جمهور أردني
جمهور كرة القدم في الأردن. الصورة إرشيفية.

عاش الأردن حالة من التحشيد، والتراشق عبر منصات التواصل الاجتماعي بين مشجعي فريقي الفيصلي والوحدات قبل مباراتهما في بطولة الكأس، والتي أقيمت بتوجيهات أمنية دون جمهور، وانتهت بفوز نادي الوحدات بضربات الجزاء. 

طغيان خطاب الكراهية، واستشراء حالة التعصب قبيل مباريات كرة القدم بين الفريقين أمر متكرر، وليست استثناء، وما يحدث في الملاعب، وعلى منصات التواصل الاجتماعي انعكاس لأزمة كامنة في المجتمع حتى ولو غُلفت بكل خطابات، وشعارات الوحدة الوطنية. 

يعرف أصحاب القرار في الأردن أن إقامة مباراة دون جمهور لتفادي الصدامات، والحقن، والتعصب المجتمعي ليست الحل، والأصل ضمان حق الجمهور في مشاهدة المباراة، مع فرض سلطة القانون على كل من يتجاوزه. 

بعد انتهاء المباراة كان الأردن على موعد مع فاجعة مقتل طفل كان يحتفل بفوز فريق الوحدات حين داهمته "طوبة" ألقيت عليه، وبعد تحقيقات مكثفة، ومتواصلة أعلن الأمن العام القبض على "حدث" لم يتجاوز 16 عاما كان وراء إلقاء "الطوبة" لأنه غاضب من نتيجة المباراة. 

الأزمة لم تتوقف حتى الآن، وتداعياتها مستمرة، والأجهزة الأمنية أوقفت 14 شخصا اتُهموا بإشاعة خطاب الكراهية، والتحريض على الفتنة، وأحيلوا إلى القضاء. 

اللقاءات الكروية بين فريقي الفيصلي والوحدات مشحونة بالغضب عادة، ورغم حرص إدارة الناديين على الخطاب "الوحدوي"، وتحذير جمهورهما من التعصب، والحض على العنف، وملاحقة، ونبذ بعض المشجعين من الطرفين، إلا أن الهتافات المسيئة في المدرجات، وعلى السوشيل ميديا لم تتوقف. 

الأزمة في الملاعب ليست سوى صدى للتجاذبات بين مكونات المجتمع الأردني، وتحديدا بين من يُطلق عليهم "الشرق أردنيين"، و"الأردنيين من أصول فلسطينية"، وما لم تنتهِ، وتُعالج هذه المشكلة الصامتة، والمسكوت عنها، رغم معرفة الجميع بها، وبمخاطرها، فإن متوالية الصدام في المدرجات، وعلى السوشيل ميديا ستكون حاضرة، والمقاربات الأمنية لن تتمكن من استئصالها. 

يُقدم النادي الفيصلي نفسه كممثل لـ "الشرق أردنيين"، وفي المقابل يرى نادي الوحدات أنه صوت "الأردنيين الفلسطينيين"، وكلاهما يتقاذف الاتهامات، وخطاب المظلومية يطغى، والتلاوم لا ينتهي، واتحاد كرة القدم، والدولة بكل أجهزتها لم تُقدم حتى الآن حلولا ناجعة. 

التعصب في ملاعب كرة القدم الأردنية ربما يتجاوز فريقي الفيصلي والوحدات، وسُجلت مشاحنات، وصراعات في مباريات أندية أخرى، غير أن عنوان التحشيد، والعنف، وشغب الملاعب يظل مقرونا بالوحدات والفيصلي، ولا يغيب عن الأزمات أحداث الشغب التي وقعت إثر المباراة بينهما عام 2010، وتسببت في إصابة 250 شخصا من الجمهور بعد انهيار السياج الحديدي، واتهم على إثرها رئيس نادي الوحدات -آنذاك- طارق خوري بارتكاب مجزرة ضد جمهور فريقه، ووجه أصابع الاتهام لقوات الشرطة، واعتبر أن هناك أعداء للوحدة الوطنية، وأشخاص يعبثون بها. 

الأزمة سياسية بامتياز، وارتداداتها تقع في الملاعب، والحقيقة أن ظاهرة التعصب، والاستقطاب الهوياتي في المدرجات أزمة متدحرجة ككرة الثلج تكبر كل يوم، وهي عابرة للحكومات منذ عقود، وتأخذ حيزا من الاهتمام عندما تحدث اضطرابات، وتصعيد، ثم يخبو الاهتمام، وكل المحاولات التي طغت على السطح لتقديم مقاربات للحل مُنيت بالفشل، وفي عصر السوشيل ميديا، وفقدان الحكومة القدرة على السيطرة على المحتوى الذي يُصدّر للناس أصبحت القضية عنصر تأزيم مجتمعي، وقنبلة موقوتة تهدد السلم المجتمعي. 

