب يمكن لك أن تتعشى بعشرة دراهم (دولار واحد). فتملكني العجب من مثل هؤلاء المواطنين الأبرياء ومدى افتخارهم ببلد تخلى عنهم وتلقي بهم سياسة حاكميه إلى أخطار الموت والمجهول. لم أحتج وقتا لأعرف أن معظمهم من ضحايا الهدر المدرسي، لم يتلقوا كامل سنوات التعليم الأساسي، وعندما أشرت إلى مقولة للإمام علي بن أبي طالب حول الغربة والوطن، سألني واحد منهم عن علي بن أبي طالب، أجبته ألا تعرفه؟ رد بـ"لا"، فقلت له إنه لاعب كرة قدم، عاد ليسأل هل يلعب لنادي الوداد أم لغريمه نادي الرجاء؟ أما صاحب عشاء 10 دراهم فسأله الذي معه لماذا هربت إذن من بلد الرخاء لتعرض روحك في مهب الردى؟  

لما حان وقت صعود الطائرة حدثت ضجة كبرى، زحام وتدافع لا يوصفان، لم ينفع صياح موظفة المطار المكلفة بمراقبة الجوازات وبطاقات السفر، ثم جاء رجل أمن تركي لمساعدتها، صاح الرجل بأعلى صوته حتى جحظت عيناه، وبانكليزية متلعثمة: "كازابلانكا.. صف واحد.. من فضلكم".. لكن لا حياة لمن تنادي. التفت شاب لرفيقه وخاطبه: "وهل نحن أصحاب صف؟.. ما أجهله". ليستمر تدافع حوالي 240 راكبا بسعة مقاعد طائرة الإيرباص الضخمة.

سأكتشف أن الطائرة لا تشتمل على مقاعد الدرجة الأولى، وأن المقاعد الأمامية يشغلها صنف آخر من الركاب، مسافرون من إسرائيل، بضعة نساء ورجال، ربما يتحدرون من جذور يهودية مغربية. تذكرت ما قرأته سابقا عن نوع السياح الإسرائيليين الذي يزورون المغرب، لا شك أن هؤلاء منهم، يسافرون مع شركات طيران منخفضة التكلفة، علما أن خدمات الطيران الاقتصادي بالمقابل، لشراء وجبة أو مشروب عليك أن تدفع بالعملة الصعبة. كانوا يترددون على المرحاض ويعودون بقنينات بلاستيكية بها حاجتهم للشرب. الأمر ذاته الذي فعله باقي الركاب ممن كانوا مرشحين للهجرة غير القانونية.

قبيل أيام قرأت للصديق الصحفي اللبناني جورج الراسي، (من مؤسسي صحافة المهجر الباريسي) تدوينة اقترح فيها إنشاء "وزارة شؤون الهجرة غير القانونية". تذكرت التدوينة ورأيتها صائبة، بالرغم من أن جورج الراسي، كواحد من العارفين بالشؤون المغاربية، أرادها سخرية سوداء.

في السابق عرف رواد الهجرة غير الشرعية عبر ركوب قوارب الموت عبر مضيق جبل طارق، ثم بعدها ظهرت سواحل الصحراء الغربية بالجنوب، حيث الوجهة "لاس بالماس"، وبالموازاة تحولت ليبيا إلى معبر للهروب، يسافر إليها "الحراكة" للوصول إلى جزيرة لامبيدوزا بإيطاليا، وهناك حكايات مماثلة عن تجارة البشر تقودها المليشيات المسلحة الليبية.

لكن البوابة التركية نشطت أكثر بعد الحرب الروسية الأوكرانية، ووصلت أخبار "سعيدة" عن نجاح سالكيها للانتقال إلى منطقة الاتحاد الأوروبي، عبر اجتياز الحدود التركية البلغارية والمشي أياما على الأقدام وسط أدغال غابات بلغاريا. ما جعل أعداد الساعين إلى الهروب من أوضاعهم الحياتية في بلدانهم، تتوافد على تركيا، وكثر التوجه إليها بالنسبة للشباب المغربي كمعبر إلى الاتحاد الأوروبي بحثا عن حياة أفضل. ولأن السلطات التركية لا تفرض التأشيرة على المغاربة، فإن المشي أياما في الغابات مهما صعب، أضمن من مغامرة الإبحار على قوارب مهددة بالهلاك المبين. لكن "الحراكة" أضحوا بين كماشة الحرس الحدودي في بلغاريا وتركيا، وأنياب متعددة الجنسيات لمافيا الاتجار في البشر.

