أعلام أميركية معلقة قرب مبنى سوق الأسهم الأميركية في وول ستريت
أعلام أميركية معلقة قرب مبنى سوق الأسهم الأميركية في وول ستريت

تقليديا تعتبر الانتخابات النصفية استفتاء على شعبية الحزب الحاكم وسياساته، كما تؤدي في معظم الأحيان إلى فوز مرشحي الحزب المعارض بأكثرية مجلسي الكونغرس.

ولكن الشعب الأميركي لا يعيش الآن في ظل ظروف عادية. النظام السياسي لا يزال يعاني من مضاعفات تحدي اقتحام مبنى الكابيتول لقلب نتائج الانتخابات الرئاسية في 2020، والاستقطابات السياسية والثقافية والأيديولوجية الراهنة تذّكر المؤرخين والمحللين بالأجواء المتوترة التي خيمت على البلاد في السنوات التي سبقت الحربية الأهلية في منتصف القرن التاسع عشر.

الخلافات بين الحزبين لم تعد مقتصرة على الطروحات السياسية والاقتصادية التقليدية مثل أي نظام ضرائبي أفضل، أو كيفية معالجة آفة المخدرات، أو ارتفاع معدلات الجريمة وغيرها من المشاكل التي تكون عادة في صلب أي نقاش انتخابي.

في هذه الانتخابات، التي ستكون لها مضاعفات على الانتخابات الرئاسية في 2024، ليس من المبالغة القول إن الديمقراطية الأميركية بحد ذاتها هي على المحك، مع بروز أكثرية في الحزب الجمهوري ترفض شرعية انتخابات 2020 الرئاسية، أو ترفض الالتزام المسبق بقبول نتائج الانتخابات المقبلة، وفي ظل خلافات عميقة بين الحزبين حول القوى أو العوامل التي تهدد الديمقراطية الأميركية. 

كما تجري هذه الانتخابات النصفية وسط تضخم في الأسعار لم تشهده الولايات المتحدة منذ أكثر من 40 سنة، وبعد أشهر قليلة من قرار تاريخي اتخذته المحكمة العليا التي تسيطر عليها أكثرية محافظة بإلغاء القانون الفيدرالي الذي سمح للمرأة الأميركية بالإجهاض منذ حوالي نصف قرن. 

وإذا لم تكن هذه التحديات الداخلية كافية، تجري هذه الانتخابات النصفية في ظل اقتصاد عالمي لا يزال يحاول النهوض من الأعباء التجارية لجائحة كورونا، وفي ظل أول حرب نظامية تشهدها القارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا، وهي حرب ليس من المرشح أن تنتهي في أي وقت قريب، وخلقت شروخاً سياسية واقتصادية وأمنية في جميع أنحاء العالم، ووضعت الغرب عسكريا واقتصاديا وراء أوكرانيا في مقاومة الاحتلال الروسي.

وتظهر استطلاعات الرأي أن هناك هوة ضخمة بين أكثرية الأميركيين التي ترى أن الديمقراطية الأميركية في خطر، والأقلية الضئيلة التي ترى في هذا الخطر التحدي الأكبر الذي تواجهه البلاد حاليا.

هذه المفارقة بدت صارخة في آخر استطلاع للرأي أجرته صحيفة نيويورك تايمز بالتعاون مع جامعة سيينا، والذي أظهر ان 71 بالمئة من الأميركيين وافقوا على أن "الديمقراطية الأميركية حاليا هي في حالة خطر"، ولكن 7 بالمئة فقط رأوا أن الوضع الراهن للديمقراطية هو " المشكلة الأكثر أهمية التي تواجهها البلاد الآن".

أكثرية الأميركيين الذين شاركوا في الاستطلاع قالوا إن المشكلة الأكثر أهمية التي تواجهها البلاد حاليا هي الاقتصاد (بما في ذلك الوظائف ووضع الأسواق المالية) إضافة إلى ارتفاع معدلات التضخم وكلفة المعيشة. وعقب ذلك قضايا مثل الإجهاض والهجرة. فقط 1 بالمئة من الأميركيين يرون أن السياسة الخارجية هي المشكلة الأكثر أهمية، و 2 بالمئة وضعوا روسيا والحرب في أوكرانيا في المرتبة الأولى.

