مسلمون يغادرون مسجدا في باكستان بعد أداء صلاة الجمعة خلال شهر رمضان
مسلمون يغادرون مسجدا في باكستان بعد أداء صلاة الجمعة خلال شهر رمضان

هل قرأ المسلمون تاريخهم؟ هنا تتزاحم الأسئلة: هل من الضروري أن يقرأ المسلمون تاريخهم؟ لماذا يقرأ  المسلمون تاريخهم؟ ثم: أليس المسلمون الآن هم الأكثر انشغالا بالتاريخ، أو تاريخهم، عن الواقع، أو واقعهم، من غيرهم ؟...إلخ.

الأسئلة، وكلها إشكالية؛ وصولا إلى السؤال عن "كيفية" قراءة المسلمين لتاريخهم، وعن علاقة هذه الـ"الكيفيّة" بالمستهدف الغائي المُضْمَر في القراءات التاريخية الرائجة في العالم الإسلامي.

بداية، لم يقرأ المسلمون تاريخهم حقا، مع كثرة ما كتبوه وطبعوه وتشدّقوا به من هذا التاريخ. البحث التاريخي في العالم الإسلامي، والعالم العربي على الأخص، كان، ولا يزال، يشتغل بدوافع ومُحدّدات رَسْمِيّة وأيديولوجية ترسم معالمَ البحث وتُحَدِّد نتائجَه سلفا، وما على "البحث العلمي" حينئذٍ إلا أن يكون مُتَرجِما لإرادة المؤسسات الرسمية الآمرة الناهية، ومُعزِّزا لاستحقاقات الانتماء الأيديولوجي. ولهذا، يصبح البحث التاريخي إمعاناً في التزييف والتّعمية والتجهيل، بدل أن يكون كشفاً وإضاءةً وتنويرا.

قبل أن تُحدّد ما تريد في الراهن والمستقبل، يجب أن تعرف من أنت في الراهن والماضي. ولن تعرف من أنت، حتى تعرف من أين بدأت (أي بدأ تاريخك)، وكيف تشكّلتَ عبر الزمان والمكان، ومستوى الضروري والاحتمالي في تحديد وتكييف ما أنت عليه الآن، أي فيما وصلتَ إليه في هذه اللحظة التاريخية التي تُفكّر فيها بذاتك.

ومهما حاولت، لن تقطع مع رحلة صيرورتك في الماضي، إلا بأن تقطع مع هذه الرحلة في المستقبل. وهذا القطع أو القطيعة هو المستحيل بعينه لمن لا يزال يُصِرُّ على الإمساك بالبقية الباقية من رمق الحياة.

حقا، المسلمون لا يعرفون كيف بدأوا (أو بدأ إسلامهم)، ولا يعرفون كيف تشكّلوا عبر التاريخ، ،لا كيف وصلوا إلى ما هم عليه الآن. ليسوا فقط لا يعرفون، أي ليست الصفحات هنا بيضاء فارغة، بل هي ممتلئة بكل ما صنعه "الوهم" و"الخيال" على مدى عشرات الأجيال من الصراعات البَيْنِيّة المشتعلة بين المذاهب والقبائل والأعراق والدويلات والسلاطين، مع ما رافق ذلك من الانزياحات العشائرية الكبرى المشحونة بالعنف المدمر، وأيضا من الصراعات الدائمة مع الآخرين من غير المسلمين؛ حتى كانت الحدود على الدوام حدود دماء وأشلاء.

إن قراءة التاريخ هي كتابة التاريخ. قرأ المسلمون تاريخهم بالطريقة ذاتها التي كتبوا بها تاريخهم. الكتابة هي تأمل قرائي فيما يجب أن تكون عليه الذات، وبالتالي، بما يجب أن يكون عليه التاريخ.

وإذا كان المسلمون كتبوا تاريخهم في لحظات انتصارهم التاريخي الخاطف الذي أزاح عددا من الإمبراطوريات الكبرى آنذاك، فقد كان التاريخ، حتى السابق لهذا النصر، يُكتَب على أضواء مشاعل هذا النصر، أي بوصفه تاريخ أبطالٍ خارقين أو استثنائيين كانوا،  على الدوام، أبطالا استثنائيين، بل وكانوا، على الدوام، إنسانيين! 

لا يعرف المسلم اليوم شيئا حقيقا عن تاريخه أو تاريخ أسلافه إلا شذرات مبعثرة من حقيقة تائهة في أدغال الادعاءات الرغبوية التي تخلط بين مقتضيات العلم ومقتضيات الفخر القومي أو الديني.