"وزارة شؤون الهجرة غير الشرعية"، ربما ستكون أنجح وزارة في الحكومة المغربية، خاصة إذا اعتمدت برامج عملية تساهم في تيسير الهجرة أمام جحافل الشباب اليائس، فلو فتح باب الهجرة لما بقي واحد في هذه الأرض السعيدة المباركة، والقصد لا يخص الشباب والعاطلين عن العمل فقط، بل حتى العاملين والموظفين وكبار السن، وسنقرأ لافتة: "المغادر الأخير لـ"أجمل بلد في العالم" يطفئ النور وراءه".

لن يحير المرء في اختيار بروفايل الوزير المرغوب فيه لتولي هذا المنصب، فالأسماء وفيرة من بين وزراء الحكومة الحالية، إذ كل أعضائها ببرامجهم وكفاءاتهم "وزراء "سوبير" للهجرة غير الشرعية". نكتفي بوزير العدل عبد اللطيف وهبي (الأمين العام لحزب "الأصالة والمعاصرة")، الذي وهبه الله مواهب متعددة، منها دعوته إلى عدم متابعة ناهبي المال العام و"معرفة ألوان الجوارب في أقدام أصحابها". أما زميله الآخر وزير الشؤون الثقافية المهدي بنسعيد، الذي منع مبلغا هزيلا عن ثمانية مثقفين حصلوا على جائزة المغرب السنوية، إذ لم تعجبه رسالتهم الاحتجاجية ضد الاقتطاع من مبلغ الجائزة، في الوقت الذي سارع فيه إلى منح ميزانية محترمة لمغني راب متهور، (حتى لا نقول وصفا آخر)، لأنه كما قال عنه الوزير، له ملايين المتابعين على اليوتيوب، لكن الوزير صمت لما صعد صاحبه "الرابور" إلى منصة مهرجان وبيده قنينة ويسكي، وقبلها صرح مفتخرا أنه يدخن الحشيش، وقال في ندوة صحفية نظمها له الوزير بنسعيد بالرباط، أن "المغرب منبع للحشيش". لكن وزير العدل وهبي هوّن الأمر واعتبره مجرد زلة لسان تخص صاحبها، وأضاف يجب علينا التغاضي عنها ما دام الفنانون فئة من الصعب مراقبة تصريحاتهم، وأن من عليه الاعتذار هم من أقاموا هذه الضجة حول عبارة عابرة لفنان، والمهم بالنسبة لوهبي أن من حضروا المهرجان "نشطوا"، و"دعونا نفرح و"ننشط" فلم نفرح منذ جائحة كورونا".

لم تنته الحكاية هنا، بل تلتها مباشرة فضيحة تالية، لإحداهن فتحت قناة يوتيوب برفقة زوجها، وهي حسب فيديوهات سابقة تعترف فيها بأنها من ضحايا شبكات الدعارة. ولأن الغاية هي حصد أكبر عدد من المشاهدات، فقد صورت المعنية نفسها وهي تقضي حاجتها في المرحاض، ثم فرجت العالم على ألوان صناعتها البيولوجية. هنا تدخلت النيابة العامة واعتقلتها مع زوجها بتهمة خدش الحياء العام. فبادر إلى التضامن معها إلْكراندي طوطو، وهو مغني الراب الذي يروج للمخدرات، وقد أعار لقبه لوزير الثقافة الذي أصبح الناس يسمونه باسم "الوزير طوطو".

لكن هناك ما هو أكبر من خدش الحياء العام، هناك الاعتداء على العقل العام، وضرب الحق العام، واغتصاب الحريات العامة، والهتك الشنيع لعرض الديمقراطية وللقيم الأخلاقية والمثل الإنسانية.. وكلها ملفات ساخنة فوق طاولة "وزراء الهجرة غير القانونية"، للنظر في تطويرها وتنميتها، بإشاعة مزيد من خيبة الأمل لدى الطبقات الشعبية، السبيل الأنجع لهزم أعداء الاستبداد وأمن الوطن(!). 

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.