العلمان اللبناني والإسرائيلي
جرى الاتفاق على ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل بعد سنوات من المُماطلة وتفويت الفرص

بعد سنوات من المُماطلة وتفويت الفرص جرى الاتفاق على ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، ونصّ هذا الاتفاق على إبقاء خط العوامات الذي بنته إسرائيل في العام 2000 بعد انسحابها من لبنان والمُمتد من رأس الناقورة لمسافة خمسة كيلومترات في البحر المتوسط على ما هو عليه رغم تباين وجهة نظر الطرفين القانونية حوله.

كما جرى الاتفاق على أن تكون عائدات حقل كاريش خالصة لإسرائيل لوقوع الحقل بالكامل ضمن المياه الإقليمية الإسرائيلية وأن يتمّ تقاسم عائدات حقل قانا بحيث تنال إسرائيل 17 في المائة من هذه العائدات لوقوع نفس هذه النسبة من الحقل ضمن المياه الإقليمية الإسرائيلية.

وكذلك نصّ الاتفاق على أن يتولّى عمليات التنقيب والاستخراج والتطوير من حقل قانا شركات عالمية معروفة وغير مشمولة بأي عقوبات، والهدف من ذلك استبعاد الشركات الروسية والإيرانية وحتى اللبنانية خشية أن تكون واجهة لدول أو شركات محظور التعامل معها .

وتضمّن الاتفاق أيضا بعض البنود السريّة، وعادةً وجود مثل هذه البنود يتم بناءً على طلب أحد الأطراف الذي يرى أن إعلان هذه البنود قد يشكّل إحراجاً له، وفي هذه الحالة من المرجّح أن يكون هذا الطرف هو لبنان لنقص الشفافية أو لوجود اختلاف بين المواقف التي يوافق عليها أثناء المفاوضات وبين ما يتم التصريح به إلى الرأي العام المحلّي.

أي أن الاتفاق الذي جرى التوصّل إليه أخيراً هو تقريباً نفس الاتفاق الذي كان معروضاً على لبنان منذ عدة سنوات، ولكن بين ليلة وضحاها تحوّل الاتفاق الذي كان مرفوضاً إلى انتصار، وأصبح حزب الله صاحب فضل في الوصول إليه عبر طائراته المُمسيّرة!.

وأصبح المبعوث الأميركي، آموس هوكشتاين، الذي كان مُتّهما في الإعلام اللبناني طوال السنوات الماضية بأنه منحاز ويحمل الجنسية الإسرائيلية وخدم في الجيش الإسرائيلي وسيطاً نزيهاً ومحايداً.

وزفّ الرئيس ميشال عون في خطاب للشعب اللبناني بشرى موافقته رسمياً على الصيغة النهائية التي أعدّها الوسيط الأميركي لترسيم الحدود البحرية، واعتبر ذلك إنجازاً تاريخياً للبنان وأن ما كان حلماً أصبح حقيقة.

وتابع أنه بعد مفاوضات شاقة وصعبة خاضها لبنان منذ العام 2010 وصلت الأمور إلى نهاية إيجابية، وتمنّى أن يضع ذلك حجر الأساس لنهوض اقتصادي يحقق إنماءاً واستقراراً يحتاجها لبنان.

وكان من علامات انتصار لبنان حسب قوله مظاهر شكلية مثل أن المفاوضات مع إسرائيل لم تكن مباشرة بل عبر وسيط، وأن تقاسم عائدات حقل قانا لن يتم بشكل مباشر بين لبنان وإسرائيل بل عبر شركة توتال، وشكرَ في النهاية الولايات المتحدة وخاصّة المبعوث هوكشتاين والسفيرة الأميركية في لبنان على دورهم في إنجاز الإتفاق.

وخطب أمين عام حزب الله، حسن نصر الله، قائلاً إنه يقف خلف الدولة والرئيس عون لأن قرار الترسيم هو قرار الدولة وليس من صلاحيات حزب الله أو غيره، "فإذا قال المسؤولون اللبنانيون أن الاتفاق يحقق مطالب الدولة اللبنانية فلا مشكلة لدى حزب الله لأن ما يهم هو أكل العنب" والمقصود الاستفادة من الغاز والنفط.

وأكد أن مؤيدي الاتفاق في الطرفين اللبناني والإسرائيلي سيعتبرونه إنجازاً تاريخياً وفي المقابل سيخرج من يقول تنازلتم عن الحقوق اللبنانية، ولكنه طلب من الجميع التحلّي بروح المسؤولية الوطنية لأن القضية تتعلق بثروة الشعب.

وتمنى أن لا يُستخدم هذا الاتفاق لتصفية حسابات سياسية لأن أغلبية من اللبنانيين حسب مُشاهدته كانوا سعيدين بالاتفاق وأن هناك إحتضان شديد للاتفاق في البيئة الحاضنة للمقاومة، ولذلك سيكون يوم التوقيع على ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل يوم فرح للبنانيين وتمنّى أن لا يخرّب أحد هذا العرس الوطني.