خلال فصل الربيع  ساهمت معدلات التضخم وأسعار الوقود العالية في تحسين فرص الجمهوريين بالفوز في الانتخابات النصفية. ولكن حظوظ الديمقراطيين تغيرت مع بداية الصيف وقرار المحكمة العليا حول الإجهاض،

وبدأ انخفاض أسعار الوقود، ما سمح للرئيس جو بايدن بالقول إن اسعار الوقود أصبحت إلى حد كبير تحت السيطرة، حيث تزامن ذلك مع ازدياد عدد النساء الأميركيات اللواتي أسرعن إلى تسجيل أسمائهن للمشاركة في الانتخابات ضد المرشحين المؤيدين لقرار المحكمة العليا حول الإجهاض.

ولكن أسعار الوقود ارتفعت بعض الشيء في أعقاب اتفاق مجموعة "أوبك بلاس" خفض إنتاجها الإجمالي بحوالي مليوني برميل نفط في اليوم. وأظهر آخر استطلاع لشبكة التلفزيون "أي بي سي" أن أكثرية الناخبين تثق بقدرة الجمهوريين على معالجة تحديات الاقتصاد وارتفاع أسعار الوقود أكثر من قدرة الديمقراطيين على معالجة هذه المشاكل، على الرغم من أن الحزب الجمهوري لم يطرح أي خطط عملية لمعالجة هذه التحديات الاقتصادية.

ولكن الديمقراطيين يقولون إن فرصهم بالاحتفاظ بأحد مجلسي الكونغرس، أو حتى بالمجلسين لا تزال في حيز الممكن بسبب الحماس في أوساط النساء وخاصة الشابات للتصويت ضد المرشحين الذين أيدوا قرار المحكمة العليا، إضافة إلى النوعية المتدنية لبعض المرشحين لمجلس الشيوخ من الذي انتقاهم أو أيدهم الرئيس السابق، دونالد ترامب.

قبل حوالي أسبوعين من موعد الانتخابات النصفية، الانقسامات السياسة في البلاد تعد بخلافات وطعون بالنتائج. أكثرية الناخبين الديمقراطيين يرون في الحزب الجمهوري (بمن في ذلك ترامب) الخطر الأكبر على الديمقراطية الأميركية، بينما ترى أكثرية الناخبين الجمهوريين أن الحزب الديمقراطي (بمن في ذلك بايدن) يشكلون الخطر الأكبر عليها.

ونظرا لرفض عدد كبير من المرشحين الجمهوريين إلزام أنفسهم مسبقا بقبول نتائج الانتخابات، فإن المشهد الانتخابي قد لا يصبح واضحا أو مقبولا في الأيام التالية ليوم الانتخابات في الثامن من الشهر المقبل.

تخطي التحديات الاقتصادية مثل معدلات التضخم وأسعار الوقود وغيرها لن يكون سريعا، بصرف النظر عن الحزب الفائز في الانتخابات النصفية، لأن هناك عوامل خارجية وراء ارتفاع هذه الأسعار لا تستطيع الإدارة الأميركية أو الكونغرس التحكم فيها أو التأثير عليها بسهولة أو بسرعة.

وهذا يعيدنا إلى المفارقة الأساسية التي تميز هذه الانتخابات: خيار الدفاع عن الديمقراطية الأميركية التي لم تتعاف حتى الآن من مضاعفات اقتحام الكابيتول وجهود ترامب في التشكيك بصدقية الانتخابات وبنزاهة المؤسسات السياسية الأميركية، وخيار معالجة مشاكل وتحديات اقتصادية آنية خاصة، وإن كانت غير بنيوية أو خطيرة، وقطعا ليست بصعوبة وخطورة التحديات الاقتصادية التي تواجهها الدول الديمقراطية الأخرى. 
إنها مفارقة أميركية بامتياز.

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.