زار وفد من قيادة حماس دمشق والتقى الأسد

بعد عشر سنوات من القطيعة، وفي نفس اليوم الذي كان وفد قيادي فلسطيني، برئاسة حركة حماس، يقوم بزيارة الرئيس السوري بشار الأسد؛ فإن زعيم حركة فتح والرئيس الفلسطيني كان يقلد فنانة سورية شديدة الولاء والارتباط بالنظام السوري وساما، ويمنحها الجنسية وجواز سفر فلسطينيا دبلوماسيا.

الحدثان البارزان خلال الأيام الماضية، وما يطابقها من تحولات خطابية وأشكال قفز سياسي، شبه يومية، تمارسها مختلف القوى والتنظيمات الفلسطينية، إنما تستبطن كمية مهولة من الدلائل السياسية والمؤشرات الرمزية، تدل على وجود "طاقة انتهازية" وقابلية غير محدودة على تجاوز الذات كل مرة، بل ومناقضتها، والاستعداد فعل كل شيء، تمارسها وتفعلها هذه التنظيمات. 

الملفت للنظر، أن الفلسطينيين هُم الجماعة السياسية الوحيدة من القوى السياسية التي في منطقتنا، القادرين على فعل ذلك. فالفلسطينيون، في سلوكهم السياسي ووعيهم السياسي والثقافي الباطن لأنفسهم، إنما يعتقدون بجزم أنهم الطفل المدلل الاستثنائي، الذي يملك الحق في كل شيء، دون محاسبة ومراقبة ومناهضة وعقاب. فهم، حسب وعيهم، فقط منذورون لـ"محاربة إسرائيل"، وفي الطريق إلى ذلك، فإن كل شيء مباح، بما في ذلك الانتهازية السياسية وموالاة أنظمة شديدة الإجرام، والحصول على أموال طائلة منهم، عقد صفقات مريبة مع جهات تمارس أشنع أشكال الإيغال في الدم، وتجاوز آلام شعوب وجماعات أهلية كبرى كاملة.   

ففي المثال الأخير، كانت حركة حماس قادرة، وبكل سلاسة وراحة ضمير، على تجاوز عقد كامل من الدعاية السياسية التي كانت تتبناها وتوزعها في المسألة السورية. كانت حماس تعتبر نفسها مناصرة لمطالب الثائرين السوريين، ومناهضة للنظام الذي أوغل في دمائهم، مدعية وموحية أن خيارها ذاك إنما مُشيد على بنية "أخلاقية" ونزعة طائفية وتناغم إقليمي اختارته الحركة قبل عشر سنوات، وتاليا اعتبرت نفسها جزء من مسألة الشعب السوري. 

تجاوزت الحركة كل ذلك بانسيابية وبلمحة بصر، مثلما كانت قد تجاوزت قبل ذلك بسنوات اضطراب علاقتها مع النظام الإيراني، بعدما أتهمته بممارسة أفعال واستراتيجيات طائفية. 

قبل سنوات، كانت حركة فتح، الجناح السياسي الفلسطيني الآخر، الموازي لحركة حماس، و"المناقض" لها ايديولوجيا وسلوكيا كما يروج الطرفان، كانت قد تجاوزت بحيرة الدم الكبرى التي بينها وبين النظام السوري، والتي تشكلت طوال عقود كاملة من تاريخ منطقتنا. تجاوزت كل ذلك، وأعلنت تأييدها للنظام السوري، في مواجهة "الشعب السوري"، الذي قالت الحركة في ترسانة ضخمة من أدبياتها وخطابها السياسي التاريخي بأنه الشعب الأكثر مصداقية وتضحية في سبيل القضية الفلسطينية. 

يتجاوز الأمر أي مستوى من البراغماتية السياسية، ليكشف ما يعتقد الفلسطينيون أنه المضمون والمعنى والتعريف والاستثناء الجوهري الذي لقضيتهم، أي القداسة. 

فمثلما تتجاوز القداسة أية معايير وضرورة مساواة وأدوات مقارنة عقلانية/إنسانية لكل سلوك، فإن هذا النوع من الوعي الفلسطيني بذاته وقضيته، إنما يُترجم إلى طيف واسع من الأفعال وطرائق التفكير والنوازع الإيديولوجية المفارقة لأي توازن موضوعية أو قيمة أخلاقية مفترضة أو مساواة فيما بينهم وبين الآخرين، حتى لو كان هؤلاء الآخرون ضحايا أكثر من الفلسطينيين أنفسهم، بما لا يقاس.

