نشطاء يستخدمون أساليب غير تقليدية للفت الأنظار لقضايا البيئة. أرشيفية - تعبيرية
نشطاء يستخدمون أساليب غير تقليدية للفت الأنظار لقضايا البيئة. أرشيفية - تعبيرية

في ظل الكوارث البيئية المتتالية التي يشهدها العالم  بسبب التغير المناخي، باتت قضايا البيئة الملحة وتحدياتها المستقبلية إحدى أبرز أولويات العالم التي لاتحتمل أي تباطؤ أو تأجيل، بل وتستوجب إعلان حالة الطوارىء العالمية القصوى وفرض قواعد بيئية صارمة وتقاسم المسؤولية بين الحكومات والمنظمات والأفراد، وهو مايؤمل أن يخرج به مؤتمر المناخ القادم الذي سينعقد في شرم الشيخ على البحر الأحمر في السادس من نوفمبر القادم.

نشطاء البيئة لايقصرون في المعتاد في بذل جهود جمّة للفت الأنظار لقضايا البيئة والمخاطر  المتعلقة بها. لكنهم لم يوفقوا في المرة الأخيرة، بل وأثاروا حفيظة الملايين بسبب الأسلوبية التي اتبعوها الأسبوع الفائت في سكب زجاجات الحليب في متاجر العاصمة البريطانية، وتلويث لوحة أزهار عباد الشمس لفان كوخ بمسحوق الطماطم في أحد المتاحف، وغيرها من الممارسات التي بدت أشبه باعتداء سافر على الممتلكات العامة والخاصة.

ماقام به هؤلاء النشطاء لأجل منع ذبح الحيوانات أو إيقاف مخاطر استخراج الوقود الأحفوري وانبعاثات الغاز وغيرها، وإن حقق الهدف منه في لفت الانتباه بشكل واسع على الوسائل الاعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي، إلا أنه أثار نفوراً عاماً من هذه الأسلوبية الفظّة، كأن يصفع أحدهم ابنه خوفاً عليه أو لأجل تنبيهه من أمر ما، كما يمكن إدراجه ضمن آلية التفكير المكيافيلية التي تبرر أية وسيلة لأجل الغاية.

من حيث المبدأ، لا تذبح الحيوانات لأجل الحليب الذي يعتبر غذاء أساسيا لنمو وصحة الإنسان وكافة الكائنات الحية، وبدا مشهد هؤلاء النشطاء النباتيين وهم يهدرون الحليب على الأرض استفزازياً ومبعث قهر لملايين الفقراء الذين يحلمون برشفات صغيرة منه، وفي مقدمهم أطفال اليمن وأثيوبيا وعدد كبير من الدول التي تعاني من مجاعات متتالية ويقضي أطفالها يومياً بالمئات بسبب سوء التغذية أو انعدامها.

وفي الأساس، تعاني معظم دول العالم اليوم من ضيق اقتصادي كبير لأسباب عدة، الأمر الذي أدى إلى تراجع طبيعي في استهلاك اللحوم، وأخرجها كمادة غذائية رئيسة وباهظة الثمن من أولويات الغذاء اليومي لعدد من الشعوب، وتسبب هذا الترشيد الاستهلاكي في استهلاك اللحوم إلى بعض الأمراض المناعية ونقص حاد في بعض الفيتامينات الرئيسة التي يحتاجها الجسم، كما سجل في سوريا ولبنان واليمن.

ولو سلمنا بحسب بعض نظريات التغذية الحديثة أن الغذاء النباتي أكثر صحي للإنسان على المدى الطويل، فلن يتغير الأمر كثيراً من جوانب أخرى، إذ تحتاج الخضار إلى كثير من المياه النظيفة لغسلها وتعقيمها في ظل شح للمياه في عدد من الدول وانتشار الكثير من الأوبئة، إضافة إلى المبيدات الحشرية التي ترش بها، كما تحتاج معظمها إلى الطهي باستعمال الغاز أو الكهرباء أو الحطب أو الفحم أو غيرها.

