تفجير جسر القرم حدث مفصلي كبير وهام في مسير الحرب الروسية على أوكرانيا
تفجير جسر القرم حدث مفصلي كبير وهام في مسير الحرب الروسية على أوكرانيا

في الخامس من أكتوبر الجاري، التقى الرئيس الروسي مع وفد من المعلمين بمناسبة يوم المعلم العالمي وقال أمامهم إن روسيا "تكن احتراماً كبيراً" للشعب الأوكراني رغم الوضع الحالي. وهو كلام سرعان ماتبدد في الهواء بعد ثلاثة أيام مع ردود فعل الجانبين الروسي والأوكراني عقب نسف جسر كيرتش الواصل بين البر الروسي وشبه جزيرة القرم التي احتلتها روسيا وضمتها في 2014.

فما إن أعلن عن خبر تفجير الجسر ثم تلاه مقطع الفيديو الذي التقط لحظة الانفجار المهول، بدت البهجة شديدة وجلية لدى الجانب الأوكراني حكومة وشعباً، وتناقلت الأخبار المصورة بعد ساعات لقطات حية للأوكرانيين في شوارع كييف وهم يقفون مع أطفالهم لالتقاط صور تذكارية أمام ملصق كبير وضع في أحد شوارع العاصمة ويُظهر صورة الجسر المتفجر، في رسالة شعبية صريحة وعفوية ردت على طريقتها على "الاحترام الشديد" "الذي تكنه روسيا لهم.

من جانبها، ترجمت روسيا احترامها الكبير في الليلة ذاتها عبر قصف عنيف لزاباروجيا، أعقبته صبيحة العاشر من أكتوبر بوابل من الصواريخ التي استهدفت البنى التحتية في عدد كبير من المدن الأوكرانية، كان أعنفها في العاصمة كييف. وتسببت صواريخ الغضب الروسي بأضرار بالغة في البنى التحتية والمنشآت الحيوية، وعطلت تصدير الكهرباء، وكدست آلاف المدنيين المذعورين في مترو الأنفاق، وأرجأت إلى حين أعمال الإغاثة للمنظمات الدولية، وكانت حصيلة هذا اليوم الدموي 11 قتيلاً وعشرات الجرحى من المدنيين. 

في واقع الأمر، تفجير جسر القرم حدث مفصلي كبير وهام في مسير الحرب الروسية على أوكرانيا، وضربة موجعة وجهت لحلم موسكو الكبير، والجسر أحد تجليات هذا الحلم. ومن حيث المبدأ، تمنع جميع الأعراف والمواثيق الدولية وتدين استهداف المنشآت الحيوية والبنى التحتية خلال الحروب، والجسور واحدة من المنشآت الحيوية، يعتبر استهدافها جريمة حرب في مقاييس المحاكم الجنائية الدولية، وفي حال طالب المتضرر بالعدالة الانتقالية بعد انتهاء الحرب. 

لكن روسيا كانت سباقة في هذا الصدد، بل إنها لا تزال تتجاوز هذه الأعراف الدولية في حربها على أوكرانيا وتضرب بها عرض الحائط. حيث قامت بتدمير ممنهج للبنى التحتية في معظم مساحة الأراضي الأوكرانية، ولم توفر آلتها الحربية لاجسوراً ولا سككاً حديدية ولاطرقات. ولم تراع حرمة المشافي والمدارس والأبنية السكنية. ولم تتردد في تدمير قطاعات حيوية للوقود وللكهرباء والغاز والتدفئة والماء. فإن كان تفجير جسر القرم قد أوجع موسكو إلى هذا الحد، فقد سبق لها أن أوجعت الأوكرانيين بأضعاف مضاعفة.

دون أن يكون المقصد من هذا الكلام أن الأوكرانيين هم من فجر جسر القرم انتقاماً من موسكو حتى لو أسعدهم، كما أنه لم يصدر حتى الآن أي تبن رسمي للعملية من الجانب الأوكراني. كل ما في الأمر بضع تصريحات تضمنت "الشماتة" والابتهاج، لايصح تفسيرها  بوصفها إقراراً ضمنياً بالمسؤولية الأوكرانية، والأعمال والتصريحات الحربية أو السياسية تؤخذ بالأدلة، ولاتحتسب بالنوايا أو المشاعر أو بما يضمره الأفراد.

يعتبر جسر القرم أو جسر مضيق كيرتش المنجز والذي تم افتتاحه 2018، مشروعاً تاريخياً يعود إلى بدايات القرن العشرين، جمع-كفكرة- ذات يوم بين رغبات الروس والأوكران معاً كرابط مادي وحيوي يقرب المسافة بينهما حين كانت العلاقات المشتركة صافية وطيبة. لكن سلوك موسكو العدائي اتجاه أوكرانيا منذ سنوات، ثم احتلالها لشبه جزيرة القرم وضمها، قلب المعادلة السياسية بين الجانبين، ودق إسفين العداء بينهما. 

وحين باشرت روسيا بالمشروع من جانبها عام 2015، أدانت الحكومة الأوكرانية الأمر ولم تعترف به لأنها لم تعط موافقتها، واعتبرت الجسر غير قانوني لأن جزءاً منه يقع على الأرض الأوكرانية في شبه جزيرة القرم التي ضمتها موسكو  وبالتالي يعتبر غير شرعي بنظر كييف. كما دانت الأمم المتحدة تفرد القرار الروسي في بناء الجسر، وُوضعت في حينه عقوبات دولية على الشركات التي شاركت في بنائه.

اليوم، يتهم الجانب الروسي المخابرات العسكرية الأوكرانية بمسؤوليتها عن هذ التفجير، فيما  ارتفعت في الوقت ذاته أصوات إعلامية أوكرانية تتهم الروس بتفجير الجسر لغايات في نفس موسكو. وإلى أن تثبت هوية المسؤول عن هذا التفجير بالدليل القاطع، لايفسر الابتهاج الأوكراني إلا بمسار منطقي ونفسي واحد، وهو الرغبة في القطيعة مع الجانب الروسي، بما يعنيه معنى نسف الجسر "أي جسر" من رمزية نفسية كصلة وصل بين أي طرفين.

والاحترام الكبير الذي تكنه روسيا للشعب الأوكراني بحسب الرئيس بوتين، لاشك أنه كلام أثار القهر في نفس الفرد الأوكراني حين سمعه، على مبدأ ما يقوله المثل المصري الشعبي: "أسمع كلامك أصدقك، أشوف عمايلك أستغرب". إذ أن الجار الروسي نسف هذا الاحترام قبل نحو ثمانية أشهر، ومعه نسف جميع المعاني. ومن يحترم شعباً لايقتله ولايشرده ولايرتكب المجازر الجماعية  بحقه، ولايدمر مدنه وأراضيه ومحاصيله وثرواته، ويحرق ماضيه وحاضره ومستقبله القريب. 

واحدة من المفارقات في سياق تفجير الجسر، أن أحد الأسماء التي اقترحها الروس سابقاً لتسمية جسر القرم قبل افتتاحه كان اسم "إعادة التوحيد". لكن التوحيد الذي يؤمل به بين أي دولتين تتمتعان بالإرادة السياسة الحرة والسيادة الكاملة، يبدو أنه بات بعيد المنال جداً، بعد أن نسف الروس بأنفسهم جسر الودّ الذي كان يربطهم مع أوكرانيا في يوم مضى.

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.