قبيل منتصف القرن الماضي، دخل الغزاة الديار، ففرّ الكثير من أهل البلاد هلعاً، راجين السلامة حينها، وآملين العودة في يوم قريب، وتعرّض الباقون، ساعة انتفضوا وساعة اعترضوا، للاضطهاد والقتل والتشريد.
تبدّلت معالم بلادهم مع قدوم الحكام الجدد والمستوطنين، فيما العالم صامت أو يكاد، وفيما الغازي المحتل يزعم أنه يسترد أرضاً كانت لأجداده، وأن أهل البلاد هؤلاء متخلفون عن الحضارة والتقدم، وأسرى شعائر دينية رجعية، بل أخذ يمنّن العالم أن من بقي منهم تحت حكمه من شأنه الارتقاء، شرط أن يتخلى عن هويته كما اعتادها، ويستبدلها بأخرى مؤاتية للمحتل ولتاريخه ولغته ونشيده وعقيدته.
مضت العقود الطويلة ومن خرج لاجئاً من وطنه وداره، في دول المنفى قاطبة وفي دول الجوار، لا يزال يتمسك بهويته وينادي بالعدالة ويطالب لنفسه بحقّه بالعودة، ولأهله بحقهّم بتقرير المصير، وبالدولة المستقلة، ويؤكد أنه صابر ومثابر على مطالبته وإن توالت الأجيال.
الموضوع هنا ليس فلسطين، بل "بلاد التيبيت" التي ضمّتها الصين الشعبية عام ١٩٥٠، وقمعت انتفاضتها عام ١٩٥٩، وقتلت من أهلها مئات الآلاف وهدمت معالمها ومعابدها خلال "الثورة الثقافية" في الستينات.
هذه الصين التي، على ما يراه التيبيتيون الأحرار في الخارج، ما زالت تعمل على طمس خصوصية التيبت التاريخية وتوطين الصينيين فيها، وقضمها وتحجيمها، فمقاطعة الحكم الذاتي المشروط التابعة للصين اليوم هي جزء وحسب من أراضي التيبيت التاريخية.
أليست هذه قضية حقّ جلي وظلم بواح؟.. لماذا لا تحظى بالدعم والتأييد؟.. أين الغضب والاستهجان ورفع الصوت بالاحتجاج لإنصاف المظلوم وإحقاق الحق؟.. لماذا لا تتعالى أصوات أصحاب المبادئ ودعاة العدالة والإنسانية في المحيط العربي نصرة لقضية التيبت المظلوم، بمصابه الذي يحاكي الظلم الذي تعيشه فلسطين؟.
واقع الأمر، ليس المطلوب ممّن ينشغل بتأييد الحق الفلسطيني أن يشهر هذه المواقف، وليس الغرض من هذا الكلام تعييره لعدم النهوض بوجه الصين تأييداً لقضية التيبيت، من باب "ماذا عن ... ؟"، وهو التوجه الذي يشتّت المواضيع كافة.
فمناصر فلسطين على الأغلب لا طاقة له للفعل، ولا اطلاع ولا اهتمام ولا معرفة، ومن العبث الافتراض أن كل صاحب قضية في مكان ما، ملزم بأن يكون صاحب قضايا العالم في كل أصقاع الأرض.
بل الغرض وحسب، من خلال إعفاء المؤيد لفلسطين بديهياً من مسؤولية إشهار الموقف المناهض للصين في شأن التيبيت، أو تركستان الشرقية، أو هونغ كونغ، أو تايوان) هو تبيان أن ازدواجية المعايير والكيل بمكيالين هو القاعدة الإجمالية العامة للجميع في معالجة كافة المسائل، فكل على قدر طاقته، وإن اجتهد كل طرف تهرباً من هذا الإقرار في إيجاد المبررات والتفسيرات لتبديد أوجه الشبه، بما يحافظ على أحقيته الكاملة ويُنقص من أحقية من يقابله.
وفي المحيط العربي من قد يلتمس الأعذار للصين إذا جوبه بموضوع سيطرتها على التيبيت، فقد يرى في الأمر حقوق تاريخية بالفعل، وقد يلحظ أنها تتخذ
إجراءات تضمن حقوقاً عدة للتيبيتيين.
وقد يوافق ضمناً على المهمة الحضارية للصين، وربما يطمئن إلى أن الصين، وإن كانت أقدمت على بعض المبالغات، فإنها تبقى في النهاية صاحبة مبادئ.
