فضائح الفساد تتوالي في العراق
فضائح الفساد تتوالي في العراق | Source: Social media: Mayoralty.baghdad

يتداول العراقيون كلمة "الفرهود" في المفردات الشعبية استحضاراً لحوادث السلب والنهب، بعيداً عن أصل الكلمة واشتقاقها اللغوي. تاريخياً ترتبط مفردة "الفرهود" بأعمال السلب والنهب التي قام بها الجيش العثماني في العراق، وحديثاً تُستحضَر لِوصف أعمال العنف وسرقة الممتلكات التي استهدفت اليهود العراقيين ببغداد في أربعينيات القرن الماضي، وذلك بعد الفوضى التي أعقبت سقوط حكومة رشيد عالي الكيلاني التي أتت بعد انقلاب حركة الضبّاط في أيار/ مايو 1941. وجرى توثيق تلك الحوادث في مربعات بغدادية- أحد ألوان الغناء الشعبي البغدادي- إذ تقول: "حلو الفرهود كون يصير يوميّة.. حلو الفرهود كون يصير يا إخواني".

وإذا كان الفرهود تاريخياً يرتبط بأعمال سلب يقوم بها الغزاة وبعنف مجتمعي ضد الأقلية اليهودية في العراق، فهو اليوم ظاهرة تقودها مافيات سياسية وبتواطؤ الحكومة تسعى لنهب خزينة الدولة، من دون حسيب ولا رقيب. والسرقات تجري على يد شبكات عنكبوتية ترتبط بقوى السلطة المتنفذة تارةً، وتارة أخرى تكون على يد شخصيات تُدير المناصب العليا في الدولة.

تتوالى فضائح الفساد في العراق حتى أصبحنا ندور في دوامة الفضائح، وفضيحة تنسينا أخرى! وأصبحت أخبارها من القضايا اليومية المعتادة، وحتى الأرقام لم يعد لها أي اعتبار، فالحديث عن السرقات وصفقات الفساد بات يتجاوز ملايين الدولارات، وأصبحنا نتحدّث عن مليارات الدولارات تُسرَق من الخزينة العامة لِلدولة، ويتم تداول الخبر ليوم واحد أو ليومين أو ثلاثة. ولكن لا تنتهي تلك الفضائح في استعادة الأموال المسروقة أو إلقاء القبض على المتورطين بالسرقات أو الفساد، وإنما تنتهي عندما ننشغل بفضيحة جديدة أخرى!

شخَّصَ الصحفي الأميركي Robert F. Worth ملامحَ الفساد السياسي بعيون غير العراقيين، بقوله: "بالنسبة لِغير العراقيين، قد تبدو الحياة السياسية العراقية مثل حرب العصابات، لكنّها في معظم الأوقات تجري تحت غطاء هذا الصراع سرقات بمنتهى الهدوء". أمّا ممثلة بعثة الأمم المتحدة في العراق (يونامي) جنين بلاسخارت، فاختصرت توصيف الفساد في العراق بهذه العبارة: "إنَّ الفساد المستشري هو سبب جذري رئيسي في الاختلال الوظيفي في العراق، وبصراحة، لا يمكن لِزعيم أن يدّعي أنّه محصَّن منه".

فضيحة سرقة مليارين ونصف مليار دولار من أموال ضرائب الشركات النفطية، لن تكون الأخيرة قطعاً، وهي ليست أول عملية تحايل لِسرقة الأموال، وإنما تتمثل خطورتها في تكوين توجّه جديد في طرق الفساد، حذَّرَ منه وزير المالية علي عبد الأمير علّاوي في حكومة الكاظمي، عندما كتب في استقالته: "إذ تعمل شبكات سريّة واسعة من كبار المسؤولين ورجال الأعمال والسياسيين وموظفي الدولة الفاسدين في الظل لِلسيطرة على قطاعات كاملة من الاقتصاد، وتُسحَب مليارات الدولارات من الخزينة العامة. هذه الشبكات محميّة من قبل الأحزاب السياسية الكبرى والحصانة البرلمانية وتسليح القانون وحتّى القوى الأجنبية". ومختصر ما يريد قوله علاوي، أنَّ الفساد لم يعد يقتصر على الوجوه التقليدية وإنما تَغوَّلَ ويريد أن يسطو على أموال خزينة الدولة وعبر شبكات تملك النفوذ السياسي وتحتمي بسطوة السلاح المنفلت والحماية الخارجية.

