أصدر البيت الأبيض استراتيجية الأمن القومي الأميركية قبل أيام، وفي النسخة المنشورة رسميا، والمكونة من 48 صفحة، كان الشرق الأوسط بكل ما فيه من أزمات وتفاصيل وقلق مكثفا في الاستراتيجية الجديدة بصفحة واحدة من مجمل الاستراتيجية وهي الصفحة 42.
خير الكلام ما قل ودل كما يقولون، لكن الدلالات واضحة بتغير الأولويات جذريا في واشنطن، وهو ما تم التنبيه إليه علنا وسرا في كثير من الأوقات طوال الأعوام القليلة الماضية، ومع قدوم إدارة بايدن إلى البيت الأبيض.
توضح الاستراتيجية الواشنطونية الجديدة قواعد جديدة تماما في منطق السياسة الأميركية في المنطقة، ومنذ البداية في تلك الصفحة اليتيمة من كامل الاستراتيجية، تضع واشنطن إطارا – كما تسميه- للعلاقة الجديدة مع شرق المتوسط ( وقد أفردت الاستراتيجية فصلا للعلاقة مع أفريقيا منفصلا)، وفي هذا الإطار تحدد الاستراتيجية المنشورة خمسة مباديء واضحة وجوهرية :
أولا، ستدعم الولايات المتحدة تعزيز الشراكات مع الدول التي تعتمد أسس النظام الدولي كمعيار لها، وتعلن واشنطن من أن تلك الدول يمكنها الدفاع عن نفسها ضد التهديدات الخارجية. وهذا يعني طبعا قواعد جديدة في تعزيز نظم الدفاع والدعم العسكري ضمن أسس التسليح الحديثة المختلفة كليا عن الأسس القديمة التقليدية. ثانيًا ، لن تسمح الولايات المتحدة للقوى الأجنبية (!) أو الإقليمية بتهديد حرية الملاحة عبر الممرات المائية في الشرق الأوسط، بما في ذلك مضيق هرمز وباب المندب، ولن تتسامح مع جهود أي دولة للسيطرة على دولة أخرى - أو المنطقة - من خلال القوة العسكرية. وهذا يضع تساؤلات عن تعريف "الأجنبي" في قاموس واشنطن وقد اعتبرت نفسها عنصرا محليا في تلك المضائق.. ثالثًا، حتى عندما تعمل الولايات المتحدة على ردع التهديدات التي يتعرض لها الاستقرار الإقليمي، فإنها ستعمل على تقليل التوترات، وخفض التصعيد، وإنهاء النزاعات حيثما أمكن ذلك من خلال الدبلوماسية، وهذا يتجاوز اللغة الإنشائية التقليدية بما يشبه ترسيخ رؤية جديدة متماهية مع ترتيب الملفات في المنطقة والتي قررت دولها العمل عليها دبلوماسيا، بمعنى أوضح تتبع الولايات المتحدة هنا دول المنطقة في "اللملمة" الدبلوماسية للنزاعات المتبقية في الإقليم وهو ما يتضح في النقطة التالية حيث أن المبدأ الرابع فيها يوضح أن الولايات المتحدة ستعزز التكامل الإقليمي من خلال بناء روابط سياسية واقتصادية وأمنية بين شركاء الولايات المتحدة وفيما بينهم، بما في ذلك من خلال هياكل دفاع جوي وبحري متكاملة، مع احترام سيادة كل دولة وخياراتها المستقلة. وهو ما يتماهى تماما مع تفاهمات التكامل التنموي الإقليمية والتي باجرت فيها دول المنطقة في اللحظة الأخيرة كحل إنقاذ ما يمكن إنقاذه في سياق انهيارات عالمية بعد وباء كوفيد وتداعيات الحرب في أوكرانيا، والشراكات الأمنية تشمل إسرائيل بالضرورة وهي استراتيجية أقرها الإقليم نفسه قبل ان تقرها واشنطن.
وفي المبدأ الخامس والأخير، تقول الولايات المتحدة إنها ستعمل دائما على تعزيز حقوق الإنسان والقيم المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة. وهذا دوما كما اعتاد العالم كله خاضع لمصالح واشنطن السياسية، وماذا سيقول الديمقراطيون غير ذلك أصلا؟
ثم تفرد الاستراتيجية في فصلها ذو الصفحة الواحدة باقي الرؤية الأميركية في معالجة الأزمة الإيرانية بلغة متعرجة بين التهديد في مواجهة طهران والتلويح بالتفاهم الدبلوماسي الذي تلاحقه واشنطن تحت رؤية فرضها الإقليم نفسه برؤيته التنموية التكاملية.
الاستراتيجية بإطارها الجديد في سياسة واشنطن في الشرق الأوسط تشبه كثيرا تجرع الدواء المر في حلق واشنطن التي بالكاد تقبل بواقع وحقيقة أن سياسة الهيمنة الأميركية على المنطقة ودولها انحسرت كثيرا بعد التحديات التي واجهتها الإدارة الحالية من قبل دول المنطقة خصوصا من السعودية التي غادرت مربع المجاملات الدبلوماسية إلى المواجهات المفتوحة والشرعية ضد سياسات واشنطن بما يحقق مصالح الرياض. وأيضا التحرك الدبلوماسي الناعم لدولة الإمارات في تحقيق أسس جديدة لتحالفات إقليمية قائمة على التعاون والتنمية خالية من الدسم السياسي التقليدي والمباشر، وتركيزها منصب على تحقيق العوائد التنموية والاقتصادية كنواة لخلق سوق يوفر الطاقة والأمن الغذائي والدعم اللوجستي للعالم في أزمته الحالية.
الحسابات السعودية "وربما الإماراتية" ليست ضربا عشوائيا في العتمة، بل مبنية على حسابات دقيقة في الداخل الأميركي نفسه من تحالفات مع قوى واشنطن السياسية والقادرة وحدها فقط على تحريك أو منع السياسات التي يقررها البيت الأ"بيض في إدارته الحالية، وتلك تحالفات تم بناؤها عبر أجيال جديدة في شرق المتوسط تعلمت فنون اللعبة السياسية بحرفية عالية وبلغة عالمية، وهو ما يفسر استراتيجية واشنطن في أمنها القومي الجديدة وقد تراجعت فيها عن لغة الهيمنة والسيطرة.