أي أن التحول إلى (عالم نباتي) قد يخفف من أعداد الحيوانات المذبوحة، لكنه لن يخفف من استهلاك وسائل الطاقة كواحدة من أبرز مسببات التلوث، إلا إذا كانت بدائل الطهي والتدفئة والتبريد ستعتمد على المصادر الطبيعية كالطاقة الشمسية أو طاقة الرياح، الأمر الذي يعني زيادة في عدد المصانع المنتجة للمستلزمات الرئيسة لها مثل الألواح الزجاجية والكابلات وتصنيع عنفات الهواء المعدنية وآليات النقل والتسويق وغيرها.

في الواقع، كل الجهود التي تبذل لأجل إيجاد حلول صحيحة وجذرية تساهم في الحد من التدهور البيئي، هي في النهاية جهود ذات غايات نبيلة حتى وإن أخطأ نشطاء البيئة بسلوكهم الأخير. لكن البوصلة الحقيقية يجب أن تتوجه نحو إيقاف المسببات الأكبر لأضرار المناخ، وأبرزها دون منازع هو الحروب، التي تترك آثارها الكارثية لسنوات طويلة في الأجيال المتلاحقة، والمدمرة للتربة والمياه والهواء وكل الكائنات الحية التي تعيش فوقها أو ضمنها. 

إلى اليوم يولد أطفال في اليابان يحملون الآثار الكارثية المتوارثة الناجمة عن تفجير القنبلة الذرية في هيروشيما وناغازاكي. كما منعت دول عدة استيراد الأسماك من الكويت لنحو خمس سنوات عقب انتهاء حرب الخليج الأولى1991 بسبب مادة اليورانيوم المنضب التي وجدت في المياه. وفي العراق مازالت ملوثات البيئة في التربة والمياه بعد انقضاء الحرب قبل نحو عشرين عاماً، وكذلك في التربة اللبنانية بعد حرب يونيو 2006، وفقدت سوريا مساحات شاسعة من ثرواتها الزراعية وما يقرب من 70% من ثرواتها الحيوانية بسبب الحرب.

أما أحدث الكوارث البيئية، فستنجم دون أدنى شك عن الحرب الروسية الجارية على أوكرانيا، وما تتسبب به من حرق للغابات والمساحات الخضراء والمتنزهات الطبيعية والأراضي الزراعية  وقتل عشوائي للإنسان والكائنات الحية. وإن كانت أوكرانيا قد تمكنت بجهود صعبة من تصدير بعض قمحها هذه العام، سيكون هذا الأمر الحيوي لها وللعالم في غاية الصعوبة في السنوات القادمة بحسب الخبراء مع تقلص المساحات الزراعية المستمر وتلوث التربة والمياه والهواء.

إضافة إلى ماتسببت به الحرب من نتائج سلبية في ما يتعلق بإمدادات الغاز، واحتمال فرض تقنين إلزامي على الأوربيين وهم على أبواب الشتاء، الأمر الذي قد ينجم عنه زيادة في التحطيب واقتطاع جائر للغابات. إضافة إلى الكارثة البيئية الأخيرة التي تسبب بها انفجار خط أنابيب "نورد ستريم" في بحر البلطيق الشهر الفائت وتسرب غاز الميثان منه إلى جو الأرض بمقدار 300 ألف طن متري، وهو أقوى الغازات المسببة لاحترار الأرض والاحتباس الحراري.

من الصعب تعداد آثار الحروب وأضرارها على البيئة لكثرتها، ومن الصعب أيضاً إيقاف هذه التأثيرات الضارّة في يوم وليلة. وعليه، تتقدم الحروب الأسباب المخربة للحياة من كافة جوانبها، وتفرض مسؤولية كونية جماعية للضغط لأجل إيقافها بكافة الوسائل، بحيث تبقى الأولوية هي وقف سفك الدماء، قبل سفك الحليب.

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.