التظاهرات اندلعت بعد وفاة الشابة مهسا أميني
كان للمدن الكردية دور محوي في التظاهرات الإيرانية المناهضة للنظام

راهنا، وفي أربعة بلدان رئيسية من منطقتنا على الأقل، تشغل المجتمعات والقوى السياسية الكردية موقعا سياسيا وثقافيا شديد التمايز عما سواها من مجتمعات وقوى سياسية، وفي نفس البلدان. ذلك الموقع الذي هو بالضبط مكانة الاحتياطي المؤمن والديناميكية الدافعة نحو تغيير شكل الحياة العامة في هذه البلدان، بالذات من حيث تدهور العلاقات بين السلطة والمجتمع في هذه البلدان، وانهيار التوازن والمساواة بين الكتل والطبقات في كل مجتمع بذاته. 

في إيران، أهلمت هبة المدن والبلدات الكردية شمال غرب البلاد باقي مناطق البلاد، للانتفاض في وجه سلطة الملالي القمعية. ربما كانت الكثير من حالة الإجرام قد حدثت خلال السنوات الماضية، بحق مواطنات إيرانيات أخريات، كُن شبيهات بالضحية الكردية "مهسا أميني"، لكن انحدار الأخيرة من الأرومة الكردية هو ما أحدث الفاروق في وجه السلطة. فالأكراد الإيرانيون هم الأقل حساسية وتأثرا بالدعاية الدينية المحافظة للسلطة الإيرانية، وتاليا الأقل احتواء وقبولا بطبقة المحافظين الدينيين والمجتمعيين المدافعين عن سلوك السلطة في فرض الحجاب. كذلك لأن المجتمع الكردية هو الأكثر حيوية في خلق ديناميكية المناصرة الذاتية الداخلية في مواجهة السلطة. الأمران اللذان سمحا بحدوث هذه الهبة الجماهيرية، المدافعة عن قيم الحق في الحرية الجسدية والفردية والمساواة الجندرية، وطبعا مواجهة العنف البربري الذي مارسته السلطة الحاكمة.

مثل إيران، يشغل الوجود الكردي في باقي بلدان المنطقة مواقع شبيهة بذلك، ولأسباب تكاد أن تكون متطابقة في مختلف الأمثلة؛ وذلك لأن التموضع السياسي والاجتماعي الكردي في مختلف هذه البلدان يكاد أن يكون واحدا. 

في تركيا على غرار ذلك، فإن حزب الشعوب الديمقراطية (المؤيد للأكراد والمنحدر من بيئتهم) يشكل فارقا متمايزا بوضوح عن قطبي الصراع السياسي في البلاد: حزب العدالة والتنمية وحلفاءه الحاكمون، وحزب الشعب الجمهوري وحلفاءه المعارضون.

فـ"الحزب الكردي" هذا، ومعه الملايين من مؤيديه الأكراد، إنما يدفعون باتجاه إحداث تحوير في الهوية السياسية الجوهرية لتركيا، لتكون أكثر ثراء وتنوعا من حيث اعترافها بمكوناتها الثقافية والعرقية والثقافية، أقل مركزية وأكثر تلهفا لتبني القيم السياسية والبيروقراطية والاقتصادية الغربية، إلى جانب حساسيتها العالية تجاه قيم الحريات الجسدية وتوقير البيئة وحقوق النساء. هذه القضايا الجوهرية التي ثمة اتفاق مُحكم بين قطبي الحياة السياسية في البلاد على رفضها. 

داخل سوريا، تشكل تجرية القوى السياسية الكردية في شمال شرق البلاد، وبكل قصورها وما يُمكن أن يُسطر بحقها من ملاحظات وانتقادات، النموذج السياسي الوحيد القابل للحياة والتطوير، مقارنة بالأوضاع الجهنمية في المناطق الواقعة تحت سيطرة النظام السوري، أو نظيرتها الواقعة تحت هيمنة الميليشيات الإسلامية والعصابات المسلحة.

النموذج العراقي مثال آخر، فالمنطقة الفيدرالية الكردية هي الأكثر استجابة لشروط الدولة الحديثة، وأيضا بكل قصورها وما يُمكن أن يوجه إليها من انتقادات. لكن لا مقارنة أبدا بين شكل الحياة العامة والحريات العامة وعلاقة السلطة بالمجتمع داخلها، وما يماثل ذلك في باقي مناطق العراق. الأمر نفسه ينطبق على مواقف وآليات عمل القوى السياسية الكردية ضمن البرلمان والحكومة المركزية، تلك التي كانت دوما في دفة التحديث السياسي والمجتمعي العراقي.