وفي بيان أصدره وزير المالية المستقيل علي علاوي بشأن المبالغ المسروقة مِن هيئة الضرائب، يعترف علاوي بأنّه قبل عام من فضيحة سرقة الأموال قد وصف التجاوز على صلاحياته من قبل مكتب رئيس الوزراء، ولكنّه اكتفى بالاعتراض على ذلك بالقول: "إنهم يتنقلون ويعينون الحمقى، الذين عليَّ أن أزيل فوضاهم لاحقاً. لا يمكنني الاستمرار على هذا النحو عندما أعلم أن الوزارة تلتهم من الداخل ولا يمكنني فعل أيّ شيء حيال ذلك. كل الدوائر مخترقة من الأحزاب والمتنفذين ولا يوجَد أي شخص ذي قدرة وقابلية مستعد أن يعمل بهذه الأجواء" لكنّ الغريب أن علاوي استمر عاماً كاملاً رغم هذه الاعتراضات التي يذكرها.

أقبح ما في جمهورية "الفرهود" هو مشاركة نخب تقدّم نفسها بعنوان "تكنوقراط"، ولعلّ حكومة الكاظمي كشفت عورة الوزراء التكنوقراط وأثبتت مشاركتهم في تنامي الفساد، سواء أكان بسكوتهم على الصفقات التي يتم تمريرها داخل مجلس الوزراء، أو قبولهم بالتعيينات التي تُفرَض عليهم من مكتب رئيس الوزراء، أو حتّى تهاونهم وتخاذلهم أمام فضح ملفات الفساد داخل وزاراتهم.

ولعلّ علي عبد الأمير علاوي يمثّل أنموذجاً لذلك التكنوقراط، الذي اختار الاستقالة من المنصب ومن ثمَّ التحدث عن تشخيصاته لمظاهر الفساد، وكلّ ما تحدّث عنه يشكّل إدانة له لا تعفيه من المشاركة أو غض الطرف عن معاملات الفساد في وزارته.

لكنّ علاوي ليس التكنوقراط الوحيد في حكومة الكاظمي، فهناك وزير تحدّث في ورقة بحثية قدّمها توبي دودج وريناد منصور لمعهد تشاتام هاوس البريطاني، عنوانه: الفساد تحت المظلّة السياسية وعوائق الإصلاح في العراق، في حزيران 2021، يقول في مقدمة التقرير نقلاً عن وزير في حكومة الكاظمي: "توقيعي مجرد ختم مطاطي بعد أن تكون العقود قد أقرّت بالفعل". ويبدو أن ذلك هو حال أغلب الوزراء في الحكومات العراقية المتعاقبة منذ 2003.

وربما فضائح الفساد قد تكون نتيجة حتمية لِسطوة نظام حكم اللصوصية، لكنّ الجريمة الأبشع هي لعب دَور البطولة في فضحها من قبل الشخصيات الحكومية أو السياسية التي هي شريك أساسي في استفحال ظواهر الفساد والسطو على المال العام، أو محاولة التنصّل عن المسؤولية الأخلاقية والسياسية لِلشخصيات التي تعمل بوظائف عليا في الحكومة، فتلك جريمة استغفال واضح لأربعين مليون عراقي.

ختاماً، الانتقالات السياسية في العراق غير واضحة المعالم بعد عشرين عاماً من تغيير نظام الحكم في 2003، ولحدّ الآن لا يمكن لأحد أن يتنبأ بمآلات التحوّل في بنية النظام السياسي، لكنّ الوصف الأدق لعملية الانتقالات هو انتقالنا من جمهورية الخوف إلى جمهورية الفوضى، حتّى وصلنا إلى جمهورية الفرهود! 

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.