فلأن هؤلاء الفلسطينيون، أو فاعليهم السياسيون والثقافيون على الأقل، هُم ولاة وسدنة ومنفذو هذه القضية المقدسة، فهم مخولون لفعل كل شيء، بما في ذلك اعتبار قضيتهم ذات أولوية على أية قضية أخرى، مهما كان حجمها وأياً كانت المآسي المترتبة عنها. فكل شيء آخر هو "تفصيل"، بينما المسألة الفلسطينية هي "الجوهر"، حسبهم. كذلك فإن تلك القدسية تمنحهم طاقة رهيبة لفعل كل شيء، الاتفاق مع أنظمة شمولية مثلاً دون أية حسابات أخلاقية، التراجع عن أي فعل أو منهجية وتنفيذ ما يعاكسها تماماً، دون أي شعور بالتناقض، الجلافة الوجدانية في عدم منح أي اعتبار لمآسي الآخرين وخياراتهم وحسابتهم، والمطالبة التامة والدائمة بالحصول على الاستثناء. 

حصل ذلك نتيجة قرن كامل من مراكمة الصراخ الإيديولوجي حول "المسألة الفلسطينية"، كانت تنظيمات القوميين العرب والسوريين، إلى جانب اليساريين العصبويين وقوى الإسلام السياسي الإخواني والسلفي قد غزت به كل أشكال الحياة العامة والوعي الجمعي، حتى صارت المسألة الفلسطينية مصبوغة ومحتكرة لجلال القداسة.

إذ لولاهما، ليست القضية الفلسطينية إلا واحدة من الصراعات وأشكال الإرث التي خلفتها مرحلة انهيار الإمبراطوريات الكبرى بعد الحرب العالمية الأولى. مسألة تتعلق بالعنف والتنازع على الأرض وتشكيل الكيانات الحديثة، تلك الأحداث والمواجهات التي حصلت في بِقاع لا تُعد من مختلف جغرافيات العالم، من البلقان إلى آسيا الوسطى، ومن أمريكا اللاتينية إلى مجاهيل أفريقيا، مروراً بمنطقتنا. 

منطقتنا هذه، شهدت أشياء وآثار كثيرة من ذلك. كانت القضية الكردية والأرمنية والأمازيغية أمثلة مباشرة عنها، إلى جانب مماحكات وتنازعات حدودية لا تنتهي، بين مختلف دول وشعوب وجماعات المنطقة.

لكن هذه القضايا كلها، ما أخذت هذه الكمية المهولة من القداسة والتبجيل، التي أخذتها القضية الفلسطينية، تلك التي رفعتها إلى مرتبة الاستثناء المطلق والاستعصاء التام على إيجاد أية حلول وسطى أو نهايات معقولة. فقد غدت مسألة متجاوزة لأية معقولية، ولأي معايير واضحة متعلقة بتلك المحددات البسيطة، بالتنازع على الأرض والخلاف على شرعية الحُكم والحق في تشكيل الكيانات الحديثة، تجاوزت ذلك لتكون مسألة موغلة في الماضي السحيق، شيئاً من الصراعات الدينية الأبدية والوعود والتصورات الأسطورية، وقبلها مواجهة مطلقة بين عالمين، الـ"نحن" والـ"هم". وتالياً فتح الباب واسعاً أمام سدنتها وحماتها وأصحابها ليفعلوا كل شيء، فهم حسب ذلك التصنيف، متجاوزون لمعايرنا العقلانية والإنسانية العادية.

هذه المضامين والمتصورات وأنماط المنطق التي تبناها الفلسطينيون عن أنفسهم وقضيتهم، ومثلهم فعل الكثيرون من الذين آمنوا بذلك الاستثناء الفلسطيني، من أبناء الدول والجماعات الأخرى، فتحت المجال ليملك الفلسطينيون القدرة والجرأة على السعي لإلغاء دولة ومجتمع مثل الأردن في ستينات القرن المنصرم، وفعل الأمر نفسه مع لبنان واللبنانيين في السبعينات منه، وأشياء كثيرة من مثل ذلك مع العراقيين والإيرانيين والليبيين فيما بعد، والآن مع السوريين، ودوما دون أي شعور بتناقض عقلي أو فداحة أخلاقية وجلافة وجدانية، حيث أن كل ذلك هو فقط على حساب شعوب ومجتمعات تلك البلدان.  

هل يخص هذا الأمر كامل الطيف السياسي والوعي الثقافي الفلسطيني، وكل المدافعين عنهم في مختلف بلدان منطقتنا، وليس ثمة أناس وتنظيمات تعتبر القضية الفلسطينية وحماتها مثل غيرها من قضايا المنطقة وفاعليها، أي من الممكن أن تكون محل تساؤل ومحاكمة ومعاقبة!.

ربما نعم، ودون شك ثمة من هُم ليسوا كذلك، لكن أين هُم هؤلاء الفلسطينيون العاديون!!، وأين هي تلك التنظيمات الفلسطينية العادية!!، حقيقة أين هم!!.   

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.