بوتين خلال إعلان ضم المناطق الأوكرانية
بوتين خلال إعلان ضم المناطق الأوكرانية وهو إجراء دانه المجتمع الدولي بشدة

منذ بداية الغزو الروسي لأوكرانيا وإلى الآن، يصر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، وفريقه الأمني والعسكري أي مجموعة (السيلافيكي)، وأنصارهم في معسكر النخب المؤيدة للحرب، وبعد كل الهزائم الميدانية التي تعرض لها الجيش الروسي، على التصعيد بحجة دعم القيادة السياسية حتى تحقق العملية العسكرية في أوكرانيا أهدافها الاستراتيجية، هذا المبرر يحتاجه الكرملين أولا للحفاظ على تماسك معسكر الحرب، وثانيا من أجل إسكات الداخل ومواجهة الخارج.

مأزق اللجوء الدائم إلى التصعيد لدى الرئيس واستجابة النخب الروسية له، تسبب بتضيق الخيارات أمام الكرملين، وجعله أمام خيار واحد هو النصر فقط، أو بلغة أخرى منع حصول الهزيمة الاستراتيجية، الأمر الذي أدى إلى تصاعد الحديث الروسي وحتى الغربي عن الخيار النووي التكتيكي، باعتباره المقابل النوعي لخيار الهزيمة، فالنووي بالنسبة لبوتين قد يحقق الهدف الواحد وهو الانتصار.

الحديث عن السلاح النووي بشكل جدي جاء في الوقت الذي تحولت فيه موازين القوة في الحرب، وبعد فشل التعبئة العامة، وانكشاف حجم تفكك المؤسسة العسكرية الروسية، والخوف من تعرضها إلى انتكاسة جديدة حتى بعد إعلان التعبئة والتحشيد، لذلك رفع الكرملين قبضته النووية كسلاح ردع ميداني، ليس من أجل تحقيق وظيفته الاستراتيجية في إخضاع كييف بل هذه المرة بهدف وقف التقدم الأوكراني.

قبل الهزيمة الميدانية كانت كييف مرتبكة في القبول بشروط قمة إسطنبول نهاية شهر أبريل الفائت، التي كانت بعض بنودها تحقق انتدابا روسيا عليها، إلى أن تبدل ميزان القوة على الأرض لصالحها، الأمر الذي مكنها من الانتقال من الدفاع إلى الهجوم، ما زاد من الأعباء على موسكو التي طالبت كييف بالاعتراف بالحدود الدولية الجديدة لروسيا، ووقف تقدمها تخوفا من انتكاسة عسكرية جديدة في المناطق التي فرض عليها الالتحاق بروسيا الاتحادية، لذلك لوحت موسكو بخيارها النووي بعدما بات تحقيق خيارها الأوحد أي الانتصار على كييف شبه مستحيل.

عمليا فضح الميدان الأوكراني حجم فعالية القوات المسلحة الروسية، وزادت الهزيمة الأخيرة الطين بلة، كما أن رد الفعل على الدعوة إلى التعبئة العامة جاءت نتائجها هزيلة ومحرجة للقيادة الروسية والمؤسسة العسكرية، الأمر الذى أدى إلى التخوف من حصول هزيمة جديدة قد تكون أشبه بانتكاسة استراتيجية تؤدي تداعياتها إلى زعزعة استقرار النظام السياسي الروسي.

أمام هذه المعضلة المحرجة، رمت موسكو ورقتها الأخيرة أي الخيار النووي، وذلك لسبب أساسي وقف التقدم الأوكراني على جبهات إقليم دونباس، بعد أن فقد الجيش إمكانية حفاظه على الأراضي التي احتلها، وبدأ بالتراجع لحماية ما تمت السيطرة عليه في المناطق الحدودية أو من خلال الاستفتاء، لذلك في خطابه الأخير دعا الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، كييف إلى وقف الأعمال العدائية حسب تعبيره والعودة الفورية إلى المفاوضات، ولكن طبعا وفقا لما عرض في إسطنبول شهر أبريل الفائت، لكن شدد بوتين على أن المطلوب من كييف الاعتراف بالحقائق الجغرافية الجديدة، أي أنه يريد انتزاع اعتراف بحدود روسيا الموسعة هذه المرة تحت الضغط النووي.

فعليا، الخيار النووي، وإن كان احتمالا صعبا فقد بدا الآن دفاعا عن الأراضي الروسية، وهو أقرب إلى رسالة تحذير لكييف وداعميها الغربيين بعدم الاقتراب من الحدود الروسية، كما أن النووي إذا استطاعت موسكو جعله عامل تهديد حقيقيا، وقامت بفعل يؤكد نوايها على استخدامه، فإن الهدف الجوهري منه هو إجبار كييف على القبول بالمفاوضات، وبهدف دفع القيادة الأوكرانية إلى طاولة المفاوضات، حيث عاد الرئيس الروسي وأكد في تصريحاته الأخيرة، أنه لا يريد تدمير أوكرانيا، ولم يضع هدفا لتحقيق ذلك، كما أعطى ضمانات بأن ليس لديه نية في تكرار ضرباته على العاصمة كييف.

أزمة الكرملين هي أن لا كييف ولا العواصم الغربية تأخذ التهديدات الروسية النووية على محمل الجد، فكييف مستمرة في هجومها، والغرب مستمر في تقديم الدعم الكامل لها في معركتها، وفي تحقيق تفوق في نوعية التسليح، ما يعني أن الخيار النووي لم يزل مهمشا.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.