مسيرة ضد الحكم العسكري بالخرطوم في 13 سبتمبر 2022
مسيرة ضد الحكم العسكري بالخرطوم في 13 سبتمبر 2022

يدور في الساحة السياسية السودانية جدل كثيف حول تسوية سياسية وشيكة بين العسكر الذي انقلبوا على الحكومة  الإنتقالية في 25 أكتوبر 2021، وتحالف "قوى الحرية والتغيير" الذي شكل القيادة المدنية للثورة السودانية التي انطلقت في 25 ديسمبر 2018، وأسقطت نظام الجنرال، عمر البشير، في 11 أبريل 2019.

وتعج وسائل الإعلام ووسائط التواصل الإجتماعي بالكثير من الشائعات والأكاذيب التي يقف وراءها فلول النظام البائد، وبعض الأطراف المعادية للتوجه السياسي لقوى الحرية والتغيير، الذين يسعون لتشويه صورة التحالف والتشكيك في مواقفه المبدئية من قضية التحول المدني الديمقراطي في البلاد.

وبما أن الحكم على المواقف السياسية يجب أن ينبني على الوقائع وليس الخيال، فإن حقائق الأمور تبين أن قوى الحرية والتغيير قد أوضحت موقفها تجاه الانقلاب منذ يومه الأول، وقالت إنها ستعمل على التخلص منه عبر ثلاثة وسائل تتكامل ولا تتناقض، وهى العمل الجماهيري في الشارع والتواصل الدبلوماسي مع المجتمع الإقليمي والدولي، وأخيرا العملية السياسية لإنهاء الإنقلاب.

وقد نجح التحالف مع بقية المكونات الثورية في عزل و محاصرة الانقلاب حتى انطلقت العملية السياسية التي ابتدرتها الأمم المتحدة والتي شاركت فيها الحرية والتغيير بورقة تتضمن رؤيتها الكاملة لكيفية إنهاء الانقلاب، والمضي قدما في سبيل إستعادة مسار الحكم المدني الديمقراطي، الذي أرست قواعده ثورة ديسمبر المجيدة. 

وكذلك شاركت قوى الحرية والتغيير في ورشة العمل التي دعت لها اللجنة التسييرية لنقابة المحامين، والتي تمخضت عنها مسودة الإعلان الدستوري للتأسيس لاستعادة الحكم المدني، حيث وجد الإعلان قبولا كبيرا من أطياف واسعة من قوى الثورة والقوى السياسية و الشعب السوداني.

وبناء على ذلك جرت مشاورات غير رسمية بين قوى الحرية والتغيير والعسكر حول الإعلان الدستوري، طرح فيها الطرفان ملاحظات حول مسودة الإعلان، وأكد التحالف على تثبيت الطرح الذي جاء في رؤيته السياسية التي طورها في أعقاب وقوع الإنقلاب.

عماد ذلك الطرح ينبني على خروج العسكر من المشهد السياسي، وقيام هياكل حكم مدنية على مختلف المستويات (السيادية والتنفيذية والتشريعية)، على أن تضطلع جميع  قوى الثورة، وليس تحالف الحرية والتغيير وحده،  بتشكيل تلك الهياكل المقترحة.

وعلى صعيد القضايا، فإن طرح التحالف اشتمل على ضرورة إجراء عملية شاملة للإصلاح الأمني والعسكري وصولا للجيش القومي الواحد، وكذلك قضية العدالة والعدالة الانتقالية، وإصلاح الجهاز العدلي، وتفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989، والإصلاح الاقتصادي ومعاش الناس، وتنفيذ اتفاق سلام جوبا ومراجعته مع أطرافه إلى جانب القضايا الأخرى المرتبطة بمسار التحول الديمقراطي.

وعلى العكس مما يشيع فلول النظام البائد والشانئين من القوى المعادية لتحالف الحرية والتغيير حول سعي التحالف للوصول لكراسي السلطة، فإن الأخير دعا إلى قيام حكومة كفاءات وطنية من دون محاصصة حزبية.

من الجلي أن الهياكل السلطوية والقضايا المشار إليها ستؤدي إلى قيام السلطة المدنية الكاملة تحقيقا لشعار الثورة الداعي لرجوع "العسكر للثكنات"، كما أنه سيمهد الطريق لقيام الانتخابات العامة في مدة أقصاها 24 شهرا كما رأى التحالف، وعلى العكس من الشائعات التي تقول أن التحالف يرغب في إطالة الفترة الانتقالية لأطول مدة خوفا من صناديق الاقتراع.

إن الحالة الهستيرية التي أصابت فلول النظام البائد بعد ظهور تسريبات عن قرب الوصول لإتفاق سياسي يُنهي الانقلاب العسكري توضح بجلاء صحة الطريق الذي تسير فيه قوى الحرية والتغيير، وقوة موقفها ونفاذ بصيرتها، التي مكنتها من الصمود في وجه المحاولات العاتية لتفتيتها وتقسيمها ودق إسفين بينها وبقية قوى ومكونات الثورة.

وبلاشك فإن الفلول سيبذلون كل مافي وسعهم لإفشال أية عملية سياسية تؤدي لإنهاء الانقلاب وعودة المسار المدني لأنهم سيكونون الخاسر الأكبر من تلك العملية، خصوصا وأن الإنقلاب قد فتح لهم الباب على مصراعيه للعودة لجهاز الدولة واستعادة سيطرتهم على الاقتصاد.

لقد غيرت ثورة ديسمبر المجيدة مفهوم التعاطي مع السياسة، حيث أضحى للمواطن العادي صوت مسموع ورأي معتبر في تقرير مصيره ومستقبله، هذا التغيير الأساسي يجعل من الثورة مفهوما دائما ومستمرا وليس محطة واحدة، مما يفرض على القوى السياسية واقعا جديدا، يتمثل في ضرورة التعامل مع مطالب هذا المواطن بشكل جدي أو المخاطرة بالخروج من المشهد السياسي.

وتدرك قوى الحرية والتغيير أنها ستخسر كثيرا إذا ما نكصت عن مطالب الثوار المتمثلة في المدنية الكاملة وتحقيق العدالة وغيرها من المطالب، وبالتالي فإنها لن تجازف بالدخول في أية عملية سياسية لا تؤدي لتحقيق الأهداف الرئيسية التي خرج من أجلها ملايين الناس للشوارع وسفكت في سبيلها دماء عزيزة وغالية للمئات من أبناء وبنات السودان.

وكذلك تعلم قوى الحرية والتغيير أن قوتها الحقيقية تتمثل في تلاحمها مع الشارع الثوري الذي خرجت منه والتصقت به في جميع مراحل الثورة، وبالتالي فإنها ستظل تتمسك بجميع خياراتها في إنهاء الإنقلاب، ولن تقع في شرك القطيعة مع الجماهير والابتعاد عن القواعد الثورية بمختلف مكوناتها، بل ستواصل جهودها الحثيثة من أجل توحيدها والتنسيق معها في كل الخطوات و المراحل. 

وبهذا المعنى، فإن المعركة مازالت في بدايتها ولن تنتهي ببلوغ العملية السياسية لأهدافها المنشودة، ذلك أن التأسيس للسلطة المدنية الديمقراطية المستدامة يتطلب جهودا جبارة لأن إرث الفشل والفساد والدمار من دولة الاستبداد كبير، كما أن الواقع الإقليمي والدولي معقد للغاية، وهو ما يدعو لتضافر جهود جميع القوى الثورية في الفترة القادمة من أجل وضع البلاد في المسار الصحيح.  

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.