أعاد الاعتراض السياسي الجنوبي الحيوية السياسية لمنطقة تعتبر واحدة من أعقد المناطق وأصعبها للعمل في الشأن العام في لبنان، نتيجة لسطوة الثنائي الحزبي المهيمن على القرار الشيعي في لبنان.
لكن قوى التغيير وبرغم قلة إمكانياتها وما تتعرض له من تهديدات، تُصر على تحقيق هدفها في تكوين تيار وطني في الجنوب خارج الاصطفافات الحزبية والمذهبية، مستفيدة من الفضاء العام لانتفاضة 17 تشرين، ومن النجاح الذي تمكنت من تحقيقه في الانتخابات النيابية الأخيرة.
نشاط التغييرين الأخير في الجنوب يأتي في لحظة حرجة جنوبيا ووطنيا بسبب تراجع الرهانات على إمكانية التغيير من خلال الشارع، أو من داخل المؤسسات الدستورية بسبب سيطرة المنظومة على كافة أدوات الدولة، الأمر الذي أدى إلى نوع من الإحباط لدى كافة الشرائح التي شاركت في انتفاضة تشرين.
وما زاد طين الإحباط بلة التخبط الذي تعيشه كتلة التغييريين في البرلمان والقلق من الفشل المبكر للتجربة التشريعية باعتبارها تختصر كل ما أنجز منذ 17 تشرين 2019 وإلى الآن، فالتجربة البرلمانية التي لم تزل في بدايتها من الظلم الحكم عليها مبكرا، لذلك يمكن اعتبار أن عودة قوى التغيير في الجنوب وفي كافة المناطق اللبنانية إلى نشاطها، واستعادة حيويتها، فرصة من أجل الضغط على كتلة التغيير البرلمانية من أجل تصحيح مسارها جماعة وأفرادا، وتنبيههم إلى أن ضياعهم سيكون سببا مباشرا في خسارة أصوات الناخبين، الذين أعطوهم ثقتهم.
عملية تصحيح المسار العام، أو ما يمكن وصفه الانتفاضة في الانتفاضة، باتت حاجة ملحة خصوصا في الجنوب، ولكن ذلك يحتاج إلى وضع خارطة طريق لعمل سياسي مستدام يضع في صلب مهماته هدفين، الأول مباشر وهو انتظام العمل السياسي من خلال مأسسة الحالة الاعتراضية التي تبلورت بعد الانتفاضة، أي تنظيم العمل بين مجموعاتها وليس تحويلها لتنظيم حزبي، أما الهدف الثاني، المُكمل للأول، فهو وضع خطة عمل مبدئية للتفكير في انتخابات 2026.
لذلك فإن المطلوب ممن أعدّ لقاء مدينة النبطية يوم السبت الفائت أي (مجموعة نبض الجنوب وعامية 17 تشرين) إضافة إلى مجموعة من الناشطين والمستقلين الجنوبيين، أن يعملوا على مفهوم التعددية والتنوع داخل المعارضة، واستيعاب كافة القوى والهيئات والمجموعات المعترضة وحتى البيئات الاجتماعية الحاضنة لقوى الأمر الواقع الشيعي التي بدأت تأخذ مسافة موضوعية من بعض القضايا الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية التي كان الثنائي الحاكم يُروج لها، إضافة إلى بروز عامل السؤال لدى الكوادر التنظيمية داخل الثنائية، نتيجة لعوامل كثيرة أبرزها اتفاقية الترسيم وما رافقها من تنازلات غير مبررة للطرف الإسرائيلي.
ما قبل 17 تشرين 2019 سمحت الثنائية الحزبية الشيعية المهيمنة للمعارضة المدجنة العمل في الجنوب، وخونت من كان خارجها، وتعاملت بتكبر وإنكار مع المعارضة التي تجمعت بعد انتفاضة تشرين.
معارضة نجحت في تحقيق نقاط عديدة ولكنها محاصرة داخليا وخارجيا، فالأخير لم يتعامل معها إلا في إطار معركته مع الثنائية وليس كقوة سياسية بديلة، أما الداخل فهناك من يحاول تهميشها بعد الفشل في مصادرتها، فيما النخب الشيعية لم تزل حذرة في التعاطي معها حفاظا على مصالحها مع الثنائية، أما البرجوازية الشيعية فهي بعيدة عن قوى التغيير، إما لأنها مرتبطة بسلطة السياسة الشيعية ومرتهنة لها، وإما أنها لا تملك ثقافة يمتلكها غيرها من البرجوازيات اللبنانية الأخرى التي تعتمد دعم حيويات أخرى حفاظا على تعدديتها.
في المؤتمر الصحفي الموسع الذي عقد في النبطية، أكد المرشح السابق التغييري الدكتور علي مراد على ثوابت المعارضة اللبنانية وخصوصيتها الجنوبية حيث قال "إن ما نطرحه اليوم هو تعبير عن هويتنا ككيان سياسي، يكون في موقع وسطي بين الحزب والتجمع ويعكس الفهم المشترك للتنوع، والأخذ بآليات الديمقراطية ويسعى إلى التغيير السلمي الديمقراطي وبناء الدولة والمؤسسات واحترام القانون وتطبيق العدالة الاجتماعية".
الكلام عن الديمقراطية والتعددية والدعوة إلى جمهورية علمانية ديمقراطية برلمانية على أساس المواطنة وحكم القانون من الجنوب شجاعة ومسؤولية تتطلب حكمة في مواجهة قوى عقائدية مسلحة، لن تسمح بمزيد من التفكك داخل بيئتها الشعبية والتنظيمية، خصوصا أن الخطاب الذي بنت عليه رصيدها منذ ثلاثة عقود فقد تأثيره بعد تفاقم الأزمة المعيشية ودفاعها عن قوى الفساد من جهة، ومن جهة أخرى فإن ما بعد اتفاق الترسيم ومشروعية وشرعية السلاح ومبرراته لم تعد فوق النقاش.