من يخوض في جوهر المشكلة، وتفاصيلها، يصل بكل تجرد إلى أن ظاهرة التعصب الرياضي ليست بريئة، ولها رُعاة، وهناك مستفيدون منها، كانوا وما زالوا ينظرون لها كأداة للإلهاء، وتعزيز حالة الانقسام، والتشرذم لتظل هناك يدٌ فوق الجميع، وحتى تظل الهواجس، والمخاوف مُشتعلة، وتسهل السيطرة، وإحكام القبضة على كل المنخرطين في الصراع على مسرح الدمى. 

نظرية تشجيع، وتغذية التعصب الرياضي على أساس إقليمي، وجهوي لا يزال لها أنصارها، ومُريدوها، وربما يغيب عن بال هؤلاء أن هذه الظاهرة قد تصبح عصية على الاحتواء، وخارجة عن السيطرة، وقد تُشكل خطرا داهما، وتضرب في عصب المجتمع، وما عاد تحريكها، أو توظيفها يمكن السكوت عنه. 

قبل ذلك بعقود ألغي اسم نادي الوحدات، واستُبدل باسم نادي "الضفتين"، وبقيت الأزمة، وتعلو أصوات الآن تبحث عن معالجات، وحتى لو كانت جراحية، ومؤلمة، وتطرح فكرة إلغاء الفريقين، أو دمجهما، لكن هذا الارتجال ليس بوصلة بالاتجاه الصحيح، والمطلوب حل مستدام لا يُعاقب الجمهور غير المتواطئ مع الشحن، والتهييج، ويساعد على تطوير الرياضة، وانفتاحها على فضاء التجارب الإقليمية، والدولية الناجحة، وليس ارتهانها لنماذج تُعيد إنتاج الفشل، والخراب. 

المطلوب معالجات عميقة لا تتوقف عن قشور المشكلة، وإنما تغوص في أسبابها، والمستفيدين منها، ومن كرسوها لعقود، فالرياضة ليست ساحة للحرب والقتال بين مكونات المجتمع، وإنما مساحة لتقوية مناعة المجتمع، وتآلفه، وبناء صحة الإنسان، ومحطة إستراتيجية للاستثمار في مستقبل الأجيال القادمة. 

لست مغرما في كرة القدم في بلادنا، ولا يُعجبني مستواها، وحين أشاهد مباراة لأي فريق وطني، وأقارنها بما أراه في الملاعب الدولية أحزن على حالنا، وأتحسر على وضعنا، وفوق كل الضعف الفني الذي نُعاينه تُعشعش كل الأمراض الرياضية، وفي مقدمتها العنف، وخطاب الكراهية، وتراجع الروح الرياضية. 

المشهد في الأردن يُركز الصورة على كرة القدم، ولا يلتقط باهتمام كبير، وشغف قصص النجاح خارجها، فلا يشغلنا كثيرا النتائج المُبهرة التي حققها منتخب كرة السلة، وضرورة الاستثمار به، أو فريق السيدات لكرة القدم الذي لفت الأنظار لتميزه، وجدارته، أو تفوقنا رغم شُّح الإمكانيات في الرياضات القتالية، مثل: الكاراتيه، أو التايكوندو، وإنما نظل في شباك كرة القدم، وأسيرون لجماهيريتها. 

سأنظر إلى النصف المليء بالكأس، وأتسلح بجرعة من التفاؤل، فقد أسعدني الاطلاع على الاستراتيجية الوطنية للرياضة التي أعدتها اللجنة الأولمبية، باعتبارها اجتراح، ومقاربات تؤسس لبناء تصور نحو المستقبل، تصبح الرياضة محركا للتنمية المستدامة، وقوة أساسية لدعم السياحة، وتوليد فرص العمل، وكل هذا جيد، وتفكير خارج الصندوق، وطبعا ليس كلاما نظريا، ولغوا، ومن زار برشلونة مثلا، وكانت له فرصة لزيارة نادي برشلونة، يعرف كيف أصبح النادي ركنا أساسيا في تحريك الاقتصاد، وجذب السياحة، وليس ماكينة تشحذ الهمم لاحتراب مجتمعي. 

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.