ليس هذا التوهان هو حال المسلم العادي فحسب، بل هو حال الجميع، حتى ذلك المسلم المتعلم تعليما أكاديميا، بل هو أيضا حال كثير من المتخصصين في حقل البحث التاريخي، باستثناء أولئك الذين دخلوا هذا الحقل عن شغف حقيقي به، فنقّبوا فيه بجهد نضالي مثابر، جهد تراكمي متواصل؛ حتى أدركوا كثيرا من معالم الحقيقة.

ولكن، حتى هؤلاء للأسف، نجد كثيرا منهم آثر الصمت ومارس نوعا من التماهي مع السرديات الرغبوية المتخيلة؛ حتى لا يَخسر جماهيريا، وقليل، قليل جدا من هؤلاء؛ آثَرَ الصدعَ بالحقيقة كما هي حتى لو اصطدمت زواياها الحادّة بعنفٍ مع مقدسات كثير من الجماهير التي لا تستأنس ولا تطمئن إلا لِمن يُسَبِّح بِحَمْدِ مُقَدَّسَاتها؛ ولو كان كاذبا!  

إن فتح ملف "الفتوحات الإسلامية" مثلا، كفيل بإعادة كتابة كثير من محاور التاريخ، بل وكثير من شخصياته المقدسة أو شبه المقدسة. فالمسلم اليوم لديه صورة مغلوطة عن تلك الفتوحات وملابساتها؛ ما يعني، في النهاية، أن لديه صورة مغلوطة عن نفسه إنسانا ودينا وحضارة. 

لا يعرف المسلم اليوم أن ثمة شعوبا ناضلت ضد هذه الفتوحات الاستعمارية؛ مُضَحّيةً بأرواحها ودمائها، وأنها دفعت في سبيل صدّها ابتداء، أو التحرر منها تاليا، زهرة أبنائها، وأن اجتياز المسافة الواقعة بين وسط ليبيا شرقا وطنجة غربا، احتاج من "الفاتحين" إلى حرب ضروس ممتدة على مدى 67 عاما كاملة، كانت حركات الانتفاضات الشعبية ضد "الفاتحين أو المستعمرين" من العرب المتأسلمين، متواصلة، لم تنقطع يوما ما إلا ريثما تنبعث من جديد، وأن سياسة إطفاء أوار هذه التمرّدات لم تكن بالاحتواء والتسامح، بل كانت بمزيد من الدماء والأشلاء، بل وبممارسات استئصالية في كثير من الأحيان.  

طبعا، هذا يختلف إلى حد كبير عن الحال في الغزو العربي لمنطقتي الشام والعراق؛ لأنهما كانتا مجالا حيويا لكثير من القبائل العربية قبل الإسلام بقرون. فكثير من هذه القبائل العربية استوطنت العراق والشام بكثافة، واستطاعت إدارة شؤونها مع الحكم الفارسي والروماني بقليل من التوتر، وكثير من الانسجام. ولهذا استقبلت الفتحَ العربي الإسلامي بعاطفة عربية مُرحّبة، وبعاطفة دينية متوجّسة إلى حد ما. وهذا ما سهّل عملية الفتح التي أنْجِزَت في ظرف أربع سنوات تقريبا، وهو ظرف قياسي بالمقارنة مع 67 عاما في الشمال الأفريقي. 

على أي حال، سياسات الفاتحين، في مصر وشمال أفريقيا، وفي فارس وخرسان، وفي ما وراء هذه وتلك، كانت سياسات غير إنسانية إلى حد كبير، بل في بعض فتراتها كانت سياسات متوحشة، سامت أهل تلك البلدان المفتوحة سوءَ العذاب.

ولا يتعلّق الأمر هنا بآلية الاسترقاق الجماعي وسبي الذراري فحسب، بل يتعلق الأمر بما هو أشمل وأدوم، وأشد استنزافا على المدى البعيد، أي بالسياسات المالية (جباية الخراج والجزية...إلخ) التي طالما دفعت الضحايا المنتهكين مالا وكرانة للثورة والتمرّد، ومن ثم، كان الرّد الإسلامي الإمبراطوري بمزيد من القمع والإذلال والقهر، الذي يصل أحيانا مستويات عالية من تعمّد الاستئصال.

هل يعني كل هذا أن الإسلام انتشر بالسيف؟ 

الجواب باختصار: نعم، ولا.  

والتفصيل في مقال قادم..

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.