طرد إكويوسن بسبب تصريحات معادية للسامية
مركز إسلامي في فرنسا. إرشيفية.

لم أزل أتذكر كيف تم تحويلي إلى "متطرف" داخل الجماعة الإسلامية المصرية في بضعة أشهر فقط وأحمد الله أني رفضت فكرهم بعد عامين فقط من تبنيه واتباعه، ودون المشاركة في أي جريمة من جرائمهم المتعددة باسم الدين. 

وفي هذه المقالة أسرد ما شاهدته وعايشته من وسائل التطرف المتعددة التي تم استخدامها معي ومع الآخرين لغسل مخهم وحثهم على تبني فكرا شاذا لا يتماشى مع الضمير الإنساني ولا مع مبادئ العدل. 

ومن أسس التطرف المختلفة ما يلي كما سأسرد في الأسطر القادمة. 

الأساس الأول: إحباط الفكر النقدي داخل العقول فلم أزل أذكر كيف قالو لي أن "الفكر كفر" في أول يوم لانضمامي للجماعة الإسلامية بكلية طب القاهرة في أواخر السبعينيات من القرن الماضي. وكانت مشكلتهم أن التفكير يتناقض مع مبدأ السمع والطاعة في الدين، أي كما يقول الفنان أحمد راتب للفنان عادل إمام في فيلم "الإرهابي"- "لا تجادل ولا تناقش يا أخ علي". 

الأساس الثاني: إحباط الضمير الإنساني ومنع استخدامه ففي فكرهم أن كل شيء مباح طالما هو "حلال" حتى لو تسبب في ظلم آخرين. وهذا المبدأ في غاية الخطورة لأنه يجعل الإنسان يدوس على ضميره أو يحبطه بالرغم من أن القرآن كان واضحا في إعلاء مبدأ الضمير الإنساني بقوله جل وعلا "وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ". فالنفس البشرية تعرف ماهو الصواب وما هو الخطأ وتستطيع أن تحكم على الأشياء بقاعدة بسيطة "عامل الآخرين كما تحب أن يعاملوك". 

الأساس الثالث: استخدام المصادر غير القرآنية بدلاً من القرآن. وهذا الأمر كان كارثياً لأن بسببه تم إقرار حكم الرجم وحكم الردة وقتل تارك الصلاة وغير ذلك من القوانين اللا-إنسانية التي تم ابتداعها في الدين والتي تتعارض تماماً مع القرآن نفسه. 

الأساس الرابع: إهمال المبادئ العامة في القرآن وتفضيل آيات نزلت في سياق بعينه. فعلى سبيل المثال لا الحصر يأخذ المتطرفون  بآيات القتال مثل "كتب عليكم القتال "، دون اعتبار لموقف الحرب وقتها ودون اعتبار للمبدأ القرآني العام "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها". 

الأساس الخامس: جعل تفكير المجتمع المنحرف في منزلة أعلى من منزلة القرآن الكريم. ومن ضمن الأمثلة الواضحة في هذا الأمر استباحة قتل الزوج لزوجته إذا وجدها في حالة زنا فيما يسمى بجرائم الشرف – والشرف براء من أمثالهم – بالرغم من أن القرآن أعطى الزوج في مثل هذه الحالة فقط الحق في أن يشكوها إلى القاضي ويشهد على هذا في ما يسمى بـ"الملاعنة" والتي تم ذكرها تفصيلياً في سورة النور". 

الأساس السادس: استقطاع أجزاء معينة من الآيات لخدمة أغراض التطرف فلا يمكن أن أنسى في إحدى مظاهرات الجماعة الإسلامية داخل كلية طب القاهرة وهم يرفعون لافتات مكتوب عليها " وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً " وهو استقطاع لجزء من الآية الكريمة " وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً". 

الأساس السابع: إهمال أدوات التعريف في فهم القرآن فهناك فارق كبير بين قوله تعالى " فَٱقْتُلُواْ ٱالْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ" وبين أن يقول "فَٱقْتُلُواْ من أشرك" فالأولى – وهي التي تم ذكرها في القرآن تخصص المعنى في موقف بعينه  لأن بها أداة تعريف "ال" قبل كلمة "مشركين" والثانية تعمم المعنى على جميع الحالات. والفارق كبير في المعنى فالفهم الأول يتسبب بل تسبب في قتل كثيرين والفهم الثاني قد ينقذ حياة كثيرين! 

الأساس الثامن: الإيمان بأن مفهومنا الديني هو "الحقيقة المطلقة" فبالنسبة للمتطرف فإن ما يراه هو الحقيقة المطلقة غير القابلة للمناقشة. ويتناقض هذا التفكير تماماً مع أبسط قواعد المنطق أن ما أراه من منظوري أو زاويتي قد يكون مختلفاً تماماً عن ما يراه غيري من زاوية أخري. 

الأساس التاسع: إعطاء الحق لأنفسنا أن نحكم على الآخرين بالصلاح أو بالضلال بالرغم من تناقض ذلك مع صريح القرآن والذي يقول "وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ" (سورة الأحقاف آية 9). 

الأساس  العاشر: الحرفية في فهم الدين وآيات الكتاب الكريم وهو أمر في غاية الخطورة لأن الفهم الحرفي قد يتناقض تماماً مع الهدف الرئيسي للقرآن. ولذا فإن إعلاء المبادئ العليا للقرآن مثل حرية العقيدة " فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ" فوق حرفية فهم بعض الآيات هو ضرورة حتمية لمقاومة التطرف. 

الأساس الحادي عشر: جعل أداء العبادات أو ما يسميه البعض بالطقوس الدينية أهم من روح الدين والمعاملات الإنسانية فقد كان فهم الدين عند كثيرين في الماضي هو الإيمان بالله وعمل الخير للآخرين. وللأسف تحول ذلك منذ أواخر السبعينيات من القرن الماضي (أو ما يسمى بالصحوة الإسلامية) إلى اهتمام بأداء عبادات حركية دون الاهتمام بجوهر الدين الحقيقي وهو عمل الخيرات للناس جميعاً. 

الأساس الثاني عشر: فقدان أسس التفكير العلمي مثل التفكير المنطقي. فعلى سبيل المثال يروج المتطرفون لأتباعهم أن الغرب يضطهد الإسلام والمسلمين متناسين تماماً أن الآلاف من المساجد قد تم بناؤها في الغرب وأن الآلاف من المسلمين يعملون وينجحون في الغرب ومن أشهر وأقرب هذه الأمثلة نجاح اللاعب المصري محمد صلاح في فريق ليفربول الإنكليزي وغير ذلك من ألاف الأمثلة الأخرى. 

وهذه الأسس الفكرية توضح لنا أن جذور وأسس مشكلة التطرف تكمن أساساً في الفكر قبل أي شيء آخر. 

وللحديث بقية! 

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.