بل ثمة من قد يقرّ ضمناً بأوجه الشبه العميقة بين حال التيبيت وحال فلسطين، ثم يقرر الصمت من باب أنه ليس في اليد حيلة، وأنه من التيه الإضرار بالعلاقة المجدية مع الصين، ولا سيما في تأييدها للحق الفلسطيني.
على أن غالب من يتابع الشأن الفلسطيني سوف يبقى جاهلاً متجاهلاً متوقفاً عن النظر بالقضية التيبيتية التي لا تطاله، وله أن يفعل، ولن ينقص ذلك من أحقية القضية التيبيتية.
ويصحّ القول أن المؤيد لفلسطين يكيل هنا بمكيالين، إذ أن العالم كله، قويه وضعيفه، يكيل بمكيالين، وهو ما تفعله الولايات المتحدة، ومعها إلى حد ما سائر الغرب إنما على تباين، فيما يتعلق بالقضية الأوكرانية، مقارنة بالقضية الفلسطينية.
مضى على الفلسطينيين زهاء ثلاثة أرباع القرن وهم ينتظرون من مجلس الأمن الموقر وسائر الأسرة الدولية المصونة الصدق والحق والعقل والمنطق والإنسانية، والرحمة.. اللُحمة، التعاطف، التماهي، التماثل، التكامل، الاحترام، الإنصاف، العدل، الدولة. وما نالوا إلا ما يشبه كلام من يفترض أن يكون "قائد العالم الحر" حين جاءهم أخيراً ليقول لهم أنه حتى التفاوض بهذا الشأن سوف يحصل، إنما "ليس الآن".
متى يا ترى؟.. بعد ثلاثة أجيال أخرى ربما؟ أو رئيس يخلفك يقتطع ممّا تبقى ما شاء، وكأنها من مال أبيه، إرضاءاً لمن شاء، ثم يعيد وقاحة الأنفاق والجسور، وجوقة من يرى فيها حلاً معقولاً؟
لا حاجة لزعم خلاف الواقع، الازدواجية في المعايير أمر حاصل متحقق، في قضايا فلسطين والتيبيت وأوكرانيا، وكل القضايا، وهو لا يقتصر على الغرب، بل يشمل الجميع.
فكما أن أمر التيبيت يهون بالنسبة لمناصر فلسطين، فإن قضية فلسطين تهون لمن يعاضد غيرها.
وربما أن المطلوب العمل على التخفيف من وطأة الازدواجية القائمة، لا الزعم العبثي الهلامي حول وجوب استئصالها.
من يريد العدالة لفلسطين ليس منافقاً إذ يصمت بشأن التيبيت، ولكن بالمقابل فإن من لا يجاريه بافتراضه الأولوية لفلسطين، سياسياً أو أخلاقياً أو فكرياً، ليس بالضرورة كذّاباً أفّاكاً منافقاً.
ربما أن الإقرار بأن المطلق لدى الذات قد يكون نسبياً لدى الآخر هو نقطة البداية لصياغة الحوار الذي يرجى منه بعض الخير، وما يستتبعه هو التخفيف من الرغبة أو الحاجة إلى الاستهجان، وربما صياغة ردة الفعل ليس من باب افتراض الخبث والغدر وسوء النية (دون استبعادها بالكامل طبعاً)، ولكن من باب السعي إلى حل عملي بناء.
لا يعقل لأي إنسان شهد القتل والدمار الذي لحق بفلسطين مرات عدة، وبلبنان مرّات عدة، وبالعراق مرّات عدّة، وبسوريا، وبليبيا، وباليمن، أن ينظر إلى حال أوكرانيا ويبخّس مصاب أهلها، وربما من يفعل قد تحرّكه مشاعر يمكن تأويلها، إنما لا يمكن زعم أنها محقة أو منتجة.
نعم، ثمة إهانة بأن من لم يعبأ، كفاية أو قط، لأحوال أهل فلسطين ولبنان والعراق وغيرها يرفع اليوم عقيرته منادياً بالأخلاق والمبادئ، غير أن التعاطي مع كيله بمكيالين، له أن يسلك أحد سبيلين:
أما التشفي بمصاب أهل أوكرانيا والاصطفاف مع المعتدي عليهم وابتكار الأعذار التي لم تجترحها حتى مخيلة هذا المعتدي، ما يطيح بمنطق المكيالين ابتداءاً، حيث لا يجوز الاعتراض على ظلم الخصم مع المصادقة على ظلم أكبر يرتكبه الصديق (المفترض)، أو الالتزام بالمبدأ الواضح بأن الظلم ظلم، وإدانته فرض، والامتناع عن تسفيهه واجب، مع التأكيد الحاسم أنه لا سكوت عن هذا الظلم ولا عن غيره.
