سلاح حزب الله فقد منذ سنوات طويلة قدرته على إقناع أحد بضرورات الدفاعية
سلاح حزب الله فقد منذ سنوات طويلة قدرته على إقناع أحد بضرورات الدفاعية

لن يكون لبنان هو نفسه بعد اتفاق ترسيم الحدود بينه وبين إسرائيل! لكن طبعاً سيقاوم حزب الله هذه المعادلة المستجدة، وسيسعى لمواصلة وظيفته الداخلية، ويبدو أنه لن يجد ممانعة صلبة لمساعيه.

سلاح حزب الله فقد منذ سنوات طويلة قدرته على إقناع أحد بضرورات الدفاعية، لكنه اليوم بعد الاتفاق أمام أسئلة أكثر صعوبة، والحزب الذي لطالما كان غير معني بإقناع اللبنانيين بالحاجة إليه، سيجد نفسه عاجزاً عن توظيف غلبته العسكرية في أكثر مما وظفها في السنوات الفائتة، لا سيما بعد حرب تموز 2006. الوظيفة الداخلية للسلاح، مهما تعاظمت، فهي محكومة بمعادلات العلاقات البينية، التي وإن تمكن الحزب من ممارسة طغيانه عليها، إلا أنه لم يتمكن من أن يطيحها بالكامل.

السلاح سيجد نفسه أمام ضرورة الانتقال نحو مهمة تغيير في معادلة العلاقات بين الجماعات الطائفية التي كان اتفاق الطائف قد عاد وصاغها وفق مشهد داخلي وإقليمي مختلف. فهل يستطيع حزب الله أن يستثمر غلبته الداخلية والإقليمية في "وثيقة تأسيسية" ثالثة، إذا ما اعتبرنا أن ميثاق 1948 هو الوثيقة الأولى والطائف هو الوثيقة الثانية؟ 

هذا السؤال ساقته أيضاً واقعة الدعوة للحوار التي وجهتها قبل أيام السفارة السويسرية في بيروت، والتي وجهت لقوى سياسية وطائفية من بينها حزب الله، وهي أثارت حفيظة السفير السعودي في بيروت، ما أدى إلى إلغاء اللقاء. فقد اعتبرت السفارة السعودية، ومن ورائها قوى سنية، أن اللقاء هو تمهيد لمؤتمر تأسيسي يهدف إلى تجاوز الطائف!

السعوديون يعتبرون أن اتفاق الطائف ابنهم، والجماعة السنية اللبنانية التي نقل الطائف صلاحيات من رئيس الجمهورية وأعطاها للحكومة التي ترأسها شخصية منها، تعتبر أن المس بالطائف هو مس بـ"موقع الطائفة"!

و"مخاوف السنة" قد تكون في مكانها إذا ما كان صحيحاً أن مؤتمراً تأسيسياً يلوح في الأفق. فالمشهد الداخلي اليوم منعقد على حقيقة تصدر حزب الله، وعلى انكفاء السنة وضعف المسيحيين. طاولة التفاوض ستُرمى عليها هذه الأوراق، ما سيعني أن الوثيقة التي سترث الطائف ستأخذ بعين الاعتبار موازين القوى هذه، كما أنها ستجري في ظل انكفاء سعودي وتمدد إيراني في الإقليم. وفي هذه اللحظة يبدو أن التمسك بالطائف من قبل خصوم الحزب المذهبيين هو الخيار الوحيد.

لكن المرء اذ يعاين اختلالاً كبيراً بالمعادلة التي انتجت الطائف يدفعه للاعتقاد بأن "مخاوف السنة" في مكانها، لا بد له أن يعاين عجز حزب الله على الانتقال بسلاحه من وظائفه الداخلية والإقليمية إلى المعادلة الداخلية غير العسكرية. فالحزب غير مُعد لغير القتال، وهو لا يجيد غير عسكرة جماعته وبيئته. وهو عجز طوال سنوات تصدره وطغيانه على المشهد اللبناني عن بلورة حضور يتجاوز تلك الوظيفة. فقد كشف خلال هذه السنوات عن أنه سلطة عاجزة عن مواكبة نفوذها الأمني والعسكري بحضور مواز في المجالات التي تفترضها السلطة. سلطة من دون لغة ومن دون مروية غير "المروية الحسينية"، ولعل المثل الأبرز عن هذا العجز هو ما شهدته الـ"سوشيل ميديا" اللبنانية عندما اشتعلت مؤخراً بفيديو "انفلونسر" حزب الله محمد كوثراني، فالفيديو كشف المسافة الهائلة التي تفصل حزب الله عن اللبنانيين، ومن بينهم الشيعة. وهنا لا نتحدث عن اللغة الخشبية ولا عن عجرفة الخطاب، انما عن سلطة لا تملك لساناً ولا لغة، وعاجزة عن مخاطبة تلامذة المرحلة الابتدائية. هذا الفارق بين القوة والعجز هو تماماً نموذج مأزق حزب الله. الانتقال من سلطة السلاح إلى ما بعد الطائف، هو انتقال من عماد مغنية إلى محمد كوثراني.

ثمة عجز في مكان جوهري يعانيه الحزب، فحتى نماذج السلطة في الدول التي يستمد منها نموذجه، صنعت، وان على نحو ركيك ومراوغ، حضوراً موازياً في المجالات غير الأمنية، فيما هو عندما قرر أن يكون له مسرحه لم يجد إلا السيرة الحسينية، ولم يجد غير "الكوثراني" يقدمه كـ"انفلونسر". هذا الضيق ينسحب على أشكال الحضور اليومي، ناهيك عن اصطدام دعاويه بحقيقة اختلافات أنماط عيش اللبنانيين، وعدم شعوره بضرورة انتاج اقتراحات لتكييفها مع شروطه.

لكن اتفاق ترسيم الحدود لم يولد من العدم، فهو مؤشر لصفقات محتملة موازية، وهو رغم كل شيء، اتفاق بين دولتين له ما بعده، وربما يجد حزب الله نفسه مضطراً للانتقال إلى البرنامج الذي رسمه محمد كوثراني طالما أن الأخير هو الطاقة الذهنية الوحيدة المتاحة الآن!

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.