لكنّ هذا الخطاب الجديد ترافق مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام استخدام عبارات الممانعة على المستوى الإعلامي، إذ تجنّب عون استخدام كلمة إسرائيل في خطابه واستعاض عنها بعبارة الحدود الجنوبية، بينما استخدم حسن نصر الله مراراً عبارة الترسيم مع "العدو"، مع أن الاتفاق الذي سيوضع بعهدة الأمم المتحدة بعد أيام يقول بوضوح: ترسيم الحدود البحرية بين دولة لبنان ودولة إسرائيل، ولكن استعمال هذه المفردات أمام الرأي العام اللبناني يعني حرمان حزب الله من المبرّر الذي يستخدمه للاحتفاظ بسلاحه.

ولا يقتصر التناقض بين ما يتم إبرامه من اتفاقيات مع إسرائيل وبين الخطاب الإعلامي المعادي لها على لبنان، بل يُمكن مشاهدته في الأردن، ففي العام 2016 جرى إبرام إتفاق تستورد فيه شركة الكهرباء الأردنية الغاز من حقل ليفياثان الإسرائيلي بقيمة 15 مليار دولار، ولكن لخداع الشعب الأردني وقع الاتفاق مع شركة نوبل إنيرجي الأميركية، وذلك رغم أن تلك الإتفاقية تحقّق مصلحة مؤكّدة للشعب الأردني لصعوبة تأمين غاز مضمون وأرخص كلفةً من الغاز الإسرائيلي.

كما وقّع الأردن اتفاقاً لاستيراد 50 مليون متر مكعب من المياه من إسرائيل فوق الكمية المنصوص عليها في إتفاقية السلام بين البلدين، ومن المعروف أن الأردن هو أحد أفقر بلدان العالم بالمياه، وهناك اتفاقات أخرى عديدة تتناول استثمارات مُشتركة في مناطق حرّة بين البلدين بالإضافة إلى اعتماد شركات أردنية ميناء حيفا لاستيراد وتصدير البضائع مع ما يحققه ذلك من خفض في التكاليف، وجميع هذه الاتفاقيات تحقق مصلحة الشعب الأردني ومن الصعب الاستغناء عنها ولذلك لم تستطع الشعارات الطنّانة التي يُردّدها الإسلاميون مثل "الغاز الإسرائيلي احتلال" من إلغاء هذه الاتفاقيات.

ولا يختلف الوضع كثيراً في مصر حيث تمّ توقيع إتفاقية غاز مع إسرائيل بقيمة 15 مليار دولار عام 2018 وتمّ توسيعها في العام الحالي لتتضمّن إسالة الغاز الإسرائيلي في مصر ثم إعادة تصديره إلى أوروبا لتقليل اعتمادها على الغاز الروسي، وبخلاف الغاز هناك تبادل تجاري سنوي بين البلدين بحدود 330 مليون دولار ويطمح الطرفان لمضاعفته قريباً.

وهناك  أيضا سياحة إسرائيلية نشطة إلى مصر حيث وصل عدد السياح الإسرائيليين إلى مليون عام 2019، ولكن الإعلام المصري يعيش كذلك في عالم قريب من مزايدات الإعلام الأردني واللبناني أي خداع شعوب هذه البلدان ومعاملتها باعتبارها قاصرة لا ضرورة لإعلامها بتفاصيل ما يتم إبرامه من اتفاقيات.

ولكن الجديد هذه المرّة أن الواقعية قد شملت حزب الله، الذي استمر منذ تأسيسه في ترديد شعارات كان يزاود فيها حتى على التنظيمات الفلسطينية.

ورغم أنه سيستمر في الترويج لنفس هذا الخطاب إعلامياً ولكن موقفه المؤيد لاتفاق ترسيم الحدود البحرية يرسل رسالة إلى الفلسطينيين ومنظماتهم بأن عليهم أن يأخذوا الحياة البائسة التي يعيشها أطفالهم بعين الاعتبار لأنها أكثر أهمية من عالم الشعارات خصوصاً أنها غير قابلة للتحقق.

والخلاصة أن اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل كان خطوة باتجاه مستقبل أفضل للشعب اللبناني.

ورغم أن عائدات الغاز ستأخذ وقتاً حتى تنعكس إيجاباً على حياة المواطن اللبناني لكن بمجرد البدء في عمليات المسح والاستكشاف سيتحسن وضع الليرة اللبنانية وكذلك التوقعات المستقبلية للاقتصاد اللبناني ممّا قد يفتح الباب أمام إعطائه قروض من المؤسسات الدولية هو بأمسّ الحاجة إليها حالياً.

وهذا هو وضع جميع الاتفاقيات بين إسرائيل ومصر والأردن لأنها تخدم مصلحة شعوب هذه البلاد، مع أنه من غير المفهوم لماذا تُصر حكومات لبنان والأردن ومصر على استمرار الحرب الإعلامية مع إسرائيل رغم معرفة الجميع بأنها حرب وهمية غير موجودة خارج وسائل الإعلام.

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.