ولا يبدّل هذا الأمر أن يتوجه المظلوم، أي أوكرانيا بشخص رئيسها ڤولوديمير زيلينسكي في خطابه إلى الكنيست الإسرائيلي، إلى التماهي مع إسرائيل، مشبهاً صراعها مع جوارها وإصرارها على الصمود والبقاء بما تفعله أوكرانيا في مواجهة
الاجتياح الروسي.
المفكر السلوڤيني النافذ التأثير سلاڤوي جيجاك اعترض على هذه المقارنة داعياً زيلينسكي إلى إعادة الاعتبار انطلاقاً من أن التشبيه الأصلح هو أن أوكرانيا أقرب في مصابها إلى فلسطين، لا إسرائيل، وواقع الأمر أنه يحقّ للمعتدى عليه ما لا يحقّ لغيره.
على أرض الواقع، ليس على الفلسطيني نصرة التيبيتي، ولا على الأوكراني تأييد الفلسطيني، وإن كان الوضوح الفكري والمعنوي والأخلاقي واجب على كل مفكر في كل مكان.
إذا كان المستحسن أن يبحث المناصر للقضية الفلسطينية عن السبيل للتخفيف من وطأة ازدواجية المعايير، والتي أبقت القضية على الهامش لعقود طويلة، فإن هذا السبيل بالتأكيد ليس بالانتقام من الازدواجية بالركون إلى ما يتفوق عليها بالتردي، أي مناصرة المعتدي في حالة جلية، لمناكفة الغرب بعد وسمه بالنفاق.
ولكن، للتأكيد، إزدواجية المعايير لا تتوقف عند الذات.. أليس من حق إسرائيل أن تسأل مثلاً، بشأن الصين والتيبيت، لماذا لا تحظى المسألة بالمتابعة الأممية، بينما هيئات ولجان ووكالات عدّة تابعة للأمم المتحدة مخصّصة لإدانة السلوك الإسرائيلي إزاء القضية الفلسطينية؟ وكيف أن هذا المحيط العربي ما زال يغلي بشأن تهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين قبل عقود، فيما يحضّر لعودة طاغية دمشق إلى الأحضان، رغم أنه لم يهجّر بل قتل مئات الآلاف، فيما هو هجّر عشرات أضعافهم وسحق ومحق مستقبل أولادهم؛ وفيما يتغاضى عن استمرار مقتلة دون جدوى في اليمن، ويمنع حتى مناقشتها في المحافل الدولية؟
ربما أن الأقرب إلى الصواب هو القبول بأن المجتمع الدولي لم يصل بعد إلى مرجعية توافقية موحّدة حول الحق والباطل، الحسن والقبيح، وإن توهّم الاقتراب منها خلال القرن الماضي. وبانتظار بلوغ هذا الهدف الضبابي، فإن الموازنة المعنوية تبقى ذاتية.
في المحيط العربي، للحكام سياساتهم المعصومة من المساءلة، بما يتفق مع مصالح مجتمعاتهم حيناً ويخالفها أحياناً، ولمن يواجه الاحتلال اعتباراته
العملية، صلحت أو فسدت، ومنطقه سواء سلم أو سقم.
وفي غياب أطر الرقابة الثابتة كما في المجتمعات الحرّة، من شأن أصحاب الفكر والقول، عند التفاؤل، الاضطلاع بدور من يتحدى ويوجّه ويصوّب، لا من يبارك ويهلل، للحاكم وللمقاوم، على حساب المصلحة والمبدأ والقناعة.
جميع هذه الأمور قد تقتضي أن يبقى الإصرار الصارم على الحق الفلسطيني كلّه دون انتقاص، ولا يعكّره المزايدون في مسار التطبيع، ولكنها أيضاً تقتضي إثبات الحق الإسرائيلي بالحياة وبالبقاء والدولة والأمن، وإدراك أنه لإسرائيل رواية أحقية يقبلها الغرب لمضمونها، وليس لأوهام مؤامرات تلزمهم قبولها.
والامتعاض من التخلف الغربي عن إحقاق الحق الفلسطيني لا يستوجب النكاية بتأييد استنزاف روسيا لأوكرانيا، بل أن أي ظلم مهما كان مسعى تمويهه، هو ظلم وحسب، وبالتالي فإن إدانته فرض، والامتناع عن تسفيهه واجب.