ليس الأكراد هكذا لأسباب عرقية أو ثقافية أو اجتماعية عضوية فيهم، تمايزيهم عن باقي مكونات وسكان المنطقة؛ بل لطبائع ومواقع وحساسيات سياسية واضحة، تراكمت وتكرست بالتقادم طوال قرن كامل مضى، خلقت خلال هذه المسيرة نوعية خاصة من الخيارات السياسية والنوازع الإيديولوجية والاتجاهات الثقافية الكردية، التي راكمت نوعيات خاصة من الوعي داخل المجتمعات الكردية في هذه البلدان، أنعكس ذلك بوضوح على قواها السياسية ونوعية خياراتها. 

فالأكراد مثلا كانوا الجماعة الأهلية/القومية الوحيدة في هذه البلدان التي حافظت على نوع من "الحمية القومية"، الأمر الذي دفع باتجاه منع الدين وتياراته السياسية من أخذ مواقع متصدرة في الحياة العامة داخل مجتمعاتهم، بالذات من حيث قدرة الدين ورجاله على تشكيل عالم القيم وموقع النساء في المجتمع والموقف العام من الغرب في هذه الحياة العام. وهو ما لم يكن متاحا للجماعات الأهلية الأخرى وطبيعة قواهم السياسية، التي كانت ضحية توغل هذه الفاعلية العمومية للدين في الحياة العامة.

كذلك فإن النزعة القومية وآليات فاعلها إنما همشت أيضا نوعية من النخب المجتمعية والاقتصادية والسياسية الكردية التقليدية التي كانت، لصالح أخرى أكثر حداثة وتنظيما وأدلجة. هذه الأمور التي غيرت تماما في تراتبية الطبقات ومواقعها داخل المجتمع الكردي في هذه الدول. وهو مكسب آخر لصالح الأكراد، لم يكن حاضرا في المجتمعات الأخرى.

حدث ذلك لطبيعة خاصة للنزعة القومية الكردية، التي ما كانت إمبراطورية الهوى والهوية، كما في النماذج العربية والفارسية والتركية، بل كانت نزعة قومية حقوقية، تطالب بالحق في الظهور على مسرح التاريخ والمساواة في الجدارة والحقوق مع باقي القوميات في نفس البلدان.   

فوق هذا، فإن فظاعة المحق السياسي والاجتماعي والثقافي الذي واجهه الأكراد في هذه الدول طوال قرن كامل، جعل منهم الكتلة السكانية الأكثر استعدادا وتلهفا لتحقيق أية تغيرات في هذه البلدان، بالذات تلك التغيرات التي قد تحقق مزيدا من التحديث عبر تفكيك شبكات الاستبداد في هذه البلدان، سواء على مستوى السياسة أو الثقافة، فعل هذه التغيرات أن تخفف نوعا ما من آليات المحق الممارسة بحقهم. 

نفس الفظاعة خلقت في الذات الجمعية للأكراد نوعا من الحساسية والوعي الذي يستشعر تماما فداحة الشمولية السياسية والتنكيل الأمني والعسكري والسلطوي، سواء ضمن مؤسسات الدولة أو في علاقة بعض المكونات الأهلية والطبقات المجتمعية ضد ما يناظرها. خلقت تلك الحساسية والتجارب المريرة شكلا من "الوعي المضاد" المناهض لتلك السلوكيات. 

لا يعني الأمر إضفاء أية نوعية من السمات الخاصة على الجماعة الأهلية والتنظيمات السياسية الكردية، بل الإشارة إلى المخزون الاحتياطي المؤمن الذي يشكله الأكراد تجاه مسار التغيير في هذه البلدان، لأن الأكراد كانوا طوال قرن كامل الكتلة السكانية الأكثر مباشرة ومعيارية في قياس الأحوال العامة في تلك البلدان، خارج الرطانة الخطابية والأكاذيب الإيديولوجية، إلى جانب ما راكموه من تجارب قاسية في مواجهة مختلف أشكال القمع، المادية والسياسية والرمزية. فتعريف بلدان منطقتنا وحقيقة أنظمتها السياسية كان واضحا ومباشرا من خلال فهم وتعريف علاقتها مع أكراد "ها"، كذلك سيكون تعريف وحقيقة أية تغيرات مستقبلية منشودة، وفي نفس البلدان.  

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.